فصل: مراتب الجنسية
46 paragraphs · vol. 2, p. 213
Page 1 of 2
- vol. 2, p. 213
ثم الجنسية مراتب، بعضها أعم من بعض:
فإن أعم الأوصاف كونه حكمًا.
-
ثم ينقسم إلى: إيجاب، وندب، وتحريم، وإباحة، وكراهية.
-
ثم الواجب ينقسم إلى: عبادة، وغير عبادة.
-
والعبادة تنقسم إلى: صلاة وغيرها.
-
فما ظهر تأثيره في الصلاة الواجبة أخص مما ظهر في العبادة، وما ظهر في العبادة أخص مما ظهر في الواجب، وما ظهر في الواجب أخص مما ظهر في الأحكام.
-
وفي المعاني أعم أوصافه: أنه وصف يناط الحكم بجنسه حتى يدخل فيه الاشتباه.
- vol. 2, p. 214
وأخص منه: كونه مصلحة، وأخص منه: كونه مصلحة خاصة، كالردع، أو سد الحاجة.
-
فلأجل تفاوت درجات الجنسية -في القرب والبعد- تتفاوت درجات الظن، والأعلى مقدمًا على ما دونه١.
- vol. 2, p. 215
[تعريف آخر للملائم والغريب]
-
وقيل: بل الملائم: ما ظهر تأثير جنسه في جنس الحكم، كتأثير المشقة في التخفيف١.
-
والغريب: الذي لم يظهر تأثيره، ولا ملائمته لجنس تصرفات الشرع٢، كقولنا: الخمر إنما حرم لكونه مسكرًا، وفي معناه: كل مسكر، ولم يظهر أثر السكر في موضع آخر، لكنه مناسب اقترن الحكم به.
-
وقولنا: المبتوتة في مرض الموت ترث؛ لأن الزوج قصد الفرار من الميراث، فعورض بنقيض قصده، قياسًا على القاتل٣ -لما استعجل
vol. 2, p. 216الميراث- عورض بنقيض قصده، فإنا لم نر الشارع التفت إلى مثل هذا في موضع آخر، فتبقى مناسبة مجردة غريبة.
-
وقد قصر قوم القياس على المؤثر١؛ لأن الجزم بإثبات الشارع الحكم رعاية لهذا المناسب تحكّم، إذ يحتمل أن يكون الحكم ثبت تعبدًا، كتحريم الميتة، والخنزير، والدم والحمر الأهلية، وكل ذي ناب من السباع، مع إباحة الضب والضبع.
- vol. 2, p. 217
ويحتمل أن يكون لمعنى آخر مناسب، لم يظهر لنا. "ويحتمل أن يكون حكم الشرع بتحريم الخمر تعبدًا وتحكمًا" ١ ويحتمل أن يكون للإسكار.
-
فهذه ثلاث احتمالات.
-
فالتعيين تحكم بغير دليل، ووهم مجرد مستنده: أنه لم يظهر إلا هذا.
-
وهذا غلط، فإن عدم العلم ليس علمًا بعدم سبب آخر. وبمثل هذا القول بطل القول بالمفهوم.
-
وهذا لا ينقلب في المؤثر؛ فإنه عرف كونه علة بإضافة الحكم إليه نصًّا، أو إجماعًا٢.
- قلنا: لا يصح ما ذكروه لوجهين:
-
أحدهما: أنا قد علمنا من أقيسة الصحابة -رضي الله عنهم- في
vol. 2, p. 218اجتهاداتهم أنهم لم يشترطوا في كل قياس كون العلة معلومة بنص أو إجماع.
-
والثاني: أن المطلوب غلبة الظن، وقد حصل، فإن إثبات الشرع الحكم على وفقه يشهد لملاحظة الشرع له١.
-
وهذا الاحتمال راجح على احتمال التحكم بما رددنا به مذهب منكري القياس، كما في المؤثر، فإن العلة إذا أضيف إليها الحكم في محل: احتمل اختصاصها به.
-
وبه اعتصم نفاة القياس٢.
-
لكن قيل لهم: عُلم من الصحابة اتباع العلل، واطّراح التعبد٣، مهما أمكن، فكذا ههنا، ولا فرق.
-
وقولهم: "يحتمل أن ثم مناسبًا آخر، فهو وهم محض" .
-
[فنقول] ٤: غلبة الظن في كل موضع تستند إلى مثل هذا الوهم،
vol. 2, p. 219ويعتمد انتفاء الظهور في معنى آخر لو ظهر لبطل الظن.
-
ولو فتح هذا الباب لم يستقم قياس، فإن المؤثر إنما يغلب على الظن، لعدم ظهور الفرق، ولعدم ظهور معارض.
-
وصيغ العموم والظواهر إنما تغلب على الظن بشرط: انتفاء قرينة مخصصة، لو ظهرت لزال الظن، وإذا لم تظهر جاز التعويل عليه.
- vol. 2, p. 220
ولم يظهر لنا من الصحابة إلا اتباع الرأي الأغلب، ولم يضبطوا أجناسه، ولم يميزوا جنسًا عن جنس، فمهما سلمتم غلبة الظن: وجب اتباعه.
-
وقولهم: "هذا وهم" : لا يصح؛ فإن الوهم ميل النفس من غير سبب، والظن: ميلها بسبب.
-
وهذا الفرق بينهما.
-
ومن بنى أمره في المعاملات على الظن: كان معذورًا، ومن بناه على الوهم سُفِّه.
-
ولو تصرف في مال اليتيم بالظن: لم يضمن، ولو تصرف بالوهم ضمن.
-
وقد بينا الظن ههنا فيجب البناء عليه. والله أعلم.
-
النوع الثاني
في إثبات العلة. السبر١
قال أبو الخطاب: "ولا يصح إلا أن تجمع الأمة على تعليل أصل، ثم يختلفون في علته، فيبطل جميع ما قالوه إلا واحدة، فيعلم صحتها،
vol. 2, p. 221كي لا يخرج الحق عن أقاويل الأمة "١.
-
فنقول: الحكم معلل، ولا علة إلا كذا أو كذا، وقد بطل أحدهما فيتعين الآخر.
-
مثاله: الربا يحرم في البر بعلة، والعلة: "الكيل، أو القوت، أو الطعم" وقد بطل التعليل بالقوت والطعم، فثبت أن العلة: الكيل.
- vol. 2, p. 222
صحتها؛ لجواز أن يكون الحكم ثابتًا تعبدًا، إذ لم يوجد من الدليل على صحتها إلا خلو المحل عما سواها.
-
والوجود المجرد لا يكفي في التعليل١.
-
وقول المستدل: بحثت في المحل فلم أعثر على ما يصلح للتعليل: ليس بأولى من قول خصمه: بحثت في الوصف الذي ذكرته، فلم أعثر فيه على مناسبة، أو ما يصلح به التعليل، فيتعارض الكلامان.