فصل: المرسل
18 paragraphs · vol. 3, p. 574
- vol. 3, p. 574
فِي اصْطِلاحِ الْفُقَهَاءِ١ هُوَ "قَوْلُ غَيْرِ صَحَابِيٍّ فِي كُلِّ عَصْرٍ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ" وَهُوَ قَوْلُ أَصْحَابِنَا وَالْكَرْخِيِّ وَالْجُرْجَانِيِّ وَبَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ وَالْمُحَدِّثِينَ٢.
-
وَخَصَّهُ أَكْثَرُ الْمُحَدِّثِينَ وَكَثِيرٌ مِنْ الأُصُولِيِّينَ بِالتَّابِعِيِّ، سَوَاءٌ كَانَ مِنْ كِبَارِهِمْ، وَهُوَ مَنْ لَقِيَ جَمَاعَةً كَثِيرَةً مِنْ الصَّحَابَةِ، كَعُبَيْدِ اللَّهِ٣ بْنِ عَدِيِّ بْنِ٤ الْخِيَارِ٥ وَكَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، وَعَلْقَمَةَ بْنِ قَيْسٍ النَّخَعِيِّ،
vol. 3, p. 575وَكَأَبِي مُسْلِمٍ الْخَوْلانِيِّ١ حَكِيمِ هَذِهِ الأُمَّةِ، وَكَمَسْرُوقٍ٢، وَكَعْبِ الأَحْبَارِ وَأَشْبَاهِهِمْ. أَوْ مِنْ صِغَارِهِمْ، وَهُوَ مَنْ لَمْ يَلْقَ مِنْ الصَّحَابَةِ إلاَّ الْقَلِيلَ. كَيَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الأَنْصَارِيِّ وَأَبِي حَازِمٍ وَابْنِ شِهَابٍ لَقِيَ عَشَرَةً مِنْ الصَّحَابَةِ٣.
- vol. 3, p. 576
وَقِيلَ: مَا كَانَ مِنْ١ صِغَارِ التَّابِعِينَ لا يُسَمَّى مُرْسَلاً، بَلْ مُنْقَطِعًا لِكَثْرَةِ الْوَسَائِطِ لِغَلَبَةِ رِوَايَتِهِمْ عَنْ التَّابِعِينَ.
-
وَقِيلَ: يُسَمَّى مُرْسَلاً إذَا سَقَطَ مِنْ الإِسْنَادِ وَاحِدٌ أَوْ أَكْثَرُ، سَوَاءٌ الصَّحَابِيُّ وَغَيْرُهُ. فَيَتَّحِدُ مَعَ الْمُسَمَّى بِالْمُنْقَطِعِ بِالْمَعْنَى الأَعَمِّ٢.
قَالَ ابْنُ الصَّلاحِ: "فَفِي الْفِقْهِ وَأُصُولِهِ: أَنَّ كُلَّ ذَلِكَ يُسَمَّى٣ مُرْسَلاً. قَالَ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ أَبُو بَكْرٍ الْخَطِيبُ وَقَطَعَ بِهِ إلاَّ أَنَّ أَكْثَرَ مَا يُوصَفُ بِالإِرْسَالِ مِنْ حَيْثُ الاسْتِعْمَالُ: مَا رَوَاهُ التَّابِعِيُّ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَا رَوَاهُ تَابِعُ التَّابِعِيِّ فَيُسَمُّونَهُ مُعْضَلاً٤" .اهـ.
-
وَعَلَى هَذَا: لَوْ سَقَطَ بَيْنَ الرَّاوِيَيْنِ أَكْثَرُ مِنْ وَاحِدٍ، فَإِنَّهُ٥ يُسَمَّى مُعْضَلاً أَيْضًا.
-
"وَهُوَ" أَيْ الْمُرْسَلُ "حُجَّةٌ كَمَرَاسِيلِ٦ الصَّحَابَةِ" عِنْدَ أَحْمَدَ وَأَصْحَابِهِ، وَالْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالْمُعْتَزِلَةِ. وَحَكَاهُ الرَّازِيّ فِي "الْمَحْصُولِ" عَنْ الْجُمْهُورِ.
- vol. 3, p. 577
وَاخْتَارَهُ الآمِدِيُّ وَغَيْرُهُ١.
-
وَذَكَرَ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ أَنَّ التَّابِعِينَ أَجْمَعُوا بِأَسْرِهِمْ عَلَى قَبُولِ الْمَرَاسِيلِ، وَلَمْ يَأْتِ عَنْ أَحَدٍ إنْكَارُهَا إلَى رَأْسِ الْمِائَتَيْنِ٢.
-
وَكَذَا قَالَ أَبُو الْوَلِيدِ الْبَاجِيُّ: إنْكَارُ كَوْنِهِ حُجَّةً بِدْعَةٌ حَدَثَتْ بَعْدَ الْمِائَتَيْنِ. وَذَلِكَ لِقَبُولِهِمْ مَرَاسِيلَ الأَئِمَّةِ مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ٣.
-
وَعَنْ الإِمَامِ أَحْمَدَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ رِوَايَةٌ ثَانِيَةٌ: أَنَّ الْمُرْسَلَ لَيْسَ بِحُجَّةٍ. قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: هُوَ قَوْلُ أَهْلِ الْحَدِيثِ٤.
vol. 3, p. 578قَالَ ابْنُ الصَّلاحِ: "هُوَ الْمَذْهَبُ الَّذِي اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ رَأْيُ أَهْلِ الْحَدِيثِ، وَنُقَّادِ الأَثَرِ١" ، كَمَا قَالَ الْخَطِيبُ فِي "الْكِفَايَةِ" ٢. وَحَكَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالأَخْبَارِ٣. وَهَذَا وَإِنْ قَالَهُ مُسْلِمٌ عَلَى لِسَانِ غَيْرِهِ، لَكِنْ أَقَرَّهُ. وَاحْتَجُّوا بِأَنَّ فِيهِ جَهْلاً بِعَيْنِ الرَّاوِي وَضَعْفِهِ٤.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَتْبَاعُهُ: إنْ كَانَ مِنْ كِبَارِ التَّابِعِينَ، وَلَمْ يُرْسِلْ إلاَّ عَنْ عُذْرٍ، وَأَسْنَدَهُ غَيْرُهُ أَوْ أَرْسَلَهُ، وَشُيُوخُهُمَا مُخْتَلِفَةٌ أَوْ عَضَّدَهُ عَمَلُ صَحَابِيٍّ، أَوْ الأَكْثَرُ أَوْ قِيَاسٌ، أَوْ انْتِشَارٌ، أَوْ عَمَلُ الْعَصْرِ: قُبِلَ، وَإِلاَّ فَلا٥.
- vol. 3, p. 579
"وَيَشْمَلُ" ١ اسْمُ الْمُرْسَلِ مَا سَمَّوْهُ "مُعْضَلاً وَ" مَا سَمَّوْهُ "مُنْقَطِعًا" ٢.
-
قَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ أَهْلَ الْحَدِيثِ سَمَّوْا مَا رَوَاهُ تَابِعُ٣ التَّابِعِيِّ وَمَا سَقَطَ بَيْنَ رَاوِيَيْهِ أَكْثَرُ مِنْ وَاحِدٍ مُعْضَلاً٤.
-
وَقَالَ الْقَاضِي٥ وَكَثِيرٌ مِنْ الْفُقَهَاءِ وَغَيْرِهِمْ لَوْ انْقَطَعَ فِي الإِسْنَادِ وَاحِدٌ، كَرِوَايَةِ تَابِعِ التَّابِعِيِّ عَنْ صَحَابِيٍّ. فَهُوَ مُرْسَلٌ، وَالأَشْهَرُ عِنْدَ الْمُحَدِّثِينَ: أَنَّهُ مُنْقَطِعٌ. اهـ.
vol. 3, p. 580وَقَالَ بَعْضُ الْمُحَدِّثِينَ: مَنْ رَوَى عَمَّنْ لَمْ يَلْقَهُ وَوَقَفَهُ عَلَيْهِ فَمُرْسَلٌ١ أَوْ مُنْقَطِعٌ، وَيُسَمَّى مَوْقُوفًا، وَالْمُنْقَطِعُ سُقُوطُ رَاوٍ فَأَكْثَرَ مِمَّنْ٢ هُوَ دُونَ الصَّحَابِيِّ٣.
-
وَالانْقِطَاعُ: إمَّا فِي الْحَدِيثِ أَوْ الإِسْنَادِ، عَلَى مَا يُؤْخَذُ مِنْ كَلامِهِمْ مِنْ الإِطْلاقَيْنِ؛ إذْ مَرَّةً يَقُولُونَ فِي الْحَدِيثِ: مُنْقَطِعٌ، وَمَرَّةً فِي الإِسْنَادِ مُنْقَطِعٌ. فَالْمُنْقَطِعُ بِهَذَا الاعْتِبَارِ أَخَصُّ مِنْ مُطْلَقِ الْمُنْقَطِعِ الْمُقَابِلِ لِلْمُتَّصِلِ الَّذِي هُوَ مَوْرِدُ التَّقْسِيمِ. فَإِنْ كَانَ السَّاقِطُ أَكْثَرَ مِنْ وَاحِدٍ بِاعْتِبَارِ طَبَقَتَيْنِ فَصَاعِدًا، إنْ كَانَ فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ سُمِّيَ٤ مُعْضَلاً، وَإِنْ كَانَ فِي مَوْضِعَيْنِ سُمِّيَ٥ مُنْقَطِعًا مِنْ مَوْضِعَيْنِ٦.
-
إذَا عُلِمَ ذَلِكَ: فَإِذَا رَوَى عَمَّنْ لَمْ يَلْقَهُ، فَهُوَ مُرْسَلٌ مِنْ حَيْثُ كَوْنُهُ انْقَطَعَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَنْ٧ رَوَى عَنْهُ، كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْمَسْأَلَةِ الَّتِي قَبْلَهَا عَلَى رَأْيِ الْقَاضِي وَكَثِيرٍ مِنْ الْفُقَهَاءِ، وَمُنْقَطِعٌ عَلَى رَأْيِ الْمُحَدِّثِينَ، كَمَا تَقَدَّمَ عَنْهُمْ فِي أَصْلِ الْمُرْسَلِ. وَمَوْقُوفٌ لِكَوْنِهِ وَقَفَهُ٨ عَلَى شَخْصٍ. فَهُوَ بِهَذِهِ الاعْتِبَارَاتِ لَهُ ثَلاثُ
vol. 3, p. 581صِفَاتٍ. يُسَمَّى مُرْسَلاً بِاعْتِبَارٍ، وَمُنْقَطِعًا عَلَى رَأْيِ الْمُحَدِّثِينَ، وَمَوْقُوفًا بِاعْتِبَارِ كَوْنِهِ وَقَفَهُ عَلَى شَخْصٍ١.
-
وَأَمَّا مُرْسَلُ الصَّحَابَةِ: فَحُجِّيَّةُ غَيْرِ الصَّحَابَةِ٢ مَقِيسَةٌ عَلَى حُجِّيَّةِ مُرْسَلِهِمْ، وَعَلَى حُجِّيَّةِ مُرْسَلِ الصَّحَابَةِ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ؛ لأَنَّ رِوَايَتَهُمْ عَنْ الصَّحَابَةِ، وَالْجَهَالَةُ بِالصَّحَابِيِّ٣ غَيْرُ قَادِحَةٍ لأَنَّهُمْ كُلَّهُمْ عُدُولٌ. وَهَذَا فِي الْغَالِبِ وَإِلاَّ فَقَدْ يَرْوِي عَنْ التَّابِعِيِّ٤.
-
وَأَمَّا صِغَارُ الصَّحَابَةِ - كَمُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ٥، فَإِنَّهُ وُلِدَ قَبْلَ وَفَاةِ
vol. 3, p. 582النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِثَلاثَةِ أَشْهُرٍ وَأَيَّامٍ - فَإِنَّ مَرَاسِيلَهُمْ كَمَرَاسِيلِ كِبَارِ التَّابِعِينَ، لا مِنْ قَبِيلِ مَرَاسِيلِ الصَّحَابَةِ.
-
وَهَذَا مِمَّا١ يُلْغَزُ بِهِ. فَيُقَالُ: صَحَابِيٌّ حَدِيثُهُ مُرْسَلٌ لا يَقْبَلُهُ مَنْ يَقْبَلُ مَرَاسِيلَ الصَّحَابَةِ.