فصل خطاب الوضع
159 paragraphs · vol. 1, p. 434
Page 3 of 4
- "وَهُوَ" أَيْ الشَّرْطُ مُنْحَصِرٌ فِي أَرْبَعَةِ أَنْوَاعٍ٢:
-
- الأَوَّلُ: شَرْطٌ "عَقْلِيٌّ كَحَيَاةٍ لِعِلْمٍ" ؛ لأَنَّه٣ إذَا انْتَفَتْ الْحَيَاةُ انْتَفَى الْعِلْمُ، وَلا يَلْزَمُ مِنْ وُجُودِهَا وُجُودُهُ٤.
-
- وَالثَّانِي "شَرْعِيٌّ، كَطَهَارَةٍ لِصَلاةٍ" ٥.
-
- "وَ" الثَّالِثَ "لُغَوِيٌّ، كَأَنْتِ طَالِقٌ إنْ قُمْت، وَهَذَا" النَّوْعُ "كَالسَّبَبِ" فَإِنَّهُ يَلْزَمُ مِنْ وُجُودِ الْقِيَامِ وُجُودُ الطَّلاقِ. وَمِنْ عَدَمِ الْقِيَامِ عَدَمُ الطَّلاقِ الْمُعَلَّقِ عَلَيْهِ٦.
-
- "وَ" الرَّابِعُ "عَادِيٌّ، كَغِذَاءِ الْحَيَوَانِ" إذْ الْعَادَةُ الْغَالِبَةُ: أَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْ انْتِفَاءِ الْغِذَاءِ انْتِفَاءُ الْحَيَاةِ. وَمِنْ وُجُودِهِ وُجُودُهَا؛ إذْ لا يَتَغَذَّى إلاَّ الْحَيُّ٧. فَعَلَى هَذَا: يَكُونُ الشَّرْطُ الْعَادِيُّ كَالشَّرْطِ اللُّغَوِيِّ فِي كَوْنِهِ مُطَّرِدًا
vol. 1, p. 456مُنْعَكِسًا١.
-
"وَمَا جُعِلَ قَيْدًا فِي شَيْءٍ لِمَعْنًى" فِي ذَلِكَ الشَّيْءِ "كَشَرْطٍ فِي عَقْدٍ فَـ" حُكْمُهُ "كَـ" شَرْطٍ "شَرْعِيٍّ" ٢.
-
"وَ" الشَّرْطُ "اللُّغَوِيُّ: أَغْلَبُ اسْتِعْمَالِهِ فِي" أُمُورٍ "سَبَبِيَّةٍ عَقْلِيَّةٍ" ٣، نَحْوُ٤: إذَا طَلَعَتْ الشَّمْسُ فَالْعَالَمُ مُضِيءٌ، "وَ" سَبَبِيَّةٍ "شَرْعِيَّةٍ" نَحْوُ: قَوْله تَعَالَى: {وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا} ٥، فَإِنَّ طُلُوعَ الشَّمْسِ سَبَبُ ضَوْءِ الْعَالَمِ عَقْلاً. وَالْجَنَابَةَ سَبَبٌ لِوُجُوبِ٦ التَّطْهِيرِ شَرْعًا٧.
-
"وَاسْتُعْمِلَ" الشَّرْطُ اللُّغَوِيُّ "لُغَةً" أَيْ فِي عُرْفِ أَهْلِ اللُّغَةِ: "فِي شَرْطٍ لَمْ يَبْقَ لِمُسَبِّبٍ شَرْطٌ سِوَاهُ" نَحْوُ: إنْ تَأْتِنِي أُكْرِمْك. فَإِنَّ الإِتْيَانَ شَرْطٌ لَمْ يَبْقَ لِلإِكْرَامِ سِوَاهُ، لأَنَّهُ إذَا دَخَلَ٨ الشَّرْطُ اللُّغَوِيُّ عَلَيْهِ عُلِمَ أَنَّ أَسْبَابَ الإِكْرَامِ حَاصِلَةٌ، لَكِنْ مُتَوَقِّفَةٌ عَلَى حُصُولِ الإِتْيَانِ٩.
-
- "وَ" الْقِسْمُ الرَّابِعُ مِنْ أَقْسَامِ خِطَابِ الْوَضْعِ "الْمَانِعُ" وَهُوَ١٠ اسْمُ فَاعِلٍ مِنْ الْمَنْعِ١١.
-
وَهُوَ "مَا يَلْزَمُ مِنْ وُجُودِهِ الْعَدَمُ، وَلا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِهِ وُجُودٌ وَلا عَدَمٌ" .
- vol. 1, p. 457
فَالأَوَّلُ: احْتِرَازٌ١ مِنْ السَّبَبِ؛ لأَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْ وُجُودِهِ الْوُجُودُ.
-
وَالثَّانِي: احْتِرَازٌ٢ مِنْ الشَّرْطِ؛ لأَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِهِ الْعَدَمُ.
-
٣ وَالثَّالِثُ: وَهُوَ قَوْلُنَا ٣: "لِذَاتِهِ" : احْتِرَازٌ٤ مِنْ مُقَارَنَةِ الْمَانِعِ لِوُجُودِ سَبَبٍ آخَرَ. فَإِنَّهُ يَلْزَمُ الْوُجُودُ لا لِعَدَمِ الْمَانِعِ، بَلْ لِوُجُودِ السَّبَبِ الآخَرِ، كَالْمُرْتَدِّ الْقَاتِلِ لِوَلَدِهِ، فَإِنَّهُ يُقْتَلُ بِالرِّدَّةِ، وَإِنْ لَمْ يُقْتَلْ قِصَاصًا، لأَنَّ الْمَانِعَ لأَحَدِ السَّبَبَيْنِ فَقَطْ٥.
-
"وَهُوَ" ٦ أَيْ الْمَانِعُ ٦ "إمَّا لِحُكْمِ" ٧ وَتَعْرِيفُهُ بِأَنَّهُ "وَصْفٌ وُجُودِيٌّ ظَاهِرٌ مُنْضَبِطٌ مُسْتَلْزِمٌ لِحِكْمَةٍ تَقْتَضِي نَقِيضَ حُكْمِ السَّبَبِ مَعَ بَقَاءِ حُكْمِ الْمُسَبِّبِ" ٨، "كَأُبُوَّةٍ فِي قِصَاصٍ" مَعَ الْقَتْلِ الْعَمْدِ الْعُدْوَانِ. وَهُوَ كَوْنُ الأَبِ سَبَبًا لِوُجُودِ الْوَلَدِ، فَلا يَحْسُنُ كَوْنُهُ سَبَبًا لِعَدَمِهِ٩. فَيَنْتَفِي الْحُكْمُ ١٠ وَهُوَ الْقِصَاصُ ١٠ مَعَ وُجُودِ مُقْتَضِيهِ، وَهُوَ الْقَتْلُ١١.
- vol. 1, p. 458
"أَوْ" يَكُونُ الْمَانِعُ١ "لِسَبَبِهِ" أَيْ سَبَبِ الْحُكْمِ، وَالْمَانِعُ هُنَا: "وَصْفٌ يُخِلُّ وُجُودُهُ بِحِكْمَةِ السَّبَبِ" "كَدَيْنٍ مَعَ مِلْكِ نِصَابٍ" ، وَوَجْهُ ذَلِكَ: أَنَّ حِكْمَةَ وُجُوبِ الزَّكَاةِ فِي النِّصَابِ - الَّذِي هُوَ السَّبَبُ- كَثْرَةُ تَحَمُّلِ الْمُوَاسَاةِ مِنْهُ٢، شُكْرًا عَلَى نِعْمَةِ ذَلِكَ، لَكِنْ لَمَّا كَانَ ٣ الْمَدِينُ مُطَالَبًا ٣ بِصَرْفِ الَّذِي يَمْلِكُهُ فِي الدَّيْنِ صَارَ كَالْعَدَمِ٤.
-
وَسُمِّيَ٥ الأَوَّلُ: مَانِعَ الْحُكْمِ؛ لأَنَّ سَبَبَهُ مَعَ بَقَاءِ حِكْمَتِهِ لا يُؤَثِّرُ. وَالثَّانِي: مَانِعُ السَّبَبِ، لأَنَّ حِكْمَتَهُ فُقِدَتْ مَعَ وُجُودِ صُورَتِهِ فَقَطْ، فَالْمَانِعُ: يَنْتَفِي الْحُكْمُ لِوُجُودِهِ. وَالشَّرْطُ: يَنْتَفِي الْحُكْمُ لانْتِفَائِهِ.
-
"وَنَصْبُ هَذِهِ" الأَشْيَاءِ، وَهِيَ الْعِلَّةُ وَالسَّبَبُ وَالشَّرْطُ وَالْمَانِعُ "مُفِيدَةً" أَيْ حَالَ إفَادَتِهَا "مُقْتَضَيَاتِهَا" وَالْمَعْنَى: أَنَّ نَصْبَهَا لِتُفِيدَ مَا اقْتَضَتْهُ مِنْ الأَحْكَامِ "حُكْمٌ شَرْعِيٌّ" أَيْ قَضَاءٌ مِنْ الشَّارِعِ بِذَلِكَ٦. فَجَعْلُ الزِّنَا سَبَبًا لِوُجُوبِ الْحَدِّ حُكْمٌ شَرْعِيٌّ، وَوُجُوبُ الْحَدِّ حُكْمٌ آخَرُ. وَكَذَا وُجُوبُ حَدِّ الْقَذْفِ مَعَ جَعْلِ الْقَذْفِ سَبَبًا لَهُ. وَوُجُوبُ الْقَطْعِ مَعَ نَصْبِ السَّرِقَةِ سَبَبًا لَهُ، وَوُجُوبُ الْقَتْلِ بِالرِّدَّةِ أَوْ الْقِصَاصِ، مَعَ نَصْبِ الرِّدَّةِ أَوْ الْقَتْلِ سَبَبًا. وَنَظَائِرُهُ كَثِيرَةٌ.
- فَوَائِدُ١:
-
الأُولَى: قَدْ يَلْتَبِسُ السَّبَبُ بِالشَّرْطِ مِنْ حَيْثُ إنَّ الْحُكْمَ يَتَوَقَّفُ وُجُودُهُ عَلَى وُجُودِهِمَا. وَيَنْتَفِي بِانْتِفَائِهِمَا كَالْحَدَثِ٢، وَإِنْ كَانَ السَّبَبُ يَلْزَمُ مِنْ وُجُودِهِ وُجُودُهُ، بِخِلافِ الشَّرْطِ. فَإِذَا شُكَّ فِي وَصْفٍ: هَلْ هُوَ٣ سَبَبٌ أَوْ شَرْطٌ؟
-
نَظَرْت: فَإِنْ كَانَتْ كُلَّهَا مُنَاسِبَةً لِلْحُكْمِ، كَالْقَتْلِ الْعَمْدِ الْمَحْضِ الْعُدْوَانِ، فَالْكُلُّ سَبَبٌ.
-
وَإِنْ كَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهَا٤ مُنَاسِبًا، كَأَسْبَابِ الْحَدَثِ، فَكُلِّ٥ وَاحِدٍ سَبَبٌ.
-
وَإِنْ نَاسَبَ الْبَعْضَ فِي ذَاتِهِ وَالْبَعْضَ فِي غَيْرِهِ، فَالأَوَّلُ: سَبَبٌ. وَالثَّانِي: شَرْطٌ. كَالنِّصَابِ وَالْحَوْلِ. فَإِنَّ النِّصَابَ يَشْتَمِلُ عَلَى الْغِنَى وَنِعْمَةِ الْمِلْكِ فِي نَفْسِهِ. فَهُوَ٦ السَّبَبُ، وَالْحَوْلُ مُكَمِّلٌ لِنِعْمَةِ الْمِلْكِ بِالتَّمَكُّنِ مِنْ التَّنْمِيَةِ فِي مُدَّتِهِ. فَهُوَ شَرْطٌ. قَالَهُ الْقَرَافِيُّ٧.
قَالَ الْبِرْمَاوِيُّ: "وَلَكِنَّ هَذَا لا يَكُونُ إلاَّ فِي السَّبَبِ الْمَعْنَوِيِّ الَّذِي يَكُونُ عِلَّةً، لا فِي السَّبَبِ الزَّمَانِيِّ وَنَحْوِهِ. فَالصَّوَابُ أَنْ يُقَالَ: إنْ كَانَ الْوَصْفُ هُوَ الْمُتَوَقِّفُ عَلَيْهِ الشَّيْءُ فِي تَعْرِيفِهِ أَوْ تَأْثِيرِهِ عَلَى الْخِلافِ. فَالسَّبَبُ، وَإِلاَّ فَالشَّرْطُ" . اهـ.
- vol. 1, p. 460
الثَّانِيَةُ: الشَّرْطُ وَعَدَمُ الْمَانِعِ، كِلاهُمَا يُعْتَبَرُ فِي تَرَتُّبِ الْحُكْمِ. فَقَدْ يَلْتَبِسَانِ، حَتَّى إنَّ بَعْضَ الْفُقَهَاءِ جَعَلَهُ إيَّاهُ١. كَمَا عَدَّ الْفُورَانِيُّ٢ وَالْغَزَالِيُّ مِنْ شَرَائِطِ الصَّلاةِ: تَرْكُ الْمَنَاهِي مِنْ الأَفْعَالِ وَالْكَلامِ وَالأَكْلِ وَنَحْوِهِ. وَتَبِعَهُمَا الرَّافِعِيُّ٣ فِي "شَرْحِ الْوَجِيزِ" ٤ وَغَيْرُهُ. وَالنَّوَوِيُّ٥ فِي "الرَّوْضَةِ" ٦. لَكِنْ قَالَ فِي "شَرْحِ الْمُهَذَّبِ" : "الصَّوَابُ أَنَّهَا لَيْسَتْ شُرُوطًا. وَإِنْ سُمِّيَتْ بِذَلِكَ
vol. 1, p. 461فَمَجَازٌ، وَإِنَّمَا هِيَ مُبْطِلاتٌ "١.
وَقَالَ فِي "التَّحْقِيقِ ": غَلِطَ مَنْ عَدَّهَا شُرُوطًا" . اهَـ.
-
وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا - عَلَى تَقْدِيرِ التَّغَايُرِ - أَنَّ الشَّرْطَ لا بُدَّ أَنْ يَكُونَ وَصْفًا وُجُودِيًّا. وَأَمَّا عَدَمُ الْمَانِعِ٢ فَعَدَمِيٌّ، وَيَظْهَرُ أَثَرُ ذَلِكَ فِي التَّغَايُرِ٣: إنْ عُدِمَ الْمَانِعُ يُكْتَفَى فِيهِ بِالأَصْلِ. وَالشَّرْطُ لا بُدَّ مِنْ تَحَقُّقِهِ. فَإِذَا شَكَّ فِي شَيْءٍ يَرْجِعُ لِهَذَا٤ الأَصْلِ٥. وَلِذَلِكَ عُدَّتْ الطَّهَارَةُ شَرْطًا، لأَنَّ الشَّكَّ فِيهَا مَعَ تَيَقُّنِ ضِدِّهَا الْمُسْتَصْحَبِ يَمْنَعُ انْعِقَادَ الصَّلاةِ.
قَالُوا: وَيَلْزَمُ مَنْ ادَّعَى اتِّحَادَهُمَا اجْتِمَاعُ النَّقِيضَيْنِ فِيمَا إذَا شَكَكْنَا فِي طَرَيَانِ الْمَانِعِ، لأَنَّا حِينَئِذٍ نَشُكُّ فِي عَدَمِهِ. وَالْفَرْضُ أَنَّ عَدَمَهُ شَرْطٌ. فَمِنْ حَيْثُ إنَّهُ شَرْطٌ لا يُوجَدُ الْمَشْرُوطُ. وَمِنْ حَيْثُ إنَّ الشَّكَّ فِي طَرَيَانِ الْمَانِعِ ٦ لا أَثَرَ ٦ لَهُ، فَيُوجَدُ الْمَشْرُوطُ. وَهُوَ تَنَاقُضٌ.
-
الثَّالِثَةُ: سَبَبُ السَّبَبِ يُنَزَّلُ مَنْزِلَةَ السَّبَبِ، لأَنَّ مَا تَوَقَّفَ عَلَى الْمُتَوَقِّفِ عَلَيْهِ مُتَوَقِّفٌ٧ عَلَيْهِ. كَالإِعْتَاقِ فِي الْكَفَّارَةِ، سَبَبُ السُّقُوطِ٨ عَنْ الذِّمَّةِ، وَالإِعْتَاقُ يَتَوَقَّفُ عَلَى اللَّفْظِ الْمُحَصِّلِ لَهُ.
vol. 1, p. 462وَقَالَ الطُّوفِيُّ فِي "شَرْحِهِ" : الشَّرْطُ١ وَجُزْؤُهُ وَجُزْءُ الْعِلَّةِ، كُلٌّ مِنْهَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِهِ الْعَدَمُ، وَلا يَلْزَمُ مِنْ٢ وُجُودِهِ وُجُودٌ وَلا عَدَمٌ. فَهِيَ تَلْتَبِسُ٣، وَالْفَرْقُ: أَنَّ مُنَاسَبَةَ الشَّرْطِ وَجُزْئِهِ: فِي غَيْرِهِ. وَمُنَاسَبَةَ جُزْءِ الْعِلَّةِ: فِي نَفْسِهِ "٤.
-
"مِثَالُهُ: الْحَوْلُ، مُنَاسَبَتُهُ٥ فِي السَّبَبِ الَّذِي هُوَ النِّصَابُ لِتَكْمِلَتِهِ الْغِنَى الْحَاصِلُ بِهِ التَّنْمِيَةُ. وَجُزْءُ الْعِلَّةِ الَّذِي هُوَ النِّصَابُ مُنَاسَبَتُهُ٦ فِي نَفْسِهِ، مِنْ حَيْثُ إنَّهُ مُشْتَمِلٌ عَلَى بَعْضِ الْغِنَى. فَالْعِلَّةُ وَجُزْؤُهَا مُؤَثِّرَانِ. وَالشَّرْطُ مُكَمِّلٌ لِتَأْثِيرِ الْعِلَّةِ. وَمِنْ ثَمَّ عَرَّفَ بَعْضُهُمْ الشَّرْطَ بِمَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ تَأْثِيرُ الْمُؤَثِّرِ ".
قَالَ: "وَمِنْهَا: الْحُكْمُ. كَمَا يَتَوَقَّفُ عَلَى وُجُودِ سَبَبِهِ يَتَوَقَّفُ عَلَى وُجُودِ شَرْطِهِ. فَمَا الْفَرْقُ؟ "٧.
-
"الْجَوَابُ: بِمَا سَبَقَ مِنْ كَوْنِ السَّبَبِ مُؤَثِّرًا مُنَاسِبًا فِي نَفْسِهِ. وَالشَّرْطُ مُكَمِّلٌ مُنَاسِبٌ فِي غَيْرِهِ ".
قَالَ: "وَمِنْهَا: أَجْزَاءُ الْعِلَّةِ. يَتَرَتَّبُ٨ عَلَيْهَا الْحُكْمُ، وَالْعِلَلُ الْمُتَعَدِّدَةُ إذَا وُجِدَتْ ٩ تَرَتَّبَ الْحُكْمُ ٩، فَمَا الْفَرْقُ؟ ".
-
"وَالْجَوَابُ: أَنَّ جُزْءَ١٠ الْعِلَّةِ إذَا انْفَرَدَ لا يَتَرَتَّبُ الْحُكْمُ، بَلْ لا بُدَّ مِنْ
vol. 1, p. 463وُجُودِ بَقِيَّةِ أَجْزَائِهَا. كَأَوْصَافِ الْقَتْلِ الْعَمْدِ الْعُدْوَانِ، إذَا اجْتَمَعَتْ وَجَبَ الْقَوَدُ، وَلَوْ انْفَرَدَ بَعْضُهَا، كَالْقَتْلِ خَطَأً، أَوْ عَمْدًا فِي حَدٍّ أَوْ قِصَاصٍ، أَوْ قَتَلَ الْعَادِلُ الْبَاغِيَ: لَمْ يَجِبْ الْقَوَدُ، بِخِلافِ الْعِلَلِ الْمُتَعَدِّدَةِ. فَإِنَّ بَعْضَهَا إذَا انْفَرَدَ اسْتَقَلَّ بِالْحُكْمِ. كَمَنْ لَمَسَ وَنَامَ وَبَالَ، وَجَبَ الْوُضُوءُ بِجَمِيعِهَا. وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا. نَعَمْ إذَا اجْتَمَعَتْ كَانَ حُكْمًا ثَابِتًا بِعِلَلٍ١. ٢ كَمَا يَأْتِي ٢. اهـ.
-
الرَّابِعَةُ: الْمَوَانِعُ الشَّرْعِيَّةُ، مِنْهَا: مَا يَمْنَعُ ابْتِدَاءَ الْحُكْمِ وَاسْتِمْرَارَهُ، كَالرَّضَاعِ يَمْنَعُ ابْتِدَاءَ النِّكَاحِ وَاسْتِمْرَارَهُ إذَا طَرَأَ عَلَيْهِ٣.
-
وَمِنْهَا: مَا يَمْنَعُ ابْتِدَاءَهُ فَقَطْ. كَالْعِدَّةِ تَمْنَعَ ابْتِدَاءَ النِّكَاحِ، وَلا تُبْطِلُ اسْتِمْرَارَهُ٤.
-
وَمِنْهَا: مَا اُخْتُلِفَ فِيهِ، كَالإِحْرَامِ يَمْنَعُ ابْتِدَاءَ الصَّيْدِ. فَإِنْ طَرَأَ عَلَيْهِ، فَهَلْ تَجِبُ٥ إزَالَةُ٦ الْيَدِ عَنْهُ٧؟ وَالصَّحِيحُ: أَنَّهَا تَجِبُ٨، وَكَالطَّوْلِ يَمْنَعُ
vol. 1, p. 464ابْتِدَاءَ نِكَاحِ الأَمَةِ١. فَإِنْ طَرَأَ عَلَيْهِ، فَهَلْ يُبْطِلُهُ٢؟ وَالصَّحِيحُ: أَنَّهُ لا يُبْطِلُهُ٣. وَكَوُجُودِ الْمَاءِ يَمْنَعُ ابْتِدَاءَ التَّيَمُّمِ. فَلَوْ طَرَأَ وُجُودُ الْمَاءِ عَلَيْهِ فِي الصَّلاةِ فَهَلْ يَبْطُلُ٤؟ وَالصَّحِيحُ: أَنَّهُ يُبْطِلُهُ٥.
-
"وَمِنْهُ" أَيْ وَمِنْ خِطَابِ الْوَضْعِ "فَسَادٌ وَصِحَّةٌ" ، لأَنَّهُمَا مِنْ الأَحْكَامِ٦، وَلَيْسَا دَاخِلَيْنِ فِي الاقْتِضَاءِ وَالتَّخْيِيرِ، لأَنَّ الْحُكْمَ بِصِحَّةِ الْعِبَادَةِ وَبُطْلانِهَا، وَبِصِحَّةِ الْمُعَامَلَةِ وَبُطْلانِهَا: لا يُفْهَمُ مِنْهُ اقْتِضَاءٌ وَلا تَخْيِيرٌ، فَكَانَا مِنْ خِطَابِ الْوَضْعِ. وَهَذَا قَوْلُ الأَكْثَرِ مِنْ أَصْحَابِنَا وَغَيْرِهِمْ٧.
وَقَالَ جَمَاعَةٌ: مَعْنَى الصِّحَّةِ: الإِبَاحَةُ، وَمَعْنَى الْبُطْلانِ: الْحُرْمَةُ٨.
-
وَذَهَبَ ابْنُ الْحَاجِبِ وَجَمْعٌ إلَى أَنَّ الصِّحَّةَ وَالْبُطْلانَ أَمْرٌ عَقْلِيٌّ غَيْرُ مُسْتَفَادٍ مِنْ الشَّرْعِ. فَلا يَكُونُ دَاخِلاً فِي الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ٩.
- vol. 1, p. 465
"وَهِيَ" أَيْ الصِّحَّةُ "فِي عِبَادَةٍ: سُقُوطُ الْقَضَاءِ" أَيْ قَضَاءُ الْعِبَادَةِ "بِالْفِعْلِ" أَيْ: بِفِعْلِهَا١. بِمَعْنَى أَنْ لا يَحْتَاجَ إلَى فِعْلِهَا ثَانِيًا٢. وَهَذَا عِنْدَ الْفُقَهَاءِ٣.
-
وَعِنْدَ الْمُتَكَلِّمِينَ: مُوَافَقَةُ الأَمْرِ٤، وَإِنْ لَمْ يَسْقُطْ الْقَضَاءُ٥. فَصَلاةُ مَنْ ظَنَّ الطَّهَارَةَ صَحِيحَةٌ عَلَى قَوْلِ الْمُتَكَلِّمِينَ، فَاسِدَةٌ عَلَى قَوْلِ الْفُقَهَاءِ٦. فَالْمُتَكَلِّمُونَ نَظَرُوا لِظَنِّ الْمُكَلَّفِ. وَالْفُقَهَاءُ لِمَا فِي نَفْسِ الأَمْرِ٧.
- vol. 1, p. 466
لَكِنْ قَالَ الْبِرْمَاوِيُّ: "اللاَّئِقُ بِقَوَاعِدِ الْفَرِيقَيْنِ الْعَكْسُ" .
وَقَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ١: "هَذَا الْبِنَاءُ فِيهِ نَظَرٌ؛ لأَنَّ ٢ مَنْ قَالَ ٢: مُوَافَقَةُ الأَمْرِ إنْ أَرَادَ الأَمْرَ الأَصْلِيَّ: فَلَمْ تَسْقُطْ٣، أَوْ الأَمْرَ بِالْعَمَلِ بِالظَّنِّ: فَقَدْ تَبَيَّنَ فَسَادُ الظَّنِّ٤. فَيَلْزَمُ أَنْ لا تَكُونَ صَحِيحَةً مِنْ حَيْثُ عَدَمُ مُوَافَقَةِ الأَمْرِ الأَصْلِيِّ وَلا٥ الأَمْرِ بِالْعَمَلِ بِالظَّنِّ" ٦.
قَالَ فِي "شَرْحِ التَّحْرِيرِ" : وَمَا قَالَهُ ظَاهِرٌ٧. قَالَ: وَالْقَضَاءُ وَاجِبٌ عَلَى قَوْلِ الْفُقَهَاءِ وَقَوْلِ الْمُتَكَلِّمِينَ عِنْدَ الأَكْثَرِ٨، وَقَطَعُوا بِهِ، وَهُوَ الصَّحِيحُ،
vol. 1, p. 467وَيَكُونُ الْخِلافُ بَيْنَ الْفَرِيقَيْنِ لَفْظِيًّا١. اهـ.
-
"وَ" الصِّحَّةُ "فِي مُعَامَلَةٍ: تَرَتُّبُ أَحْكَامِهَا" أَيْ أَحْكَامِ الْمُعَامَلَةِ "الْمَقْصُودَةِ بِهَا" أَيْ بِالْمُعَامَلَةِ، "عَلَيْهَا" ٢ وَذَلِكَ لأَنَّ٣ الْعَقْدَ لَمْ يُوضَعْ إلاَّ لإِفَادَةِ مَقْصُودِ كَمَالِ النَّفْعِ فِي الْبَيْعِ. وَمِلْكِ الْبُضْعِ فِي النِّكَاحِ. فَإِذَا أَفَادَ مَقْصُودَهُ فَهُوَ صَحِيحٌ. وَحُصُولُ مَقْصُودِهِ: هُوَ تَرَتُّبُ حُكْمِهِ عَلَيْهِ، لأَنَّ الْعَقْدَ مُؤَثِّرٌ لِحُكْمِهِ وَمُوجِبٌ لَهُ٤.
قَالَ الآمِدِيُّ: "وَلا بَأْسَ بِتَفْسِيرِ الصِّحَّةِ فِي الْعِبَادَاتِ بِهَذَا" ٥.
قَالَ الطُّوفِيُّ: "لأَنَّ مَقْصُودَ الْعِبَادَةِ رَسْمُ٦ التَّعَبُّدِ وَبَرَاءَةُ ذِمَّةِ الْعَبْدِ مِنْهَا. فَإِذَا أَفَادَتْ ذَلِكَ كَانَ هُوَ مَعْنَى قَوْلِنَا: إنَّهَا كَافِيَةٌ فِي سُقُوطِ الْقَضَاءِ، فَتَكُونُ صَحِيحَةً" ٧.
- vol. 1, p. 468
"وَيَجْمَعُهُمَا" أَيْ وَيَجْمَعُ الْعِبَادَةَ وَالْمُعَامَلَةَ فِي حَدِّ صِحَّتِهِمَا قَوْلُهُ: "تَرَتُّبُ أَثَرٍ مَطْلُوبٍ مِنْ فِعْلٍ عَلَيْهِ" أَيْ عَلَى ذَلِكَ الْفِعْلِ١. فَالْفُقَهَاءُ فَسَّرُوا الأَثَرَ الْمَطْلُوبَ بِإِسْقَاطِ الْقَضَاءِ. وَالْمُتَكَلِّمُونَ بِمُوَافَقَةِ الشَّرْعِ.
-
"فَبِصِحَّةِ عَقْدٍ يَتَرَتَّبُ أَثَرُهُ" مِنْ٢ التَّمَكُّنِ مِنْ التَّصَرُّفِ فِيمَا هُوَ لَهُ٣، كَالْبَيْعِ إذَا صَحَّ الْعَقْدُ تَرَتَّبَ أَثَرُهُ مِنْ مِلْكٍ، وَجَوَازِ التَّصَرُّفِ فِيهِ مِنْ هِبَةٍ وَوَقْفٍ وَأَكْلٍ وَلُبْسٍ وَانْتِفَاعٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ. وَكَذَا إذَا صَحَّ عَقْدُ النِّكَاحِ وَالإِجَارَةِ وَالْوَقْفِ وَغَيْرِهَا مِنْ الْعُقُودِ، تَرَتَّبَ عَلَيْهَا أَثَرُهَا مِمَّا أَبَاحَهُ الشَّرْعُ لَهُ بِهِ. فَيَنْشَأُ ذَلِكَ عَنْ الْعَقْدِ.
-
وَتَرَتُّبُ الْعِتْقِ عَلَى الْكِتَابَةِ الْفَاسِدَةِ٤ لِوُجُودِ الصِّفَةِ، وَتَرَتُّبُ صِحَّةِ التَّصَرُّفِ فِي الْوَكَالَةِ وَالْمُضَارَبَةِ الْفَاسِدَةِ، لِوُجُودِ الإِذْنِ فِي التَّصَرُّفِ، لا مِنْ جِهَةِ الْعَقْدِ فِي الثَّلاثِ.