فصل خطاب الوضع
159 paragraphs · vol. 1, p. 434
Page 4 of 4
- vol. 1, p. 468
"وَ" بِصِحَّةِ "عِبَادَةٍ" يَتَرَتَّبُ "إجْزَاؤُهَا، وَهُوَ" أَيْ إجْزَاؤُهَا "كِفَايَتُهَا فِي إسْقَاطِ التَّعَبُّدِ" ٥.
-
"وَيَخْتَصُّ" الإِجْزَاءُ "بِهَا" أَيْ بِالْعِبَادَةِ، سَوَاءٌ كَانَتْ وَاجِبَةً أَوْ مُسْتَحَبَّةً٦.
- vol. 1, p. 469
وَتَفْسِيرُ إجْزَائِهَا بِكِفَايَتِهَا فِي إسْقَاطِ التَّعَبُّدِ يُنْقَلُ عَنْ الْمُتَكَلِّمِينَ١.
قَالَ فِي "شَرْحِ التَّحْرِيرِ" : وَهُوَ أَظْهَرُ.
-
وَقِيلَ: الإِجْزَاءُ هُوَ الْكِفَايَةُ فِي إسْقَاطِ الْقَضَاءِ. وَيُنْقَلُ عَنْ الْفُقَهَاءِ٢.
-
فَعَلَى الْقَوْلِ الأَوَّلِ: فِعْلُ الْمَأْمُورِ بِهِ بِشُرُوطِهِ يَسْتَلْزِمُ الإِجْزَاءَ بِلا٣ خِلافٍ. وَعَلَى الثَّانِي: يَسْتَلْزِمُهُ عِنْدَ الأَكْثَرِ.
قَالَ ابْنُ مُفْلِحٍ: "وَإِلاَّ لَكَانَ الأَمْرُ بَعْدَ الامْتِثَالِ مُقْتَضِيًا٤ إمَّا لِمَا فُعِلَ، وَهُوَ تَحْصِيلُ الْحَاصِلِ، وَإِمَّا لِغَيْرِهِ، فَالْمَجْمُوعُ مَأْمُورٌ بِهِ، فَلَمْ يُفْعَلْ إلاَّ بَعْضُهُ. وَالْفَرْضُ خِلافُهُ" ٥.
-
"وَكَصِحَّةِ قَبُولٍ وَنَفْيِهِ، كَنَفْيِ إجْزَاءٍ" يَعْنِي أَنَّ الْقَبُولَ مِثْلُ الصِّحَّةِ، فَلا يُفَارِقُهَا فِي إثْبَاتٍ وَلا نَفْيٍ. فَإِذَا وُجِدَ أَحَدُهُمَا وُجِدَ الآخَرُ، وَإِذَا انْتَفَى أَحَدُهُمَا انْتَفَى الآخَرُ. وَهَذَا٦ الْمُقَدَّمُ فِي "التَّحْرِيرِ" . وَاَلَّذِي رَجَّحَهُ ابْنُ عَقِيلٍ
vol. 1, p. 470فِي "الْوَاضِحِ" .
-
وَقِيلَ: إنَّ الْقَبُولَ أَخَصُّ مِنْ الصِّحَّةِ، إذْ كُلُّ مَقْبُولٍ صَحِيحٌ وَلا عَكْسَ. وَاسْتَدَلَّ لِذَلِكَ بِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "مَنْ أَتَى عَرَّافًا لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صَلاةٌ ١ أَرْبَعِينَ صَبَاحًا" ٢ وَ ١ "إذَا أَبَقَ الْعَبْدُ لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صَلاةٌ حَتَّى يَرْجِعَ إلَى مَوَالِيهِ" ٣ وَ٤ "مَنْ شَرِبَ الْخَمْرَ لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صَلاةٌ أَرْبَعِينَ صَبَاحًا" ٥ وَنَحْوُ ذَلِكَ. فَيَكُونُ الْقَبُولُ هُوَ الَّذِي يَحْصُلُ بِهِ الثَّوَابُ. وَالصِّحَّةُ قَدْ تُوجَدُ فِي الْفِعْلِ وَلا ثَوَابَ فِيهِ٦.
-
لَكِنْ قَدْ أَتَى نَفْيُ الْقَبُولِ فِي الشَّرْعِ تَارَةً بِمَعْنَى نَفْيِ٧ الصِّحَّةِ، كَمَا فِي
vol. 1, p. 471حَدِيثِ١: "لا يَقْبَلُ اللَّهُ صَلاةً بِغَيْرِ طُهُورٍ، وَلا صَدَقَةً مِنْ غُلُولٍ" ٢. وَ "لا تُقْبَلُ صَلاةُ حَائِضٍ إلاَّ بِخِمَارٍ" ٣ وَ "لا تُقْبَلُ صَلاةُ أَحَدِكُمْ إذَا أَحْدَثَ حَتَّى يَتَوَضَّأَ" ٤، وَنَحْوُ قَوْله تَعَالَى: {فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الأَرْضِ ذَهَبًا وَلَوْ افْتَدَى بِهِ} ٥.
-
وَتَارَةً بِمَعْنَى نَفْيِ الْقَبُولِ مَعَ وُجُودِ الصِّحَّةِ، كَمَا فِي الأَحَادِيثِ السَّابِقَةِ فِي الآبِقِ، وَشَارِبِ الْخَمْرِ، وَمَنْ أَتَى عَرَّافًا.
-
وَقَدْ حَكَى الْقَوْلَيْنِ فِي "الْوَاضِحِ" . وَرَجَّحَ أَنَّ الصَّحِيحَ لا يَكُونُ إلاَّ
vol. 1, p. 472مَقْبُولاً، وَلا يَكُونُ مَرْدُودًا، إلاَّ١ وَهُوَ بَاطِلٌ٢.
-
قَالَ٣ ابْنُ الْعِرَاقِيِّ: ظَهَرَ لِي٤ فِي الأَحَادِيثِ الَّتِي نُفِيَ فِيهَا الْقَبُولَ وَلَمْ تَنْتَفِ مَعَهُ الصِّحَّةُ - كَصَلاةِ شَارِبِ الْخَمْرِ وَنَحْوِهِ- أَنَّا نَنْظُرُ فِيمَا نُفِيَ، فَإِنْ قَارَنَتْ ذَلِكَ الْفِعْلَ مَعْصِيَةٌ، - كَحَدِيثِ شَارِبِ الْخَمْرِ وَنَحْوِهِ-؛ انْتَفَى، الْقَبُولُ. أَيْ الثَّوَابُ، لأَنَّ إثْمَ الْمَعْصِيَةِ أَحْبَطَهُ، وَإِنْ لَمْ تُقَارِنْهُ مَعْصِيَةٌ. كَحَدِيثِ: "لا صَلاةَ إلاَّ بِطُهُورٍ" وَنَحْوِهِ، فَانْتِفَاءُ الْقَبُولِ سَبَبُهُ انْتِفَاءُ الشَّرْطِ، وَهُوَ الطَّهَارَةُ وَنَحْوُهَا، وَيَلْزَمُ مِنْ عَدَمِ الشَّرْطِ عَدَمُ الْمَشْرُوطِ. انْتَهَى.
- "وَ" الصِّحَّةُ - بِاعْتِبَارِ إطْلاقَاتِهَا- ثَلاث:
-
- "شَرْعِيَّةٌ، كَمَا هُنَا" وَتُرْسَمُ بِـ "مَا أَذِنَ الشَّارِعُ فِي جَوَازِ الإِقْدَامِ عَلَى الْفِعْلِ الْمُتَّصِفِ بِهَا" ، وَهُوَ يَشْمَلُ الأَحْكَامَ الشَّرْعِيَّةَ إلاَّ التَّحْرِيمَ، فَإِنَّهُ لا إذْنَ فِيهِ، وَالأَرْبَعَةُ الْبَاقِيَةُ: فِيهَا٥ الإِذْنُ اتِّفَاقًا٦ فِي جَوَازِ الإِقْدَامِ ٧ عَلَى الْفِعْلِ الْمُتَّصِفِ بِهَا ٧.
-
- "وَ" الثَّانِيَةُ: "عَقْلِيَّةٌ، كَإِمْكَانِ الشَّيْءِ وُجُودًا وَعَدَمًا" يَعْنِي بِأَنْ يَتَعَلَّقَ٨ وُجُودُ الْمُمْكِنِ وَعَدَمُ الْمُمْتَنِعِ.
-
- "وَ" الثَّالِثَةُ: "عَادِيَّةٌ، كَمَشْيٍ وَنَحْوِهِ" كَجُلُوسٍ وَاضْطِجَاعٍ. وَقَدْ اتَّفَقَ النَّاسُ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ فِي الشَّرِيعَةِ مَنْهِيٌّ عَنْهُ، وَلا مَأْمُورٌ بِهِ، وَلا مَشْرُوعٌ
vol. 1, p. 473عَلَى الإِطْلاقِ، إلاَّ وَفِيهِ الصِّحَّةُ الْعَادِيَّةُ. وَلِذَلِكَ حَصَلَ الاتِّفَاقُ١ عَلَى أَنَّ اللُّغَةَ لَمْ يَقَعْ فِيهَا طَلَبُ وُجُودٍ وَلا عَدَمٍ، إلاَّ فِيمَا يَصِحُّ عَادَةً. وَإِنْ جَوَّزْنَا تَكْلِيفَ مَا لا يُطَاقُ.
-
"وَبُطْلانٌ وَفَسَادٌ مُتَرَادِفَانِ، يُقَابِلانِ الصِّحَّةَ٢ الشَّرْعِيَّةَ" سَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ فِي الْعِبَادَاتِ، أَوْ فِي الْمُعَامَلاتِ٣.
-
فَهُمَا فِي الْعِبَادَاتِ٤: عِبَارَةٌ عَنْ عَدَمِ تَرَتُّبِ الأَثَرِ عَلَيْهَا، أَوْ عَدَمِ سُقُوطِ الْقَضَاءِ، أَوْ٥ عَدَمِ٦ مُوَافَقَةِ الأَمْرِ، وَفِي الْمُعَامَلاتِ: عِبَارَةٌ عَنْ عَدَمِ تَرَتُّبِ الأَثَرِ عَلَيْهَا٧.
-
وَفَرَّقَ الإِمَامُ أَبُو حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بَيْنَ الْبُطْلانِ وَالْفَسَادِ٨.
- vol. 1, p. 474
وَفَرَّقَ أَصْحَابُنَا وَأَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ بَيْنَ الْبَاطِلِ وَالْفَاسِدِ فِي الْفِقْهِ فِي مَسَائِلَ كَثِيرَةٍ١.
قَالَ فِي "شَرْحِ التَّحْرِيرِ" : قُلْت غَالِبُ الْمَسَائِلِ الَّتِي حَكَمُوا عَلَيْهَا بِالْفَسَادِ إذَا كَانَتْ مُخْتَلَفًا فِيهَا بَيْنَ الْعُلَمَاءِ. وَاَلَّتِي حَكَمُوا عَلَيْهَا بِالْبُطْلانِ إذَا كَانَتْ مُجْمَعًا عَلَيْهَا، أَوْ الْخِلافُ فِيهَا شَاذٌّ، ثُمَّ وَجَدْت بَعْضَ أَصْحَابِنَا قَالَ: الْفَاسِدُ مِنْ النِّكَاحِ مَا يَسُوغُ فِيهِ الاجْتِهَادُ، وَالْبَاطِلُ مَا كَانَ مُجْمَعًا عَلَى بُطْلانِهِ٢.
- "فَوَائِدُ" :
-
"النُّفُوذُ٣: تَصَرُّفٌ لا يَقْدِرُ فَاعِلُهُ عَلَى رَفْعِهِ" كَالْعُقُودِ اللاَّزِمَةِ مِنْ الْبَيْعِ وَالإِجَارَةِ وَالْوَقْفِ وَالنِّكَاحِ وَنَحْوِهَا٤، إذَا اجْتَمَعَتْ شُرُوطُهَا، وَانْتَفَتْ مَوَانِعُهَا٥، وَكَذَلِكَ الْعِتْقُ وَالطَّلاقُ وَالْفَسْخُ وَنَحْوُهَا.
-
وَقِيلَ: إنَّهُ مُرَادِفٌ لِلصِّحَّةِ٦.
vol. 1, p. 475قَالَ ابْنُ الْفِرْكَاحِ١: "نُفُوذُ الْعَقْدِ: أَصْلُهُ: مِنْ نُفُوذِ السَّهْمِ، وَهُوَ بُلُوغُ الْمَقْصُودِ مِنْ الرَّمْيِ، وَكَذَلِكَ الْعَقْدُ إذَا أَفَادَ الْمَقْصُودَ الْمَطْلُوبَ مِنْهُ، سُمِّيَ بِذَلِكَ نُفُوذًا، فَإِذَا تَرَتَّبَ عَلَى الْعَقْدِ مَا يُقْصَدُ مِنْهُ، مِثْلُ: الْبَيْعِ إذَا أَفَادَ الْمِلْكَ وَنَحْوَهُ قِيلَ لَهُ صَحِيحٌ، وَيُعْتَدُّ بِهِ. فَالاعْتِدَادُ بِالْعَقْدِ هُوَ الْمُرَادُ بِوَصْفِهِ، بِكَوْنِهِ٢ نَافِذًا" .
وَقَالَ فِي "مَتْنِ الْوَرَقَاتِ" : وَالصَّحِيحُ مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ النُّفُوذُ٣.
-
"وَالْعَزِيمَةُ لُغَةً: الْقَصْدُ الْمُؤَكَّدُ" .
قَالَ فِي "الْقَامُوسِ" : "عَزَمَ عَلَى الأَمْرِ يَعْزِمُ عَزْمًا٤ - وَيُضَمُّ- وَمَعْزَمًا وَعُزْمَانًا٥ - بِالضَّمِّ- وَعَزِيمًا وَعَزِيمَةً، ٦ وَعَزَمَهُ وَاعْتَزَمَهُ ٦، وَعَلَيْهِ، وَتَعَزَّمَ أَرَادَ فِعْلَهُ، وَقَطَعَ عَلَيْهِ أَوْ٧ جَدَّ فِي الأَمْرِ، وَعَزَمَ الأَمْرُ نَفْسُهُ عُزِمَ عَلَيْهِ، وَعَلَى
vol. 1, p. 476الرَّجُلِ: أَقْسَمَ، وَالرَّاقِي قَرَأَ١ الْعَزَائِمَ: أَيْ الرُّقَى. وَ٢ هِيَ آيَاتٌ مِنْ الْقُرْآنِ تُقْرَأُ عَلَى ذَوِي الآفَاتِ رَجَاءَ الْبُرْءِ، وَأُولُو الْعَزْمِ مِنْ الرُّسُلِ: الَّذِينَ عَزَمُوا عَلَى أَمْرِ اللَّهِ فِيمَا عَهِدَ إلَيْهِمْ. وَهُمْ: نُوحٌ وَإِبْرَاهِيمُ وَمُوسَى وَعِيسَى وَمُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ "٣.
-
"وَ " الْعَزِيمَةُ " شَرْعًا " أَيْ فِي عُرْفِ أَهْلِ الشَّرْعِ: " حُكْمٌ ثَابِتٌ بِدَلِيلٍ شَرْعِيٍّ خَالٍ عَنْ مُعَارِضٍ رَاجِحٍ٤ ".
-
"فَشَمِلَ "٥ الأَحْكَامَ " الْخَمْسَةَ ": لأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهَا حُكْمٌ ثَابِتٌ بِدَلِيلٍ شَرْعِيٍّ. فَيَكُونُ فِي الْحَرَامِ وَالْمَكْرُوهِ عَلَى مَعْنَى التَّرْكِ. فَيَعُودُ الْمَعْنَى فِي تَرْكِ الْحَرَامِ إلَى الْوُجُوبِ٦.
-
وَقَوْلُهُ: "بِدَلِيلٍ شَرْعِيٍّ": احْتِرَازٌ عَنْ٧ الثَّابِتِ بِدَلِيلٍ عَقْلِيٍّ، فَإِنَّ ذَلِكَ لا يُسْتَعْمَلُ فِيهِ الْعَزِيمَةُ وَالرُّخْصَةُ.
- vol. 1, p. 477
وَقَوْلُهُ: "خَالٍ١ عَنْ مُعَارِضٍ" : احْتِرَازٌ عَمَّا٢ يَثْبُتُ٣ بِدَلِيلٍ، لَكِنْ لِذَلِكَ الدَّلِيلِ مُعَارِضٌ، مُسَاوٍ أَوْ رَاجِحٌ؛ لأَنَّهُ إنْ٤ كَانَ الْمُعَارِضُ مُسَاوِيًا لَزِمَ الْوَقْفُ٥ وَانْتَفَتْ الْعَزِيمَةُ. وَوَجَبَ طَلَبُ الْمُرَجِّحِ الْخَارِجِيِّ، وَإِنْ كَانَ رَاجِحًا، لَزِمَ الْعَمَلُ بِمُقْتَضَاهُ وَانْتَفَتْ الْعَزِيمَةُ، وَثَبَتَتْ٦ الرُّخْصَةُ كَتَحْرِيمِ الْمَيْتَةِ عِنْدَ عَدَمِ الْمَخْمَصَةِ فَالتَّحْرِيمُ فِيهَا عَزِيمَةٌ، لأَنَّهُ حُكْمٌ ثَابِتٌ بِدَلِيلٍ شَرْعِيٍّ خَالٍ عَنْ مُعَارِضٍ. فَإِذَا وُجِدَتْ الْمَخْمَصَةُ حَصَلَ الْمُعَارِضُ٧ لِدَلِيلِ التَّحْرِيمِ، وَهُوَ رَاجِحٌ عَلَيْهِ، حِفْظًا لِلنَّفْسِ، فَجَازَ الأَكْلُ، وَحَصَلَتْ الرُّخْصَةُ٨.
-
"وَالرُّخْصَةُ لُغَةً: السُّهُولَةُ" .
قَالَ فِي "الْمِصْبَاحِ" : يُقَالُ: رَخَّصَ الشَّارِعُ لَنَا فِي كَذَا تَرْخِيصًا. وَأَرْخَصَ إرْخَاصًا: إذَا يَسَّرَهُ وَسَهَّلَهُ، وَفُلانٌ يَتَرَخَّصُ فِي الأَمْرِ إذَا لَمْ يَسْتَقْصِ، وَقَضِيبٌ رَخْصٌ أَيْ طَرِيٌّ٩ لَيِّنٌ، وَرَخُصَ الْبَدَنُ - بِالضَّمِّ- رَخَاصَةً
vol. 1, p. 478وَرُخُوصَةً: إذَا نَعُمَ وَلانَ مَلْمَسُهُ، فَهُوَ رَخِيصٌ١.
-
"وَ" الرُّخْصَةُ "شَرْعًا: مَا ثَبَتَ عَلَى خِلافِ دَلِيلٍ شَرْعِيٍّ لِمُعَارِضٍ رَاجِحٍ٢" .
-
فَقَوْلُهُ: "مَا ثَبَتَ عَلَى خِلافِ دَلِيلٍ شَرْعِيٍّ" . احْتِرَازٌ عَمَّا٣ ثَبَتَ٤ عَلَى وَفْقِ الدَّلِيلِ. فَإِنَّهُ لا يَكُونُ رُخْصَةً، بَلْ عَزِيمَةً. كَالصَّوْمِ فِي الْحَضَرِ٥.
-
وَقَوْلُهُ: "لِمُعَارِضٍ٦ رَاجِحٍ" : احْتِرَازٌ عَمَّا٧ كَانَ لِمُعَارِضٍ غَيْرِ رَاجِحٍ، بَلْ إمَّا مُسَاوٍ، فَيَلْزَمُ الْوَقْفُ٨ عَلَى حُصُولِ الْمُرَجِّحِ، أَوْ قَاصِرٍ عَنْ مُسَاوَاةِ الدَّلِيلِ الشَّرْعِيِّ، فَلا يُؤَثِّرُ، وَتَبْقَى الْعَزِيمَةُ بِحَالِهَا٩. وَهَذَا الَّذِي فِي الْمَتْنِ ذَكَرَهُ الطُّوفِيُّ فِي "مُخْتَصَرِهِ" ١٠.
vol. 1, p. 479وَقَالَ الطُّوفِيُّ فِي ١ شَرْحِ مُخْتَصَرِهِ ١: "فَلَوْ قَيلَ٢: اسْتِبَاحَةَ الْمَحْظُورِ شَرْعًا مَعَ قِيَامِ السَّبَبِ الْحَاظِرِ٣. صَحَّ وَسَاوَى الأَوَّلَ" .
وَقَالَ الْعَسْقَلانِيُّ فِي "شَرْحِ مُخْتَصَرِ الطُّوفِيِّ" : "أَجْوَدُ مَا يُقَالُ فِي الرُّخْصَةِ: " ثُبُوتُ حُكْمٍ لِحَالَةٍ تَقْتَضِيهِ، مُخَالَفَةُ مُقْتَضَيْ دَلِيلٍ يَعُمُّهَا ". وَهَذَا الْحَدُّ لابْنِ حَمْدَانَ فِي " الْمُقْنِعِ ".
-
"وَمِنْهَا " أَيْ مِنْ٤ الرُّخْصَةِ " وَاجِبٌ " كَأَكْلِ الْمَيْتَةِ لِلْمُضْطَرِّ. فَإِنَّهُ وَاجِبٌ عَلَى الصَّحِيحِ الَّذِي عَلَيْهِ الأَكْثَرُ؛ لأَنَّهُ سَبَبٌ لإِحْيَاءِ النَّفْسِ، وَمَا كَانَ كَذَلِكَ فَهُوَ وَاجِبٌ٥، وَذَلِكَ: لأَنَّ النُّفُوسَ حَقٌّ لِلَّهِ تَعَالَى، وَهِيَ أَمَانَةٌ عِنْدَ الْمُكَلَّفِينَ، ٦ فَيَجِبُ حِفْظُهَا ٦، لِيَسْتَوْفِيَ٧ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى حَقَّهُ مِنْهَا بِالْعِبَادَاتِ وَالتَّكَالِيفِ. وَقَدْ قَالَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: {وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إلَى التَّهْلُكَةِ} ٨، وَقَالَ تَعَالَى: {وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ} ٩.
-
"وَ " مِنْهَا " مَنْدُوبٌ" كَقَصْرِ الْمُسَافِرِ١٠ الصَّلاةَ إذَا اجْتَمَعَتْ الشُّرُوطُ،
vol. 1, p. 480وَانْتَفَتْ الْمَوَانِعُ١.
-
"وَ" مِنْهَا "مُبَاحٌ" كَالْجَمْعِ بَيْنَ الصَّلاتَيْنِ فِي غَيْرِ عَرَفَةَ وَمُزْدَلِفَةَ٢. وَكَذَا مَنْ٣ أُكْرِهَ عَلَى كَلِمَةِ الْكُفْرِ٤. وَكَذَا بَيْعُ الْعَرَايَا٥، لِلْحَدِيثِ فِي ذَلِكَ٦.
-
وَفُهِمَ مِمَّا تَقَدَّمَ: أَنَّ الرُّخْصَةَ لا تَكُونُ مُحَرَّمَةً وَلا مَكْرُوهَةً٧، وَهُوَ
vol. 1, p. 481ظَاهِرُ قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ أَنْ تُؤْتَى رُخَصُهُ" ١.
-
وَعُلِمَ مِمَّا تَقَدَّمَ أَنَّ مَا خُفِّفَ عَنَّا مِنْ التَّغْلِيظِ الَّذِي كان٢ عَلَى الأُمَمِ قَبْلَنَا لَيْسَ بِرُخْصَةٍ شَرْعِيَّةٍ، لَكِنْ قَدْ يُسَمَّى رُخْصَةً مَجَازًا٣، بِمَعْنَى أَنَّهُ سُهِّلَ عَلَيْنَا مَا شُدِّدَ عَلَيْهِمْ، رِفْقًا مِنْ اللَّهِ تَعَالَى وَرَحْمَةً بِنَا مَعَ جَوَازِ إيجَابِهِ عَلَيْنَا، كَمَا أَوْجَبَهُ عَلَيْهِمْ، لا عَلَى مَعْنَى أَنَّا اسْتَبَحْنَا شَيْئًا مِنْ الْمُحَرَّمِ٤ عَلَيْهِمْ، مَعَ قِيَامِ الْمُحَرِّمِ فِي حَقِّنَا، لأَنَّهُ إنَّمَا حُرِّمَ عَلَيْهِمْ لا عَلَيْنَا. فَهَذَا وَجْهُ التَّجَوُّزِ، وَعَدَمُ كَوْنِ الأَوَّلِ لَيْسَ بِرُخْصَةٍ، لأَنَّهُ لَمْ يَقُمْ عَلَى الْمَنْعِ مِنْ ذَلِكَ دَلِيلٌ٥.
-
"وَالاثْنَتَانِ" أَيْ الْعَزِيمَةُ وَالرُّخْصَةُ "وَصْفَانِ لِلْحُكْمِ" لا لِلْفِعْلِ فَتَكُونُ الْعَزِيمَةُ بِمَعْنَى التَّأْكِيدِ فِي طَلَبِ الشَّيْءِ، وَتَكُونُ الرُّخْصَةُ بِمَعْنَى التَّرْخِيصِ٦. وَمِنْهُ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "فَاقْبَلُوا رُخْصَةَ اللَّهِ" ٧، وَمِنْهُ قَوْلُ أُمِّ
vol. 1, p. 482عَطِيَّةَ١: "نُهِينَا عَنْ اتِّبَاعِ الْجَنَائِزِ. وَلَمْ يُعْزَمْ عَلَيْنَا" ٢.
-
وَقِيلَ: هُمَا وَصْفَانِ لِلْفِعْلِ٣.
-
ثُمَّ اخْتَلَفَ الْقَائِلُونَ بِأَنَّهُمَا وَصْفان٤ لِلْحُكْمِ. فَقَالَ جَمْعٌ: هُمَا وَصْفَانِ لِلْحُكْمِ "الْوَضْعِيِّ" ٥ أَيْ فَيَكُونَانِ مِنْ خِطَابِ الْوَضْعِ لا مِنْ خِطَابِ التَّكْلِيفِ ٥، مِنْهُمْ. الآمِدِيُّ٦. وَقَطَعَ بِهِ ابْنُ حَمْدَانَ فِي "مُقْنِعِهِ" ٧. وَقَالَ جَمْعٌ: لِلْحُكْمِ التَّكْلِيفِيِّ٨ لِمَا فِيهِمَا مِنْ مَعْنَى الاقْتِضَاءِ٩.