فصل: شروط المجتهد
18 paragraphs · vol. 2, p. 334
- وشروط المجتهد:
-
إحاطته بمدارك الأحكام المثمرة لها، وهي: الأصول التي فصلناها: الكتاب والسنة، والإجماع، واستصحاب الحال، والقياس التابع لها، وما يعتبر في الحكم في الجملة، وتقديم ما يجب تقديمه منها.
-
فأما العدالة:
فليست شرطًا لكونه مجتهدًا، بل متى كان عالًما بما ذكرناه: فله أن يأخذ باجتهاد نفسه، لكنها شرط لجواز الاعتماد على قوله، فمن ليس عدلًا لا تقبل فتياه.
- والواجب عليه في معرفة الكتاب:
-
معرفة ما يتعلق منه بالأحكام وهي: قدر خمسمائة آيةٍ٢. ولا يشترط حفظها، بل علمه بمواقعها حتى يطلب الآية المحتاج إليها وقت حاجته.
- والمشترط في معرفة السنة:
-
معرفة أحاديث الأحكام، وهي وإن كانت كثيرة فهي محصورة١.
-
ولا بد من معرفة الناسخ والمنسوخ من الكتاب والسنة، ويكفيه أن يعرف أن المستدل به في هذه الحادثة غير منسوخ٢.
-
ويحتاج أن يعرف الحديث الذي يعتمد عليه فيها أنه صحيح غير ضعيف، إما بمعرفة رواته وعدالتهم، وإما بأخذه من الكتب الصحيحة
vol. 2, p. 336التي ارتضى الأئمة رواتها١.
-
وأما الإجماع:
فيحتاج إلى معرفة مواقعه، ويكفيه أن يعرف أن المسألة التي يفتي فيها هل هي من المجمع عليه، أم من المختلف فيهن أم هي حادثة؟ ويعلم استصحاب الحال على ما ذكرناه في بابه.
-
ويحتاج إلى معرفة نصب الأدلة وشروطها٢
ومعرفة شيء من النحو واللغة، يتيسر به فهم خطاب العرب، وهو: ما يميز به بين صريح الكلام، وظاهره، ومجمله، وحقيقته ومجازه، وعامه وخاصه، ومحكمه ومتشابهه، ومطلقه ومقيده، ونصه وفحواه ولحنه ومفهومه.
- vol. 2, p. 337
ولا يلزمه من ذلك: إلا القدر الذي يتعلق به الكتاب والسنة، ويستولي به على مواقع الخطاب، ودرك دقائق المقاصد فيه.
-
فأما تفاريع الفقه: فلا حاجة إليها؛ لأنها مما ولَّدها المجتهدون بعد حيازة منصب الاجتهاد، فكيف يكون شرطًا لما تقدم وجوده عليها؟! ١
[تجزؤ الاجتهاد]
-
فليس من شرط الاجتهاد في مسألة: بلوغ رتبة الاجتهاد في جميع المسائل، بل متى علم أدلة المسألة الواحدة، وطرق النظر فيها: فهو مجتهد فيها، وإن جهل حكم غيرها.
-
فمن نظر في مسألة "المشرّكة" ٢: يكفيه أن يكون فقيه النفس عارفًا بالفرائض: أصولها ومعانيها، وإن جهل الأخبار الواردة في تحريم المسكرات، والنكاح بلا ولي؛ إذ لا استمداد لنظر هذه المسألة منها، فلا تضر الغفلة عنها٣.
-
ولا يضره- أيضًا- قصوره عن علم "النحو" الذي يعرفه به قوله
vol. 2, p. 338- تعالى: {وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ} وقس عليه كل مسألة.
-
ألا ترى أن الصحابة- رَضِيَ اللَّهُ عنهم- والأئمة من بعدهم قد كانوا يتوقفون في مسائل.
-
وسئل مالك عن أربعين مسألة فقال في ست وثلاثين: "لا أدري" ٢. ولم يكن توَقُّفُه في تلك المسائل مخرجًا له عن درجة الاجتهاد. والله أعلم.