فصل: في اليقين ومداركه

24 paragraphs · vol. 1, p. 88

  1. اليقين: ما أذعنت النفس إلى التصديق به، وقطعت به، وقطعت بأن قطعها به صحيح، بحيث لو حُكي لها عن صادق خلافه لم تتوقف في تكذيب الناقل١. كقولنا: الواحد أقل من الاثنين، وشخص واحد لا يكون في مكانين٢، ولا يتصور اجتماع ضدين٣.

    vol. 1, p. 88
  2. ولنا حالة ثانية، وهي: أن تصدق بالشيء تصديقًا جزميًّا لا تتمارى فيه، ولا تشعر بنقيضه البتَّة، ولو شعرت بنقيضه عسر إذعانها للإصغاء، لكن لو ثبتت وأصغت وحكى لها نقيضه عن صادق أورث ذلك توقفًا عندها.

    vol. 1, p. 89
  3. وهذا اعتقاد أكثر الخلق، وكافة الخلق يسمون هذا يقينًا، إلا آحادًا من الناس.

  4. فأما ما للنفس سكون إليه وتصديق به، وهي تشعر بنقيضه أو لا تشعر، لكن إن شعرت به لم ينفر طبعها عن قبوله، فهو يسمى ظنًّا١.

  5. وله درجات في الميل إلى النقصان والزيادة لا تحصى، فمن سمع من عدل شيئًا سكنت نفسه إليه، فإن انضاف إليه ثان زاد السكون حتى يصير يقينًا، وبعض الناس يسمي هذا يقينًا أيضًا١.

    vol. 1, p. 90
  6. [مدارك اليقين]

  7. ومدارك النفس خمسة:

  8. الأول- الأوليات:
  9. وهي: العقليات المحضة التي قضى العقل بمجرده بها، من غير استعانة بحس وتخيل٢، كعلم الإنسان بوجود نفسه، وأن القديم ليس بحادث، واستحالة اجتماع الضدين، فهذه القضايا تصادف مرتسمة في النفس٣، حتى يظن أنه لم يزل عالمًا بها، ولا يدري متى تجدد، ولا يقف حصولها على أمر سوى مجرد العقل.

  10. الثاني- المشاهدات الباطنة:
  11. كعلم الإنسان بجوع نفسه وعطشه وسائر أحواله الباطنة التي يدركها من ليس له الحواس الخمس، فليست حسية، ولا هي عقلية؛ إذ تدركها البهيمة والصبي. والأوليات لا تكون للبهائم.

  12. الثالث- المحسوسات الظاهرة:
  13. وهي: المدركة بالحواس الخمس، وهي: البصر، والسمع، والذوق، والشم، واللمس.

  14. فالمدرك بواحد منها يقيني، كقولنا: الثلج أبيض، والقمر مستدير، وهذا واضح.

  15. لكن يتطرق الغلط إليها لعوارض: كتطرق الغلط إلى الإبصار، لبعد أو قرب مفرط، أو ضعف في العين وخفاء في المرئي.

  16. وكذلك ترى الظل ساكنًا وهو متحرك، وكذلك الشمس، والقمر، والنجوم، والصبي، والنبات، هو في النمو لا يتبين ذلك.

  17. وأسباب الغلط في الأبصار المستقيمة١ منها: الانعكاس كما في المرآة، والانعطاف، كما يرى ما وراء البلور والزجاج وغير ذلك.

  18. الرابع- التجريبيات:
  19. ويعبر عنها باطراد العادات: ككون النار محرقة، والخبز مشبع، والماء مرو، والخمر مسكر، والحجر هاو، وهي يقينية عند من جربها.

  20. وليست هذه محسوسة؛ فإن الحس شاهد حجرًا يهوي بعينه، أما أن كل حجر هاو، فقضية عامة لم يشاهدها، وليس للحس إلا قضية في عين.

    vol. 1, p. 92
  21. الخامس- المتواترات:
  22. كالعلم بوجود مكة وبغداد. وليس هو بمحسوس، إنما للحس أن يسمع، أما صدق المخبر فذلك إلى العقل. فهذه الخمسة مدارك اليقين.

  23. فأما ما يتوهم أنه منها وليس منها: فالوهميات١، والمشهورات.

  24. وهي آراء محمودة توجب التصديق بها٢، إما شهادة الكل، أو الأكثر، أو جماعة من الأفاضل، كقولك: الكذب قبيح، وكفران المنعم، وإيلام البريء قبيح، والإنعام، وشكر المنعم، وإنقاذ الهلكى حسن.