فصل: طرق الاجتهاد في إثبات العلة
95 paragraphs · vol. 2, p. 145
Page 2 of 3
- vol. 2, p. 154
وقياسهم العهد على العقد، إذ عهد أبو بكر إلى عمر -رضي الله عنهما- ولم يرد فيه نص، لكن قياسًا لتعيين الإمام على تعيين الأمة٢.
- vol. 2, p. 155
ومن ذلك: موافقتهم أبا بكر -رضي الله عنه- في قتال مانعي الزكاة بالاجتهاد١.
-
وكتابة المصحف بعد طول التوقف فيه٢.
- vol. 2, p. 156
وجمع عثمان له على ترتيب واحد١.
- vol. 2, p. 157
واتفاقهم على الاجتهاد في مسألة "الجد والإخوة" على وجوه مختلفة، مع قطعهم أنه لا نص فيها١.
-
وقولهم في المشرّكة٢.
- vol. 2, p. 158
ومن ذلك: قول أبي بكر -رضي الله عنه- في الكلالة: "أقول فيها برأيي، فإن يكن صوابًا فمن الله، وإن يكن خطأ فمني ومن الشيطان، والله ورسوله بريئان منه. الكلالة: ما عدا الوالد والولد" ١.
-
ونحوه عن ابن مسعود في قضية بَرْوع بنت واشق٢.
- vol. 2, p. 159
ومنه: حكم الصديق -رضي الله عنه- في التسوية بين الناس في العطاء، كقوله: "إنما أسلموا لله وأجورهم عليه، وإنما الدنيا بلاغ" ، ولما انتهت النوبة إلى عمر -رضي الله عنه- فصل١ بينهم وقال: "لا أجعل من ترك داره وماله وهاجر إلى الله ورسوله كمن أسلم كرهًا" ٢.
-
ومنه: عهد عمر -رضي الله عنه- إلى أبي موسى: "اعرف الأمثال والأشباه، وقس الأمور برأيك٣.
vol. 2, p. 160وقال علي، رضي الله عنه: "اجتمع رأيي ورأي عمر في أمهات الأولاد أن لا يُبعن، وأنا الآن أرى بيعهن" ١.
وقال عثمان لعمر: "إن نتبع رأيك فرأي رشيد، وإن نتبع رأي من قبلك فنعم ذو الرأي كان" ٢.
-
ومنه: قولهم، في السكران: "إذا سكر هذي، وإذا هذي أفترى، فحدوه حد المفتري" ٣.
- vol. 2, p. 161
وهذا التفات منهم إلى أن مظنة الشيء تنزل منزلته.
وقال معاذ للنبي، صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: "أجتهد رأيي" ١ فصوبه
فهذا وأمثاله -مما لا يدخل تحت الحصر- مشهور، إن لم تتواتر آحاده: حصل بمجموعة العلم الضروري: أنهم كانوا يقولون بالرأي، وما من وقت إلا وقد قيل فيه بالرأي٢.
-
ومن لم يقل، فلأنه أغناه غيره عن الاجتهاد، وما أنكر على القائل به، فكان إجماعًا.
-
[الاعتراضات الواردة على إجماع الصحابة]
- فإن قيل: فقد نقل عنهم ذم الرأي وأهله:
-
فقال عمر، رضي الله عنه: "إياكم وأصحاب الرأي، فإنهم أعداء
vol. 2, p. 162السنن، أعيتهم الأحاديث أن يحفظوها، فقالوا بالرأي، فضلوا وأضلوا "١.
وقال علي، رضي الله عنه: "لو كان الدين بالرأي لكان أسفل الخف أولى بالمسح من أعلاه "٢.
وقال ابن مسعود، رضي الله عنه: "قراؤكم وصلحاؤكم يذهبون، ويتخذ الناس رؤساء جهالًا فيقيسون ما لم يكن بما كان "٣.
-
وقولهم: "إن حكمتم بالرأي أحللتم كثيرًا مما حرم الله، وحرمتم كثيرًا مما أحله "٤.
-
وقول ابن عباس: "إن الله لم يجعل لأحد أن يحكم برأيه، وقال لنبيه: {لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ} ٥ ولم يقل: بما رأيت"٦.
- vol. 2, p. 163
وقوله: "إياكم والمقاييس، فما عبدت الشمس إلا بالمقاييس" ١.
وقال ابن عمر: "ذروني من أرأيت وأرأيت" ٢.
-
[الرد على الاعتراضات المتقدمة]
-
قلنا: هذا منهم ذم لمن استعمل الرأي والقياس في غير موضعه، أو بدون شروطه.
-
فذم عمر -رضي الله عنه- ينصرف إلى من قال بالرأي من غير معرفة للنص، ألا تراه قال: "أعيتهم الأحاديث أن يحفظوها" وإنما يحكم بالرأي في حادثة لا نص فيها، فالذم على ترك الترتيب، لا على أصل القول
vol. 2, p. 164بالرأي، ولو قدم إنسان القول بالسنة على ما هو أقوى منها١: كان مذمومًا.
-
وكذلك قول علي، رضي الله عنه٢.
-
وكل ذم يتوجه إلى أهل الرأي فلتركهم الحكم بالنص هو أولى، كما قال بعض العلماء٣:
أهل الكلام وأهل الرأي قد جهلوا ... علم الحديث الذي ينجو به الرجل
لو أنهم عرفوا الآثار ما انحرفوا ... عنها إلى غيرها لكنهم جهلوا
- جواب ثانٍ:
-
أنهم ذموا الرأي الصادر عن الجاهل الذي ليس أهلًا للاجتهاد والرأي، ويرجع إلى محض الاستحسان، ووضع الشرع بالرأي، بدليل أن الذين نقل عنهم هذا هم الذين نقل عنهم القول بالرأي والاجتهاد٤.
-
والقائلون بالقياس مقرون بإبطال أنواع من القياس، كقياس أهل
vol. 2, p. 165الظاهر، إذ قالوا، الأصول لا تثبت قياسًا، فكذلك الفروع.
-
فإذًا: إن بطل القياس، فليبطل قياسهم١
فإن قيل: فلعلهم عولوا في اجتهادهم على عموم، أو أثر، أو استصحاب حال، أو مفهوم، أو استنباط معنى صيغة من حيث الوضع واللغة في جمع بين آيتين أو خبرين، أو يكون اجتهادهم في تحقيق مناط الحكم، لا في استنباطه.
-
فقد علموا أنه لا بد من إمام، وعرفوا -بالاجتهاد- من يصلح للتقديم، وهكذا في بقية الصور٢.
- قلنا:
-
لم يكن اجتهاد الصحابة مقصورًا على ما ذكروه، بل قد حكموا بأحكام لا تصح إلا بالقياس، كعهد أبي بكر إلى عمر، قياسًا للعهد على العقد بالبيعة، وقياس الزكاة على الصلاة١، وقياس عمر الشاهد على القاذف في حد أبي بكرة٢، وإلحاق السكر بالقذف لأنه مظنته٣.
-
وقد اشتهر اختلافهم في الجد قياسًا: فقال ابن عباس: "ألا يتقي الله زيد، يجعل ابن الابن ابنًا، ولا يجعل أب الأب أبًا" ٤، فأنكر ترك قياس الأبوة على البنوة، مع افتراقهما في الأحكام.
-
وصرح من سوى بينهما بأن الأخ يدلي بالأب، والجد يدلي به أيضًا، فالمدلى به واحد، والإدلاء مختلف٥.
- vol. 2, p. 167
وصرحوا بالتشبيه بالغصنين، والخليجين١.
- vol. 2, p. 168
ومن فتّش عن اختلافهم في الفرائض وغيرها؛ عرف ضرورة سلوكهم التشبيه والمقايسة، وأنهم لم يقتصروا على تحقيق المناط في إثبات الأحكام، بل استعملوا ذلك في بقية طرق الاجتهاد.
-
[الأدلة النقلية على حجية القياس]
-
وقد استدل على إثبات القياس بقوله تعالى: {فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ} ١.
-
وحقيقة الاعتبار: مقايسة الشيء بغيره كما يقال: "اعتبر الدينار بالصَّنْجة" ٢. وهذا هو القياس.
-
فإن قيل: المراد به الاعتبار بحال من عصى أمر الله، وخالف رسله، لينزجر، ولذلك لا يحسن أن يصرح بالقياس ههنا فيقول:
vol. 2, p. 169{يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ} فألحقوا الفروع بالأصول، لتعرف الأحكام.
-
قلنا: اللفظ عام، وإنما لم يحسن التصريح بالقياس ههنا، لأنه يخرج عن عمومه المذكور في الآية، إذ ليس حالنا فرعًا لحالهم١.