فصل في التقليد

21 paragraphs · vol. 2, p. 380

  1. التقليد في اللغة: وضع الشيء في العنق مع الإحاطة به.

    vol. 2, p. 380
  2. ويسمى ذلك قلادة، والجمع قلائد١.

    قال الله تعالى: { ... وَلا الْهَدْيَ وَلا الْقَلائِدَ} ٢.

  3. ومنه قول النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- في الخيل: "لا تقلِّدوها الأوتار" ٣.

    قال الشاعر٤:

    قلدوها تمائمًا ... خوف واش وحاسد

    vol. 2, p. 381ثم يستعمل في تفويض الأمر إلى الشخص استعارة، كأنه ربط الأمر بعنقه. كما قال لقيط الإيادي١:

    وقلِّدا أمركم لله دركم

    رحب الذراع بأمر الحرب مضطلعًا.

  4. وهو في عرف الفقهاء.

  5. قبول قول الغير من غير حجة، أخذًا من هذا المعنى٢، فلا يسمى الأخذ بقول النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- والإجماع تقليدًا؛ لأن ذلك هو الحجة في نفسه.

    قال أبو الخطاب: العلوم على ضربين:

    منها ما لا يسوغ التقليد فيه وهو: معرفة الله ووحدانيته، وصحة

    vol. 2, p. 382الرسالة١. ونحو ذلك؛ لأن المقلد في ذلك إما أن يجوز الخطأ على من يقلده، أو يحيله.

  6. فإن أجازه فهو شاكٌّ في صحة مذهبه.

  7. وإن أحاله: فبِمَ عرف استحالته، ولا دليل عليها؟

  8. وإن قلده في أن أقواله حق، فبِمَ عرف صدقه؟

  9. وإن قلد٢ غيره في تصديقه، فبِمَ عرف صدق الآخر؟

  10. وإن عوّل على سكون النفس في صدقه، فما الفرق بينه وبين سكون أنفس النصارى واليهود المقلدين؟

  11. وما الفرق بين قول مقلده أنه صادق، وبين قول مخالفه؟

  12. وأما التقليد في الفروع:

    فهو جائز إجماعًا٣.

  13. فكانت الحجة فيه: الإجماع.

  14. ولأن المجتهد في الفروع إما مصيب، وإما مخطئ مثاب غير مأثوم، بخلاف ما ذكرناه.

  15. فلهذا جاز التقليد فيها، بل وجب على العامّي ذلك.

    vol. 2, p. 383
  16. وذهب بعض القدرية إلى أن العامّة يلزمهم النظر في الدليل في الفروع أيضًا.

  17. وهو باطل بإجماع الصحابة؛ فإنهم كانوا يفتون العامّة، ولا يأمرونهم بنيل درجة الاجتهاد، وذلك معلوم على الضرورة والتواتر من علمائهم وعوامّهم.

  18. ولأن الإجماع منعقد على تكليف العامّي الأحكام، وتكليفه رتبة الاجتهاد يؤدي إلى انقطاع الحرث والنسل، وتعطيل الحرف والصنائع، فيؤدي إلى خراب الدنيا.

  19. ثم ماذا يصنع العامّي إذا نزلت به حادثة إن لم يثبت لها حكم إلى أن يبلغ رتبة الاجتهاد، فإلى متى يصير مجتهدًا؟

  20. ولعله لا يبلغ ذلك أبدًا، فتضيع الأحكام.

  21. فلم يبقَ إلا سؤال العلماء، وقد أمر الله – تعالى – بسؤال العلماء في قوله تعالى: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ} ١.

    vol. 2, p. 384قال أبو الخطاب: "ولا يجوز التقليد في أركان الإسلام الخمس ونحوها، مما اشتهر، ونقل نقلًا متواترًا؛ لأن العامة شاركوا العلماء في ذلك، فلا وجه للتقليد" ١.