فصل: لا تعارض بين أفعال النبي صلى الله عليه وسلم

117 paragraphs · vol. 2, p. 198

Page 3 of 3

  1. "وَيَثْبُتُ" الإِجْمَاعُ. وَهُوَ كَوْنُ هَذَا الْحُكْمِ مَجْمَعًا عَلَيْهِ "بِخَبَرالْوَاحِدِ" لأَنَّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ شَرْعِيَّةٌ طَرِيقُهَا طَرِيقُ بَقِيَّةِ مَسَائِلِ الْفُرُوعِ الَّتِي يَكْفِي فِي ثُبُوتِهَا الظَّنُّ٤.

    vol. 2, p. 224
  2. "وَلا يُعْتَبَرُ فِيهِ" أَيْ فِي انْعِقَادِ الإِجْمَاعِ "وِفَاقُ الْعَامَّةِ" لِلْمُجْتَهِدِينَ،

    vol. 2, p. 225سَوَاءٌ كَانَتْ مَسَائِلُهُ مَشْهُورَةً أَوْ خَفِيَّةً١.

  3. وَاعْتَبَرَهُ قَوْمٌ مُطْلَقًا٢، وَقَوْمٌ فِي الْمَسَائِلِ الْمَشْهُورَةِ٣.

  4. "وَلا" يُعْتَبَرُ أَيْضًا فِي انْعِقَادِهِ وِفَاقُ "مَنْ عَرَفَ الْحَدِيثَ" مِنْ غَيْرِ الْمُجْتَهِدِينَ "أَوْ" عَرَفَ "اللُّغَةَ، أَوْ" عِلْمَ "الْكَلامِ وَنَحْوَهُ" كَالْعَرَبِيَّةِ وَالْمَعَانِي وَالْبَيَانِ وَالتَّصْرِيفِ "أَوْ" مَنْ عَرَفَ "الْفِقْهَ" فَقَطْ فِي مَسْأَلَةٍ ٤فِي أُصُولِهِ٥ "أَوْ" مَنْ عَرَفَ "أُصُولَهُ٥" فَقَطْ فِي مَسْأَلَةٍ فِي الْفِقْهِ؛ لأَنَّ هَؤُلاءِ مِنْ جُمْلَةِ

    vol. 2, p. 226الْمُقَلِّدِينَ، فَلا تُعْتَبَرُ مُخَالَفَتُهُمْ. وَهَذَا الصَّحِيحُ عِنْدَ الإِمَامِ أَحْمَدَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. وَعِنْدَ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ١.

  5. وَقِيلَ: بِاعْتِبَارِ وِفَاقِ كُلٍّ مِنْ الْفُقَهَاءِ وَالأُصُولِيِّينَ لِمَا فِي كُلٍّ مِنْ الطَّائِفَتَيْنِ مِنْ الأَهْلِيَّةِ الْمُنَاسِبَةِ لِلْفِئَتَيْنِ لِتَلازُمِ الْعِلْمَيْنِ٢.

  6. وَقِيلَ: يُعْتَبَرُ قَوْلُ الأُصُولِيِّ فِي الْفِقْهِ دُونَ الْفُرُوعِيِّ فِي الأُصُولِ؛ لأَنَّهُ أَقْرَبُ إلَى مَقْصُودِ الاجْتِهَادِ دُونَ عَكْسِهِ، اخْتَارَهُ الْبَاقِلاَّنِيُّ. قَالَ أَبُو الْمَعَالِي: وَهُوَ الْحَقُّ٣، وَقِيلَ عَكْسُهُ٤. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

  7. وَكَذَا لا يُعْتَبَرُ أَيْضًا لانْعِقَادِ الإِجْمَاعِ وِفَاقُ مَنْ فَاتَهُ بَعْضُ شُرُوطِ الاجْتِهَادِ، وَهُوَ الْمُشَارُ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ "أَوْ فَاتَهُ بَعْضُ شُرُوطِهِ" لأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ الْمُجْتَهِدِينَ. وَمَعْنَاهُ لابْنِ عَقِيلٍ وَغَيْرِهِ٥.

    vol. 2, p. 227قَالَ الْمَجْدُ: "مَنْ أَحْكَمَ أَكْثَرَ أَدَوَاتِ الاجْتِهَادِ، وَلَمْ يَبْقَ لَهُ إلاَّ خُصْلَةٌ أَوْ خُصْلَتَانِ، اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ، وَالْمُتَكَلِّمُونَ عَلَى أَنَّهُ لا يُعْتَدُّ بِخِلافِهِ، خِلافًا لِلْبَاقِلاَّنِيِّ١" .

  8. "وَلا" يُعْتَبَرُ أَيْضًا فِي انْعِقَادِ الإِجْمَاعِ وِفَاقُ مُجْتَهِدٍ "كَافِرٍ" مُطْلَقًا. أَمَّا الْكَافِرُ الأَصْلِيُّ وَالْمُرْتَدُّ فَبِلا خِلافٍ٢.

  9. وَأَمَّا الْمُكَفَّرُ بِارْتِكَابِ "بِدْعَةٍ" فَلا يُعْتَبَرُ وِفَاقُهُ "عِنْدَ مُكَفِّرِهِ" بِارْتِكَابِ تِلْكَ الْبِدْعَةِ. وَأَمَّا مَنْ لا يُكَفِّرُهُ فَهُوَ عِنْدَهُ مِنْ الْمُبْتَدِعَةِ الْمَحْكُومِ بِفِسْقِهِمْ٣.

    قَالَ الأُسْتَاذُ أَبُو مَنْصُورٍ، قَالَ أَهْلُ السُّنَّةِ: لا يُعْتَبَرُ فِي الإِجْمَاعِ وِفَاقُ الْقَدَرِيَّةِ وَالْخَوَارِجِ وَالرَّافِضَةِ٤.

  10. "وَلا" يُعْتَبَرُ أَيْضًا فِي الإِجْمَاعِ وِفَاقُ مُجْتَهِدٍ "فَاسِقٍ مُطْلَقًا" أَيْ سَوَاءٌ كَانَ فِسْقُهُ مِنْ جِهَةِ الاعْتِقَادِ أَوْ الأَفْعَالِ. فَالاعْتِقَادُ كَالرَّفْضِ وَالاعْتِزَالِ وَنَحْوِهِمَا. وَالأَفْعَالُ كَالزِّنَا وَالسَّرِقَةِ وَشُرْبِ الْخَمْرِ وَنَحْوِ ذَلِكَ. وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ. اخْتَارَهُ الْقَاضِي وَابْنُ عَقِيلٍ وَالأَكْثَرُ١. قَالَ أَبُو بَكْرٍ الرَّازِيّ مِنْ الْحَنَفِيَّةِ: هَذَا الصَّحِيحُ عِنْدَنَا٢.

    قَالَ ابْنُ بُرْهَانٍ: هُوَ قَوْلُ كَافَّةِ الْفُقَهَاءِ، وَالْمُتَكَلِّمِينَ؛ لأَنَّهُ لا يُقْبَلُ قَوْلُهُ، وَلا يُقَلَّدُ فِي فَتْوَى، كَالْكَافِرِ وَالصَّغِيرِ٣.

    vol. 2, p. 228
  11. وَقِيلَ: إنْ ذَكَرَ مُسْتَنَدًا صَالِحًا اُعْتُدَّ بِقَوْلِهِ وَإِلاَّ فَلا. فَإِذَا بَيَّنَ مَأْخَذَهُ وَكَانَ صَالِحًا لِلأَخْذِ بِهِ اعْتَبَرْنَاهُ٤.

    vol. 2, p. 229قَالَ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ: وَلا بَأْسَ بِهَذَا الْقَوْلِ١.

  12. وَهَذَا كُلُّهُ فِي الْفَاسِقِ بِلا تَأْوِيلٍ.

  13. أَمَّا الْفَاسِقُ بِتَأْوِيلٍ فَمُعْتَبَرٌ٢ فِي الإِجْمَاعِ كَالْعَدْلِ٣. اهـ.

  14. "وَلا يَنْعَقِدُ" الإِجْمَاعُ "مَعَ مُخَالَفَةِ" مُجْتَهِدٍ "وَاحِدٍ" يُعْتَدُّ بِقَوْلِهِ عِنْدَ الإِمَامِ أَحْمَدَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَأَصْحَابِهِ، وَالأَكْثَرِ٤، لأَنَّهُ٥ لا يُسَمَّى إجْمَاعًا مَعَ الْمُخَالَفَةِ؛ لأَنَّ الدَّلِيلَ لَمْ يَنْهَضْ إلاَّ فِي كُلِّ الأُمَّةِ؛ لأَنَّ "الْمُؤْمِنَ" لَفْظٌ عَامٌّ، وَالأُمَّةُ مَوْضُوعَةٌ لِلْكُلِّ؛ وَلأَنَّ مِنْ الْجَائِزِ إصَابَةَ الأَقَلِّ وَخَطَأَ الأَكْثَرِ، كَمَا كَشَفَ الْوَحْيُ عَنْ إصَابَةِ عُمَرَ فِي أَسْرَى بَدْرٍ٦، وَكَمَا انْكَشَفَ الْحَالُ عَنْ

    vol. 2, p. 230إصَابَةِ أَبِي بَكْرٍ فِي أَمْرِ الرِّدَّةِ١.

  15. وَقِيلَ: يَنْعَقِدُ حَتَّى مَعَ مُخَالَفَةِ اثْنَيْنِ. اخْتَارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ وَأَبُو بَكْرٍ الرَّازِيّ الْحَنَفِيُّ٢ وَابْنُ حَمْدَانَ مِنْ أَصْحَابِنَا فِي "الْمُقْنِعِ" ، وَبَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ وَبَعْضُ الْمُعْتَزِلَةِ٣. وَإِلَيْهِ مَيْلُ أَبِي مُحَمَّدٍ الْجُوَيْنِيِّ فِي "الْمُحِيطِ" ٤.

  16. وَقِيلَ: إنَّ هَذَا فِي غَيْرِ أُصُولِ الدِّينِ. أَمَّا فِيهَا فَلا يَنْعَقِدُ مَعَ مُخَالَفَةِ أَحَدٍ٥.

  17. وَقِيلَ: هُوَ مَعَ الْمُخَالَفَةِ حُجَّةٌ، لا إجْمَاعٌ. اخْتَارَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ وَغَيْرُهُ١.

    vol. 2, p. 231
  18. "وَتُعْتَبَرُ مُخَالَفَةُ مَنْ صَارَ أَهْلاً قَبْلَ انْقِرَاضِ الْعَصْرِ" أَيْ: عَصْرِ الْمُجْمِعِينَ؛ لأَنَّ انْقِرَاضَ الْعَصْرِ مُعْتَبَرٌ لِصِحَّةِ الإِجْمَاعِ. وَهَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى ذَلِكَ٢.

    قَالَ فِي "شَرْحِ التَّحْرِيرِ" : وَالصَّحِيحُ، وَعَلَيْهِ الأَكْثَرُ: أَنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى انْقِرَاضِ الْعَصْرِ، فَمَنْ اشْتَرَطَ لِصِحَّةِ الإِجْمَاعِ انْقِرَاضَ الْعَصْرِ قَبْلَ الاخْتِلافِ - وَهُوَ الأَصَحُّ، كَمَا يَأْتِي الْجَزْمُ بِذَلِكَ فِي الْمَتْنِ٣ - قَالَ: هَذَا لَيْسَ بِإِجْمَاعٍ إنْ خَالَفَ. وَمَنْ قَالَ: لا يُشْتَرَطُ انْقِرَاضُ الْعَصْرِ قَالَ: الإِجْمَاعُ انْعَقَدَ، وَلا اعْتِبَارَ بِمُخَالَفَةِ مَنْ صَارَ مِنْ أَهْلِ الإِجْمَاعِ بَعْدَ ذَلِكَ٤.

  19. وَعَلَى اعْتِبَارِ انْقِرَاضِ الْعَصْرِ "وَلَوْ" كَانَ الَّذِي صَارَ أَهْلاً "تَابِعِيًّا مَعَ" إجْمَاعِ "الصَّحَابَةِ" قَبْلَ أَنْ يَصِيرَ التَّابِعِيُّ أَهْلاً لِلاجْتِهَادِ، ثُمَّ صَارَ أَهْلاً قَبْلَ انْقِرَاضِ عَصْرِ الصَّحَابَةِ الْمُجْمِعِينَ وَخَالَفَهُمْ٥؛ لأَنَّهُ لا إجْمَاعَ لِلصَّحَابَةِ مَعَ

    vol. 2, p. 232مُخَالَفَةِ تَابِعِيٍّ مُجْتَهِدٍ عِنْدَ الإِمَامِ أَحْمَدَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَالْقَاضِي أَبِي يَعْلَى، وَأَبِي الْخَطَّابِ، وَابْنِ عَقِيلٍ وَالْمُوَفَّقِ، وَأَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ وَالْمُتَكَلِّمِينَ مِنْهُمْ، أَكْثَرُ١ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ٢. لأَنَّهُ مُجْتَهِدٌ مِنْ الأُمَّةِ. فَلا يَنْهَضُ الدَّلِيلُ بِدُونِهِ، وَلأَنَّ الصَّحَابَةَ سَوَّغُوا اجْتِهَادَ التَّابِعِينَ وَفَتْوَاهُمْ مَعَهُمْ فِي الْوَقَائِعِ الْحَادِثَةِ فِي زَمَانِهِمْ، فَكَانَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ٣ يُفْتِي فِي الْمَدِينَةِ وَفِيهَا خَلْقٌ مِنْ الصَّحَابَةِ، وَشُرَيْحٌ بِالْكُوفَةِ وَفِيهَا٤٥أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ٥ عَلِيُّ٦بْنُ أَبِي طَالِبٍ٧ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وَحَكَمَ عَلَيْهِ فِي خُصُومَةٍ عَرَضَتْ لَهُ عِنْدَهُ، عَلَى

    vol. 2, p. 233خِلافِ رَأْيِ عَلِيٍّ، وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ، وَكَذَا الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ وَغَيْرُهُمْ١، كَانُوا يُفْتُونَ بِآرَائِهِمْ زَمَنَ الصَّحَابَةِ مِنْ غَيْرِ نَظَرِ أَنَّهُمْ٢ أَجْمَعُوا أَوْ لا، وَلَوْ لَمْ يُعْتَبَرْ قَوْلُهُمْ فِي الإِجْمَاعِ مَعَهُمْ لَسَأَلُوا قَبْلَ إقْدَامِهِمْ عَلَى الْفَتْوَى: هَلْ أَجْمَعُوا أَمْ لا؟ لَكِنَّهُمْ لَمْ يَسْأَلُوا، فَدَلَّ عَلَى اعْتِبَارِ قَوْلِهِمْ مَعَهُمْ مُطْلَقًا٣.

  20. وَسُئِلَ أَنَسٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ مَسْأَلَةٍ، فَقَالَ: "سَلُوا مَوْلانَا الْحَسَنَ. فَإِنَّهُ غَابَ وَحَضَرْنَا، وَحَفِظَ وَنَسِينَا" ٤. فَقَدْ سَوَّغُوا اجْتِهَادَهُمْ، وَلَوْلا صِحَّتُهُ وَاعْتِبَارُهُ لَمَا سَوَّغُوهُ٥، وَإِذَا اُعْتُبِرَ قَوْلُهُمْ فِي الاجْتِهَادِ فَلْيُعْتَبَرْ فِي الإِجْمَاعِ؛ إذْ لا يَجُوزُ مَعَ تَسْوِيغِ الاجْتِهَادِ تَرْكُ الاعْتِدَادِ بِقَوْلِهِمْ وِفَاقًا. وَالأَدِلَّةُ السَّابِقَةُ تَتَنَاوَلُهُمْ. وَاخْتِصَاصُ الصَّحَابَةِ بِالأَوْصَافِ الشَّرِيفَةِ٦ لا يَمْنَعُ٧ مِنْ الاعْتِدَادِ بِذَلِكَ.

  21. وَعِنْدَ أَحْمَدَ رِوَايَةٌ أُخْرَى: أَنَّ اتِّفَاقَ الصَّحَابَةِ مَعَ مُخَالَفَةِ التَّابِعِينَ يَكُونُ إجْمَاعًا. وَاخْتَارَهُ الْخَلاَّلُ وَالْحَلْوَانِيُّ وَالْقَاضِي أَيْضًا فِي بَعْضِ كُتُبِهِ٨، فَيَكُونُ لَهُ اخْتِيَارَانِ٩.

  22. وَوَجْهُ ذَلِكَ: أَنَّ الصَّحَابَةَ شَاهَدُوا التَّنْزِيلَ. فَهُمْ أَعْلَمُ بِالتَّأْوِيلِ. فَالتَّابِعُونَ مَعَهُمْ كَالْعَامَّةِ مَعَ الْعُلَمَاءِ. وَلِذَلِكَ قُدِّمَ تَفْسِيرُهُمْ. وَأَنْكَرَتْ١ عَائِشَةُ عَلَى أَبِي سَلَمَةَ٢ لَمَّا خَالَفَ ابْنَ عَبَّاسٍ فِي عِدَّةِ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا٣. وَزَجَرَتْهُ بِقَوْلِهَا " أَرَاك كَالْفَرُّوجِ يَصِيحُ بَيْنَ الدِّيَكَةِ " ٤. وَلَوْ كَانَ قَوْلُهُ مُعْتَبَرًا لَمَا أَنْكَرَتْهُ٥.

    vol. 2, p. 234
  23. وَرُدَّ ذَلِكَ بِأَنَّ كَوْنَهُمْ أَعْلَمُ لا يَنْفِي اعْتِبَارَ اجْتِهَادِ الْمُجْتَهِدِ، وَكَوْنُهُمْ مَعَهُمْ كَالْعَامَّةِ مَعَ الْعُلَمَاءِ تَهَجُّمٌ مَمْنُوعٌ. وَالصُّحْبَةُ لا تُوجِبُ الاخْتِصَاصَ، وَإِنْكَارُ عَائِشَةَ إمَّا لأَنَّهَا١ لَمْ تَرَهُ مُجْتَهِدًا، أَوْ لِتَرْكِهِ٢ التَّأَدُّبَ مَعَ ابْنِ عَبَّاسٍ حَالَ الْمُنَاظَرَةِ مِنْ رَفْعِ صَوْتٍ وَنَحْوِهِ. وَقَوْلُهَا "يَصِيحُ" يُشْعِرُ بِهِ٣. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

    vol. 2, p. 235
  24. وَكَوْنُهُ لا إجْمَاعَ لِلصَّحَابَةِ مَعَ مُخَالَفَةِ مُجْتَهِدٍ تَابِعِيٍّ كَذَلِكَ لا إجْمَاعَ لِلتَّابِعِينَ مَعَ مُخَالَفَةِ مُجْتَهِدٍ مِنْ تَابِعِ التَّابِعِينَ. وَإِلَى ذَلِكَ أُشِيرَ٤ بِقَوْلِهِ: "أَوْ تَابِعِهِ" أَيْ تَابِعَ التَّابِعِيَّ "مَعَ التَّابِعِينَ" لأَنَّهُ٥ إذَا لَمْ٦يَنْعَقِدْ إجْمَاعُ٣ الصَّحَابَةِ مَعَ مُخَالَفَةِ مُجْتَهِدٍ تَابِعِيٍّ، فَلأَنْ لا يَنْعَقِدَ إجْمَاعُ التَّابِعِينَ مَعَ مُخَالَفَةِ مُجْتَهِدٍ مِنْ تَابِعِي التَّابِعِينَ مِنْ بَابٍ أَوْلَى٧.

  25. لَكِنْ "لا" يُشْتَرَطُ لِصِحَّةِ الإِجْمَاعِ أَنَّ مَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلاً عِنْدَ انْعِقَادِهِ "مُوَافَقَتُهُ" عَلَى مَا أَجْمَعُوا عَلَيْهِ إذَا صَارَ أَهْلاً قَبْلَ انْقِرَاضِ عَصْرِ الْمُجْمِعِينَ٨.

    قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: "وَالضَّابِطُ أَنَّ اللاَّحِقَ إمَّا أَنْ يَتَأَهَّلَ قَبْلَ

    vol. 2, p. 236الانْقِرَاضِ أَوْ بَعْدَهُ، وَعَلَى الأَوَّلِ: فَإِمَّا أَنْ يُوَافِقَ أَوْ يُخَالِفَ أَوْ يَسْكُتَ. قُلْت: سِرُّ١ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ الْمُدْرِكَ لا يُعْتَبَرُ٢ وِفَاقُهُ٣، بَلْ يُعْتَبَرُ عَدَمُ خِلافِهِ إذَا قُلْنَا بِهِ٤ " اهـ.

  26. "وَلَيْسَ إجْمَاعُ الأُمَمِ الْخَالِيَةِ " حُجَّةً عِنْدَ الْمَجْدِ مِنْ أَصْحَابِنَا وَأَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ٥.

    قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ٦ الشِّيرَازِيُّ: "هَذَا قَوْلُ الأَكْثَرِ٧". وَصَرَّحَ بِهِ الآمِدِيُّ وَغَيْرُهُ٨.

    وَقَالَ أَبُو إِسْحَاقَ الإسْفَرايِينِيّ وَبَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ: إنَّهُ كَانَ حُجَّةً قَبْلَ النَّسْخِ٩.

    وَقَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ: إنْ كَانَ سَنَدُهُمْ قَطْعِيًّا فَحُجَّةٌ، أَوْ ظَنِّيًّا فَالْوَقْفُ١٠.

    وَقَالَ أَبُو الْمَعَالِي: إنْ قَطَعَ أَهْلُ الإِجْمَاعِ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِقَوْلِهِمْ: فَهُوَ

    vol. 2, p. 237حُجَّةٌ، لاسْتِنَادِهِ إلَى قَاطِعٍ فِي الْعَادَةِ، وَالْعَادَةُ لا تَخْتَلِفُ بِاخْتِلافِ الأُمَمِ. وَإِلاَّ لَكَانَ مُسْتَنَدُهُ مَظْنُونًا. وَالْوَجْهُ الْوَقْفُ١.

  27. "وَ" كَذَا "لا" يَكُونُ إجْمَاعُ "أَهْلِ الْمَدِينَةِ حُجَّةً" مَعَ مُخَالَفَةِ مُجْتَهِدٍ عِنْدَ جَمَاهِيرِ الْعُلَمَاءِ؛ لأَنَّهُمْ بَعْضُ الأُمَّةِ، لا كُلُّهَا؛ لأَنَّ الْعِصْمَةَ مِنْ الْخَطَإِ إنَّمَا تُنْسَبُ٢ لِلْأُمَّةِ كُلِّهَا، وَلا مَدْخَلَ لِلْمَكَانِ فِي الإِجْمَاعِ؛ إذْ لا أَثَرَ لِفَضِيلَتِهِ فِي عِصْمَةِ٣ أَهْلِهِ، بِدَلِيلِ مَكَّةَ الْمُشَرَّفَةَ٤. وَخَالَفَ فِي ذَلِكَ الإِمَامُ مَالِكٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ٥، وَاحْتَجَّ بِأَنَّ الْقَوْلَ

    vol. 2, p. 238الْبَاطِلَ خَبَثٌ، وَالْخَبَثُ مَنْفِيٌّ عَنْ الْمَدِينَةِ بِقَوْلِ الصَّادِقِ١. وَإِذَا٢ انْتَفَى الْبَاطِلُ بَقِيَ الْحَقُّ. فَوَجَبَ اتِّبَاعُهُ. فَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِهِ بِظَاهِرِهِ. وَكَذَلِكَ٣ أَطْلَقَ كَثِيرٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ الْقَوْلَ بِهِ٤ عَنْ مَالِكٍ، لَكِنْ قَالَ بَعْضُهُمْ: ذَلِكَ فِي زَمَنِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ. وَعَلَيْهِ جَرَى ابْنُ الْحَاجِبِ وَغَيْرُهُ٥. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: فِي زَمَنِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَمَنْ يَلِيهِمْ. ذَكَرَهُ الْمَجْدُ٦.

  28. "وَلا قَوْلُ الْخُلَفَاءِ الأَرْبَعَةِ" وَهُمْ أَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ، وَعُثْمَانُ، وَعَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ١ يَكُونُ إجْمَاعًا، وَلا حُجَّةً مَعَ مُخَالَفَةِ مُجْتَهِدٍ. وَهَذَا الْمُعْتَمَدُ عِنْدَ٢ الأَئِمَّةِ٣؛ لأَنَّهُمْ لَيْسُوا كُلَّ الأُمَّةِ الَّذِينَ جُعِلَتْ الْحُجَّةُ فِي قَوْلِهِمْ٤.

    vol. 2, p. 239
  29. وَعَنْ الإِمَامِ٥ أَحْمَدَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: رِوَايَةٌ أُخْرَى: أَنَّ قَوْلَهُمْ إجْمَاعٌ وَحُجَّةٌ٦. اخْتَارَهُ ابْنُ الْبَنَّا٧ مِنْ أَصْحَابِنَا.

  30. وَأَبُو خَازِمٍ١ - بِالْمُعْجَمَتَيْنِ - وَكَانَ قَاضِيًا حَنَفِيًّا. وَحَكَمَ بِذَلِكَ زَمَنَ الْمُعْتَضِدِ٢ فِي تَوْرِيثِ ذَوِي الأَرْحَامِ. فَأَنْفَذَ حُكْمَهُ. وَكَتَبَ بِهِ إلَى الآفَاقِ٣. وَلَمْ يَعْتَبِرْ خِلافَ زَيْدٍ٤ فِي ذَلِكَ.

    vol. 2, p. 240
  31. بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْخُلَفَاءَ الأَرْبَعَةَ يُوَرِّثُونَهُمْ١.

    vol. 2, p. 241
  32. وَاسْتُدِلَّ لِلأَوَّلِ٢ بِأَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ خَالَفَ جَمِيعَ الصَّحَابَةِ فِي خَمْسِ مَسَائِلَ فِي الْفَرَائِضِ، وَابْنَ مَسْعُودٍ فِي أَرْبَعِ مَسَائِلَ٣، وَغَيْرَهُمَا فِي غَيْرِ٤ ذَلِكَ. وَلَمْ يَحْتَجَّ عَلَيْهِمْ أَحَدٌ بِإِجْمَاعِ الْخُلَفَاءِ الأَرْبَعَةِ٥.

  33. "وَلا" قَوْلِ "أَهْلِ الْبَيْتِ، وَ" أَهْلُ الْبَيْتِ "هُمْ: عَلِيٌّ وَفَاطِمَةُ٦" بِنْتُ

    vol. 2, p. 242رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "وَنَجْلاهُمَا" هُمَا حَسَنٌ١ وَحُسَيْنٌ٢ "رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ" لِمَا فِي التِّرْمِذِيِّ: أَنَّهُ لَمَّا نَزَلَ قَوْله تَعَالَى: {إنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمْ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ} ٣ أَدَارَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْكِسَاءَ. وَقَالَ: "هَؤُلاءِ أَهْلُ

    vol. 2, p. 243بَيْتِي وَخَاصَّتِي. اللَّهُمَّ أَذْهِبْ عَنْهُمْ الرِّجْسَ وَطَهِّرْهُمْ تَطْهِيرًا " ١.

  34. "بِإِجْمَاعٍ، وَلا حُجَّةَ مَعَ مُخَالَفَةِ مُجْتَهِدٍ " عِنْدَ الأَئِمَّةِ الأَرْبَعَةِ٢ وَغَيْرِهِمْ، لِلأَدِلَّةِ الْعَامَّةِ فِي ذَلِكَ وَغَيْرِهِ٣.

    وَقَالَ الْقَاضِي فِي "الْمُعْتَمَدِ" وَبَعْضُ الْعُلَمَاءِ وَالشِّيعَةُ: إنَّ قَوْلَ أَهْلِ الْبَيْتِ إجْمَاعٌ٤.

  35. وَالْمُرَادُ بِالشِّيعَةِ مَنْ يُنْسَبُ إلَى حُبِّ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وَيَزْعُمُ أَنَّهُ مِنْ شِيعَتِهِ. وَقَدْ كَانَ فِي الأَصْلِ لَقَبًا لِلَّذِينَ أَلِفُوهُ فِي حَيَاتِهِ. كَسَلْمَانَ٥، وَأَبِي ذَرٍّ،

    vol. 2, p. 244وَالْمِقْدَادِ١، وَعَمَّارٍ. وَغَيْرِهِمْ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، ثُمَّ صَارَ لَقَبًا بَعْدَ ذَلِكَ عَلَى مَنْ يَرَى تَفْضِيلَهُ عَلَى كُلِّ الصَّحَابَةِ، وَيَرَى أُمُورًا أُخْرَى لا يَرْضَاهَا عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وَلا أَحَدٌ مِنْ ذُرِّيَّتِهِ وَلا غَيْرُهُمْ مِمَّنْ يُقْتَدَى بِهِ، ثُمَّ تَفَرَّقُوا فِرَقًا كَثِيرَةً. وَهَؤُلاءِ هُمْ الْمُرَادُ بِإِطْلاقِ الأُصُولِيِّينَ وَغَيْرِهِمْ "الشِّيعَةُ٢" .

  36. "وَمَا عَقَدَهُ أَحَدُ٣" الْخُلَفَاءِ "الأَرْبَعَةِ مِنْ صُلْحٍ" كَصُلْحِ بَنِي تَغْلِبَ "وَ" مِنْ "خَرَاجٍ" كَعَقْدِ خَرَاجِ السَّوَادِ "وَ" مِنْ "جِزْيَةٍ" وَمَا جَرَى مَجْرَى ذَلِكَ لا يَجُوزُ نَقْضُهُ عِنْدَ الأَكْثَرِ٤.

  37. وَنَقَلَهُ ابْنُ عَقِيلٍ عَنْ الأَصْحَابِ، وَقَالَ أَيْضًا: وَ٥يَجُوزُ ذَلِكَ٦ إذَا رَأَى

    vol. 2, p. 245ذَلِكَ الإِمَامُ. فَيَكُونُ حُكْمُهُ حُكْمُ رَأْيِهِ فِي جَمِيعِ الْمَسَائِلِ؛ لأَنَّ الْمَصَالِحَ تَخْتَلِفُ بِاخْتِلافِ الأَزْمِنَةِ١.

    قُلْتُ: وَهَذَا الصَّحِيحُ عِنْدَ أَصْحَابِنَا الْمُتَأَخِّرِينَ٢. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.