فصل: طرق الاجتهاد في إثبات العلة

95 paragraphs · vol. 2, p. 145

Page 1 of 3

  1. والاجتهاد في العلة على ثلاثة أضرب:

    تحقيق المناط للحكم، وتنقيحه، وتخريجه.

    vol. 2, p. 145
  2. أما تحقيق المناط١، فنوعان:

    أولهما: لا نعرف في جوازه خلافًا.

  3. ومعناه: أن تكون القاعدة الكلية متفقًا عليها، أو منصوصًا عليها، ويجتهد في تحقيقها في الفرع.

  4. ومثاله: قولنا: "في حمار الوحش: بقرةٌ" لقوله تعالى: {فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ} ٢ فنقول: "المثل واجب، والبقرة مثل، فتكون هي الواجب" .

  5. فالأول: معلوم بالنص والإجماع، وهو: وجوب المثلية في البقرة٣.

  6. أما تحقيق المثلية في البقر، فمعلوم بنوع من الاجتهاد٤.

  7. ومنه الاجتهاد في القبلة فنقول: وجوب التوجه إلى القبلة معلوم بالنص، أما أن هذه جهة القبلة١: فيعلم بالاجتهاد.

    vol. 2, p. 146
  8. وكذلك تعيين الإمام٢، والعدل، ومقدار الكفاية في النفقات ونحوه٤.

  9. فليعبر عن هذا بتحقيق المناط، إذ كان معلومًا، لكن تعذر معرفة وجوده في آحاد الصور، فاستدل عليه بأمارات٥

    الثاني: ما عرف علة الحكم فيه بنص أو إجماع، فيبين المتجهد وجودها في الفرع باجتهاده.

  10. مثل: قول النبي -صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم- في الهر: "إِنَّهَا لَيْسَتْ بِنَجسٍ؛ إِنَّهَا مِنَ

  11. الضرب الثاني: تنقيح١ المناط:
  12. وهو: أن يضيف الشارع الحكم إلى سببه، فيقترن به أوصاف لا مدخل لها في الإضافة، فيجب حذفها عن الاعتبار، ليتسع الحكم.

  13. ومثاله: قوله -صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم- للأعرابي الذي قال: هلكتُ يا رسول الله. قال: "مَا صَنَعتَ؟ " قال: وقعت على أهلي في نهار رمضان. قال: "أَعْتِقْ رَقَبةً" ٢.

  14. فنقول: كونه أعرابيًّا: لا أثر له٣ فيلحق به "التركي" و "العجمي" ، لعلمنا أن مناط الحكم: وقاع مكلف، لا وقاع الأعرابي، إذ التكاليف تعم الأشخاص، على ما مضى٤.

  15. ويلحق به: من أفطر بوقاع في رمضان آخر؛ لعلمنا أن المناط: حرمة رمضان، لا حرمة ذلك الرمضان٥.

  16. وكون الموطوءة منكوحة: لا أثر له، فإن الزنا أشد في هتك الحرمة.

    vol. 2, p. 149
  17. فهذه إلحاقات معلومة تبنى على مناط الحكم، بحذف ما علم بعادة الشرع في مصادره وموارده وأحكامه: أنه لا مدخل له في التأثير.

  18. وقد يكون بعض الأوصاف مظنونًا، فيقع الخلاف فيه كالوقاع، إذ يمكن أن يقال: مناط الكفارة: كونه مفسدًا للصوم المحترم، والجماع آلة الإفساد، كما أن السيف آلة للقتل الموجب للقصاص، وليس هو من المناط، كذا ههنا١.

  19. ويمكن أن يقال: الجماع مما لا تنزجر النفس عنه عند هيجان الشهوة بمجرد وازع الدين، فيحتاج إلى كفارة وازعة، بخلاف الأكل.

  20. والمقصود: أن هذا نظر في تنقيح المناط بعد معرفته بالنص، لا بالاستنباط، وقد أقر به أكثر منكري القياس.

  21. وأجراه أبو حنيفة في الكفارات، مع أنه لا قياس فيها عنده١.

    vol. 2, p. 150
  22. الضرب الثالث، تخريج المناط٢:
  23. وهو: أن ينص الشارع على حكم في محل، ولا يتعرض لمناطه أصلًا. كتحريمه شرب الخمر، والربا في البر.

  24. فيستنبط المناط بالرأي والنظر، فيقول: حرّم الخمر، لكونه مسكرًا، فيقيس عليه النبيذ، وحرّم الربا في البر، لكونه مكيلًا، فيقيس عليه الأرز.

  25. وهذا هو الاجتهاد القياسي الذي وقع الخلاف فيه.

  26. فصل

    في إثبات القياس على منكريه

    قال بعض أصحابنا: يجوز التعبد بالقياس عقلًا وشرعًا، لقول أحمد،

    vol. 2, p. 151رحمه الله: "لا يستغني أحد عن القياس" ١.

  27. وبه قال عامة الفقهاء والمتكلمين.

  28. وذهب أهل الظاهر والنظام إلى أنه لا يجوز التعبد به عقلًا ولا شرعًا٢. وقد أومأ إليه أحمد -رحمه الله- فقال: "يجتنب المتكلم في الفقه هذين الأصلين: المجمل والقياس" ٣.

  29. وتأوله القاضي على قياس يخالف به نصًّا.

    وقالت طائفة: لا حكم للعقل فيه بإحالة ولا إيجاب، لكنه في مظنة الجواز، فأما التعبد به شرعًا: فواجب.

  30. وهو قول بعض الشافعية وطائفة من المتكلمين٤.

  31. وجه قول أصحابنا١:
  32. [الدليل الأول] أن تعميم الحكم واجب، ولو لم يستعمل القياس: أفضى إلى خلو كثير من الحوادث عن الأحكام، لقلة النصوص، وكون الصور٢ لا نهاية لها، فيجب ردهم إلى الاجتهاد ضرورة٣.

  33. فإن قيل: يمكن التنصيص على المقدمات الكلية ويبقى الاجتهاد في المقدمات الجزئية، فيكون من تحقيق المناط، وليس ذلك بقياس، وذلك مثل: أن ينص على: "أن كل مطعوم ربوي" وهذه المقدمة الكلية، فيبقى الاجتهاد في: "أن هذا مطعوم أم لا" ؟

  34. وهذا لا خلاف في جوازه.

  35. قلنا: إن تصوّر هذا فليس بواقع، فإن أكثر الحودث ليس بمنصوص على مقدماتها الكية، كميراث الجد وأشباهه، فيقتضي العقل: أن لا يخلو عن حكم٤.

  36. دليل ثان:
  37. أن العقل يدل على العلل الشرعية ويدركها، إذ مناسبة الحكم عقلية مصلحية، يقتضي العقل تحصيلها وورود الشرع بها، كالعلل العقلية١.

  38. ولأننا نستفيد بالقياس ظنًّا غالبًا في إثبات الحكم، والعمل بالظن الراجح متعين٢.

  39. وشبهة المانعين منه عقلًا: ما مضى في رد خبر الواحد٣. وقد مضى

    vol. 2, p. 154فأما التعبد به شرعًا: فالدليل عليه:

    إجماع الصحابة -رضي الله عنهم- على الحكم بالرأي في الوقائع الخالية عن النص.

  40. فمن ذلك

    حكمهم بإمامة أبي بكر -رضي الله عنها- بالاجتهاد مع عدم النص، إذ لو كان ثم نص لنقل، ولتمسك به المنصوص عليه١.