فصل: لا تعارض بين أفعال النبي صلى الله عليه وسلم
117 paragraphs · vol. 2, p. 198
Page 2 of 3
- vol. 2, p. 208
وَهَذَا إنْ عُلِمَ ٢أَنَّ الْفِعْلَ مُتَأَخِّرٌ عَنْ الْقَوْلِ٥ "فَإِنْ جُهِلَ" الْمُتَأَخِّرُ مِنْ الْقَوْلِ وَالْفِعْلِ "عُمِلَ بِالْقَوْلِ فِيهِنَّ" أَيْ فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ٣.
- فَائِدَةٌ:
-
"فِعْلُ الصَّحَابِيِّ" وَسَيَأْتِي تَعْرِيفُ الصَّحَابِيِّ٤ "مَذْهَبٌ لَهُ" أَيْ لِلصَّحَابِيِّ الَّذِي فَعَلَهُ فِي الأَصَحِّ مِنْ الْوَجْهَيْنِ.
-
وَالْوَجْهُ٥ الثَّانِي: أَنَّ فِعْلَ الصَّحَابِيِّ إذَا خَرَجَ مَخْرَجَ الْقُرْبَةِ يَقْتَضِي٦ الْوُجُوبَ قِيَاسًا عَلَى فِعْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
- vol. 2, p. 209
وَاحْتَجَّ الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى فِي "الْجَامِعِ الْكَبِيرِ" فِي قَضَاءِ الْمُغْمَى عَلَيْهِ لِلصَّلاةِ بِفِعْلِ عَمَّارٍ١ وَغَيْرِهِ مِنْ الصَّحَابَةِ.
-
وَقَدْ قَالَ قَوْمٌ: لَوْ تُصُوِّرَ اتِّفَاقُ أَهْلِ الإِجْمَاعِ عَلَى عَمَلٍ لا قَوْلَ مِنْهُمْ فِيهِ: كَانَ كَفِعْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِثُبُوتِ الْعِصْمَةِ. وَاخْتَارَهُ أَبُو الْمَعَالِي، خِلافًا لابْنِ الْبَاقِلاَّنِيِّ٢.
قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: الأَوَّلُ قَوْلُ الْجُمْهُورِ، حَتَّى أَحَالُوا الْخَطَأَ مِنْهُمْ فِيهِ إذْ٣ لَمْ يَشْتَرِطُوا انْقِرَاضَ الْعَصْرِ٤، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
- vol. 2, p. 210
"بَابٌ"
-
"الإِجْمَاعُ لُغَةً: الْعَزْمُ وَالاتِّفَاقُ" قَالَ اللهُ تَعَالَى: {فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ} ١ أَيْ اعْزِمُوا، وَيَصِحُّ٢ إِطْلاقُهُ عَلَى الْوَاحِدِ، يُقَالُ: أَجْمَعَ فُلانٌ عَلَى كَذَا، أَيْ عَزَمَ عَلَيْهِ، وَيُقَالُ أَجْمَعَ الْقَوْمُ عَلَى كَذَا، أَيْ اتَّفَقُوا عَلَيْهِ، فَكُلُّ أَمْرٍ مِنَ الأُمُورِ اتَّفَقَتْ عَلَيْهِ طَائِفَةٌ فَهُوَ إِجْمَاعٌ فِي إِطْلاقِ أَهْلِ اللُّغَةِ٣.
-
وَأَجْمَعْتُ السيرَ والأمر، وأجمعت عَلَيْهِ، يتعدى بنفسه وبالحرف "عزمتُ عَلَيْهِ٤" ، وفي حديث: "من لم يُجْمعِ الصيامَ قبل الفجر فلا صيام له" ٥، أي من لم يعزم عَلَيْهِ فينويه٦.
- vol. 2, p. 211
"و" الإجماع "اصطلاحا" أي في اصطلاح علماء الشريعة "اتفاق مجتهدي الأمة في عصر على أمر، ولو" كان الأمر "فعلا" اتفاقا، كائنا "بعد النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ١" .
-
والمراد باتفاقهم اتحاد اعتقادهم، واحترز بالاتفاق عن الاختلاف.
-
وبقيد "الاجتهاد" عن٢ غير المجتهد، فلا يكون اتفاق غير المجتهد من أصولي وفروعي ونحوي، ولا من لم يَكْمُلْ فيه شروطُ الاجتهاد إجماعا، ولا تقدح٣ مخالفته في انعقاد الإجماع.
-
وبقيد "الأمة" المنصرفِ إطلاق لفظها إلى أمة محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن٤ اتفاق مجتهدي بقية الأمم.
-
ودخل في قوله: "على أمر" جميع الأمور من الأقوال والأفعال الدينية والدنيوية والاعتقادات والسكوت والتقرير وغير ذلك٥.
-
وإنما أَبْرَزَ قولَه: "ولو فعلا" مع دخوله في مسمى الأمر للبيان والتأكيد٦.
- vol. 2, p. 212
وقد١ اختلف العلماء فيما إذا اتفق مجتهدو العصر على فعل فعلوه، أو فعله بعضهم، وسكت الباقون مع علمهم، هل يكون إجماعا أم لا؟
-
والأرجح: أنه ينعقد به الإجماع لعصمة الأمة، فيكون كالقول المجمع عَلَيْهِ، وكفعل الرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، اختاره٢ أبو الخطاب من أصحابنا، وقطع به أبو إسحاق الشيرازي، واختاره الغزالي في "المنخول" ٣، وصرح به أبو الحسين البصري في "المعتمد" وتبعه في "المحصول" ٤.
قَالَ بعض أصحابنا: هو قولُ الجمهور، حتى أحالوا الخطأ منهم إذا٥لم يُشْتَرطْ انْقِرَاضُ العصر٦.
-
وقيل: لا ينعقد الإجماع بذلك٧.
-
ويتفرع على المسألة: إذا فعلوا فعلا قُرْبة، ولكن لا يعلم هل فعلوه واجبا أو مستحبا؟ فمقتضى القياس أنه كفعل الرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ لأنا أمرنا
vol. 2, p. 213باتباعهم، كما أمرنا باتباع الرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ١.
-
وللعلماء في تعريف الإجماع حدودٌ غيرُ ذلك يطول الكلام بذكرها٢.وأنكر النظَّامُ٣ وبعضُ الرافضةِ ثبوت الإجماع، وروي عن الإمام أحمد رضي الله عنه، وحُمِل على الوَرَع، أو على غير عالم بالخلاف، أو على تعذُّر معرفةِ الكُلِّ٤، أو على العامِّ النُّطْقي، أو على بعده، أو على٥ غير الصحابة
vol. 2, p. 214لحصرهم وانتشار غيرهم١.
-
"وهو" أي الإجماع "حجة قاطعة بالشرع" أي بدليل الشرع كونه حجةً قاطعةً٢، وهذا مذهب الأئمة الأعلام، منهم الأربعة وأتباعهم وغيرهم من المتكلمين٣.
وقال الآمدي والرازي: هو حجة ظنية لا قطعية٤.
- vol. 2, p. 215
وقيل: ظنية في السكوتي ونحوه، دون النطقي١.
-
واستدل للقول الأول٢ بقوله تعالى: {وَمَنْ يُشَاقِقْ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا} ٣ احتج٤ بها الشافعي وغيره٥، لأنه توعد على متابعة غير سبيل المؤمنين، وإنما يجوز لمفسدة متعلقة به، وليست من جهة المشاقة، وإلا كانت كافة، والسبيل الطريق، فلو خص بكفر أو غيره كان اللفظ مبهما، وهو خلاف الأصل، و "المؤمن" حقيقة في الحي المتصف بالإيمان، ثم عمومه إلى يوم القيامة يبطل المراد، وهو الحث على متابعة سبيلهم، والجاهل غير مراد، ثم المخصوص٦ حجة، والسبيل عام، والتأويل بمتابعة الرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أو بمتابعتهم في الإيمان أو الاجتهاد لا٧ ضرورة إليه، فلا يقبل، وليس تبيين الهدى شرطا للوعيد بالاتباع، بل للمشاقة؛ لأن إطلاقها لمن عرف الهدى أولا، ولأن تبيين الأحكام الفروعية ليس شرطا في المشاقة، فإن من تبين له صدقُ الرسول وتركه فقد شاقه، ولو جهلها٨.
- vol. 2, p. 217
رُدَّ الأولُ بأن الإجماع إن احتاج إلى مُسْتَنَدٍ فقد يكون قياسًا، والثاني مُشْكِلٌ جِدًّا، قاله الآمدي١. واختار٢ أبو الخطاب أن مرادَ الآية فيما لا نعلمُ أنه خطأٌ، وإن ظنناه رددناه إلى ٣الله والرسول٧.
-
وبقوله تعالى: {وَلا تَفَرَّقُوا} ٤ وخلافُ الإجماع تفرقٌ، والنهي٥ عن التفرق ليس في الاعتصام للتأكيدِ ومخالفةِ الظاهر، وتخصيصُه بها قبل الإجماع لا يمنعُ الاحتجاجَ به، ولا يختص الخطابُ بالموجودين زمنَهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لأن التكليفَ لكل من وُجِدَ مكلَّفًا٦، كما سَبَق٧.
-
وبقوله تعالى: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} ٨ فلو اجتمعوا على باطلٍ كانوا قد اجتمعوا على منكَرٍ لم يُنْهَوا عنه، ومعروف لم يُؤْمَرُوا به، وهو خلافُ ما وَصَفَهم اللهُ تعالى به٩، ولأنه جعلهم أمةً وسَطا أي عُدُولا، ورضِي بشهادَتِهم مطلقًا١٠.
- vol. 2, p. 218
وعلى ذلك اعتراضاتٌ وأجوبةٌ يطُولُ الكتابُ بذكرها١.
-
وعن أبي مالك الأشعري٢ رضي الله عنه مرفوعا: "إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَجَارَكُمْ مِنْ ثَلاثِ خِلالٍ: أَنْ لا يَدْعُوَ عَلَيْكُمْ نَبِيُّكُمْ فَتَهْلَكُوا جَمِيعًا، وَأَنْ لا يَظْهَرَ أَهْلُ الْبَاطِلِ عَلَى أَهْلِ الْحَقِّ، وَأَنْ لا تَجْتَمِعُوا٣ عَلَى ضَلالَةٍ" . رواه أبو داود٤.
-
وعن ابن عمر مرفوعا: "لا تجتمع هذه الأمة على ضلالة أبدا" رواه الترمذي٥.
- vol. 2, p. 219
وعن أنس مرفوعا: "لا تجتمع ١هذه الأمة ٢ على ضلالة، فإذا رأيتم الاختلافَ فعليكم بالسَّوادِ الأعظم، الحقِّ وأهلِهِ" رواه ابن ماجه٢ وابن أبي عاصم٣.
- وعن أبي ذر٤ مرفوعا:
- vol. 2, p. 220
"عليكم بالجماعة، إنَّ الله تعالى لا ١ يجمع أمتي إلا على هدًى" . رواه أحمد٢.
-
وعن أبي ذر مرفوعًا٣: "من فارق الجماعة شبرا فقد خلع رِبْقَةَ الإسلام من عنقه" . رواه أحمد وأبو داود٤.
- ولهما عن معاوية٥ مرفوعاً:
- vol. 2, p. 221
"ألا ١ إن هذه الأمة ستفترق على ثلاث وسبعبن ـ ٢يعني فرقة١ ـ ثنتان وسبعون في النار، وواحدةٌ في الجنة وهي الجماعة" ٣.
-
وعن ابن عمر مرفوعا: "إن الله لا يجمع أمتي ـ أو قَالَ أمةَ محمدٍ ـ على ضلالة، ويد الله على الجماعة، ومن شذ شذ في النار" رواه الترمذي٤.
-
وعن ثوبان٥ مرفوعا: "لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم، حتى يأتي أمر الله وهم كذلك" ٦. وفي حديث
vol. 2, p. 222جابر: "إلى يوم القيامة" ١، وفي حديث جابر٢ بن سمرة٣: "حتى تقوم الساعة" رواه مسلم٤.
-
وعن ابن عمر مرفوعا: "عليكم بالجماعة، وإياكم والفرقة، فإن الشيطان مع الواحد، وهو من الاثنين أبعد، من أراد بحبوحة الجنة فليلزم ٥ الجماعة" رواه الشافعي وأحمد وعبد بن حميد٦ والترمذي وغيرهم٧.
- vol. 2, p. 223
وعن ابن مسعود: ما رآه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن، وما رآه المسلمون سيِّئًا فهو عند الله سيئٌ رواه أبو داود الطيالسي١.
قَالَ الآمدي وغيره: "السنةُ أقربُ الطرقِ إلى كون الإجماع حجة قاطعة٢" .
-
واستُدِلَّ أيضًا لكونه حجةً قاطعةً بأن٣ العادةَ تُحِيل إجماعَ مجتهدي
vol. 2, p. 224العصر على قطعٍْ بحكمٍ شَرْعِيٍّ مِنْ غَيْرِ اطِّلاعٍ عَلَى دليلٍ قاطعٍ في ذلك الحُكْمِ، فوجب ١في ذلك الحُكْمِ٤ تقديرُ٢ نصٍّ قاطعٍ فيه، ولأن الإجماعَ مقدَّمٌ على الدليل القاطع، فكان قاطعا، وإلا تعارض الإجماعان، لتقديم القاطع على غيره إجماعًا٣.