باب التخصيص

205 paragraphs · vol. 4, p. 267

Page 1 of 6

  1. بِالتَّنْوِينِ١ "التَّخْصِيصُ" وَتَتَوَقَّفُ مَعْرِفَتُهُ عَلَى بَيَانِ الْمُخَصِّصِ -بِكَسْرِ الصَّادِ- وَالْمُخَصَّصِ - بِفَتْحِهَا.

    vol. 4, p. 267
  2. فَأَمَّا التَّخْصِيصُ٢: فَرَسَمُوهُ بِأَنَّهُ "قَصْرُ الْعَامِّ عَلَى بَعْضِ أَجْزَائِهِ٣" .

    قَالَ ابْنُ مُفْلِحٍ: وَلَعَلَّهُ مُرَادُ مَنْ قَالَ "عَلَى بَعْضِ مُسَمَّيَاتِهِ" فَإِنَّ مُسَمَّى الْعَامِّ جَمِيعُ مَا يَصْلُحُ لَهُ اللَّفْظُ، لا بَعْضُهُ.

    وَقَالَ الْبِرْمَاوِيُّ تَبَعًا لِجَمْعِ الْجَوَامِعِ: هُوَ قَصْرُ الْعَامِّ عَلَى بَعْضِ أَفْرَادِهِ٤، فَخَرَجَ تَقْيِيدُ الْمُطْلَقِ، لأَنَّهُ قَصْرٌ مُطْلَقٌ، لا عَامٌّ، كَرَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ. وَكَذَا الإِخْرَاجُ مِنْ الْعَدَدِ، كَعَشْرَةٍ إلاَّ ثَلاثَةً, وَنَحْوِ ذَلِكَ.

  3. وَدَخَلَ مَا عُمُومُهُ بِاللَّفْظِ كَـ {اُقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ} ٥ قَصْرٌ بِالدَّلِيلِ عَلَى غَيْرِ٦ الذِّمِّيِّ وَغَيْرِهِ مِمَّنْ عُصِمَ بِأَمَانٍ، وَمَا عُمُومُهُ بِالْمَعْنَى، كَقَصْرِ عِلَّةِ الرِّبَا فِي بَيْعِ الرُّطَبِ بِالتَّمْرِ مَثَلاً. بِأَنَّهُ يَنْقُصُ إذَا جَفَّ عَلَى غَيْرِ الْعَرَايَا٧.

  4. وَالْمُرَادُ مِنْ قَصْرِ الْعَامِّ: قَصْرُ حُكْمِهِ، وَإِنْ كَانَ لَفْظُ١ "الْعَامِّ" بَاقِيًا٢ عَلَى عُمُومِهِ، لَكِنْ لَفْظًا لا حُكْمًا, فَبِذَلِكَ يَخْرُجُ إطْلاقُ٣ الْعَامِّ وَإِرَادَةُ الْخَاصِّ, فَإِنَّ ذَلِكَ قَصْرُ إرَادَةِ لَفْظِ الْعَامِّ، لا قَصْرُ حُكْمِهِ.

    vol. 4, p. 268
  5. وَقَدْ وَرَدَ٤ عَلَى تَعْرِيفِ التَّخْصِيصِ: أَنَّهُ إنَّمَا يَكُونُ تَخْصِيصًا بِدَلِيلٍ عَامٍّ، لا٥ قَصْرُ الْعَامِّ بِدَلِيلِهِ.

  6. وَجَوَابُهُ: أَنَّ الْكَلامَ فِي التَّخْصِيصِ الشَّرْعِيِّ فَالتَّقْدِيرُ٦ قَصْرُ الشَّارِعِ الْعَامِّ عَلَى بَعْضِ أَفْرَادِهِ، فَأُضِيفَ الْمَصْدَرُ إلَى مَفْعُولِهِ, وَحُذِفَ الْفَاعِلُ لِلْعِلْمِ بِهِ٧.

  7. "وَيُطْلَقُ" التَّخْصِيصُ "عَلَى قَصْرِ لَفْظٍ غَيْرِ عَامٍّ عَلَى بَعْضِ مُسَمَّاهُ" أَيْ مُسَمَّى ذَلِكَ اللَّفْظِ "كَ" إطْلاقِ "عَامٍّ عَلَى غَيْرِ لَفْظٍ عَامٍّ" كَعَشَرَةٍ وَمُسْلِمِينَ

    vol. 4, p. 269لِلْعَهْدِ١.

    قَالَ ابْنُ قَاضِي الْجَبَلِ: وَيُطْلَقُ التَّخْصِيصُ عَلَى قَصْرِ اللَّفْظِ عَلَى بَعْضِ مُسَمَّاهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَامًّا بِالاصْطِلاحِ كَإِطْلاقِ الْعَشَرَةِ عَلَى بَعْضِ آحَادِهَا, وَكَذَلِكَ يُطْلَقُ عَلَى اللَّفْظِ عَامٌّ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَامًّا لِتَعَدُّدِهِ، كَعَشَرَةٍ وَالْمُسْلِمِينَ الْمَعْهُودِينَ، لا الْمُسْلِمِينَ مُطْلَقًا, وَإِلاَّ كَانَ عَامًّا اصْطِلاحًا.

  8. "وَيَجُوزُ" التَّخْصِيصُ "مُطْلَقًا" عِنْدَ الأَئِمَّةِ الأَرْبَعَةِ وَالأَكْثَرُ، أَيْ: سَوَاءٌ كَانَ الْعَامُّ أَمْرًا أَوْ نَهْيًا أَوْ خَبَرًا٢، خِلافًا لِبَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ، وَبَعْضِ الأُصُولِيِّينَ فِي الْخَبَرِ٣, وَعَنْ بَعْضِهِمْ وَ٤ فِي الأَمْرِ٥.

  9. وَاسْتَدَلَّ لِلأَوَّلِ الَّذِي هُوَ الصَّحِيحُ بِأَنَّ التَّخْصِيصَ اُسْتُعْمِلَ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ٦.

    vol. 4, p. 270قَالَ الْمُخَالِفُ١: يُوهِمُ فِي الْخَبَرِ الْكَذِبَ، وَفِي الأَمْرِ الْبَدَاءَ٢.

  10. رَدًّا٣ بِالْمَنْعِ٤.

  11. وَيَرُدُّ ذَلِكَ كُلَّهُ وُرُودُ مَا هُوَ مَخْصُوصٌ قَطْعًا٥، نَحْوُ قَوْله تَعَالَى: {اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ} ٦ {تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا} ٧ {يُجْبَى إلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ} ٨ {وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ} ٩ {وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا} ١٠ وَفِي الأَمْرِ {اُقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ} ١١ وَفِي النَّهْيِ {لا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ} ١٢ مَعَ أَنَّ بَعْضَ الْقُرْبَانِ غَيْرُ مَنْهِيٍّ عَنْهُ قَطْعًا, بَلْ قَالُوا:

    vol. 4, p. 271لا عَامَّ إلاَّ وَطَرَقَهُ التَّخْصِيصُ إلاَّ مَوَاضِعَ يَسِيرَةً١.

  12. وَ٢يَجُوزُ التَّخْصِيصُ "وَلَوْ لِعَامٍّ مُؤَكَّدٍ٣" إذْ تَأْكِيدُهُ لا يَمْنَعُ تَخْصِيصَهُ عَلَى أَصَحِّ قَوْلَيْ الْعُلَمَاءِ٤، بِدَلِيلِ قَوْله تَعَالَى: {فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ إِلَّا إِبْلِيسَ} ٥ إذَا قَدَّرَ مُتَّصِلاً, وَفِي الْحَدِيثِ "فَأَحْرَمُوا كُلُّهُمْ إلاَّ أَبَا قَتَادَةَ" ٦.

  13. وَيَجُوزُ التَّخْصِيصُ مُطْلَقًا "إلَى أَنْ يَبْقَى وَاحِدٌ" فَقَطْ مِنْ أَفْرَادِ الْعَامِّ, قَالَهُ

    vol. 4, p. 272أَكْثَرُ أَصْحَابِنَا وَغَيْرُهُمْ١.

  14. وَمَنَعَ الْمَجْدُ وَغَيْرُهُ مِنْ أَصْحَابِنَا، وَأَبُو بَكْرٍ الرَّازِيّ: مِنْ أَقَلِّ الْجَمْعِ٢.

  15. وَالْقَفَّالُ وَغَيْرُهُ: إنْ٣ كَانَ لَفْظُهُ جَمْعًا٤.

  16. وَالْقَاضِي وَوَلَدُ الْمَجْدِ وَجَمْعٌ: لا بُدَّ أَنْ يَبْقَى كَثْرَةٌ وَإِنْ لَمْ تُقَدَّرْ٥.

  17. وَابْنُ حَمْدَانَ وَطَائِفَةٌ كَثِيرَةٌ١: تُقَرِّبُ مِنْ مَدْلُولِ اللَّفْظِ٢.

    vol. 4, p. 273
  18. وَجَوَّزَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ بِاسْتِثْنَاءٍ وَبَدَلٍ إلَى وَاحِدٍ، وَبِمُتَّصِلٍ وَصِفَةٍ، وَمُنْفَصِلٍ فِي مَحْصُورِ قَلِيلٍ إلَى اثْنَيْنِ، وَغَيْرِ الْمَحْصُورِ وَالْعَدَدِ الْكَثِيرِ، كَالْمَجْدِ٣.

  19. وَمَا فِي الْمَتْنِ هُوَ الصَّحِيحُ مِنْ مَذْهَبِ الإِمَامِ أَحْمَدَ رَحِمَهُ اللَّهُ وَأَصْحَابِهِ.

    قَالَ ابْنُ مُفْلِحٍ: يَجُوزُ تَخْصِيصُ الْعَامِّ إلَى أَنْ يَبْقَى وَاحِدٌ عِنْدَ أَصْحَابِنَا.

    قَالَ الْحَلْوَانِيُّ: هُوَ قَوْلُ جَمَاعَةٍ٤. وَكَذَا قَالَ ابْنُ قَاضِي الْجَبَلِ.

    قَالَ ابْنُ بُرْهَانٍ: هُوَ الْمَذْهَبُ الْمَنْصُوصُ٥.

  20. قَالَ٦ الْقَاضِي عَبْدُ الْوَهَّابِ: هُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَالْجُمْهُورِ.

  21. وَحَكَى الْجُوَيْنِيُّ إجْمَاعَ أَهْلِ السُّنَّةِ عَلَى ذَلِكَ فِي "مَنْ" وَ "مَا " وَنَحْوِهِمَا٧.

  22. وَاخْتَارَهُ أَبُو إِسْحَاقَ الشِّيرَازِيُّ١, وَحَكَاهُ أَبُو الْمَعَالِي فِي التَّلْخِيصِ وَغَيْرِهِ عَنْ مُعْظَمِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ.

    vol. 4, p. 274
  23. وَاسْتَدَلَّ لِلْقَوْلِ الصَّحِيحِ بِأَنَّهُ لَوْ امْتَنَعَ التَّخْصِيصُ الْمَذْكُورُ لَكَانَ الامْتِنَاعُ: إمَّا لأَنَّهُ مَجَازٌ، أَوْ لاسْتِعْمَالِهِ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ٢.

  24. وَاعْتُرِضَ عَلَى ذَلِكَ بِأَنَّ الْمَنْعَ لِعَدَمِ اسْتِعْمَالِهِ فِيهِ لُغَةٌ٣.

  25. وَجَوَابُهُ بِالْمَنْعِ, ثُمَّ لا فَرْقُ٤. وَأَيْضًا: أَكْرِمْ النَّاسَ إلاَّ الْجُهَّالَ٥.

  26. وَاعْتُرِضَ٦ عَلَيْهِ بِأَنَّهُ خَصَّ بِالاسْتِثْنَاءِ٧.

  27. وَجَوَابُهُ الْمَعْرُوفُ التَّسْوِيَةُ، ثُمَّ٨ لا فَرْقَ٩.

  28. وَاسْتَدَلَّ بِقَوْله تَعَالَى: {الَّذِينَ قَالَ لَهُمْ النَّاسُ} ١٠ وَأُرِيدَ بِهِ١١ نُعَيْمُ بْنُ

    vol. 4, p. 275مَسْعُودٍ١.

  29. رُدَّ لَيْسَ٢ بِعَامٍّ، لأَنَّهُ الْمَعْهُودُ٣.

  30. وَاسْتَدَلَّ بِقَوْله تَعَالَى: {وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} ٤.

  31. أُجِيبَ: أَطْلَقَ الْجَمْعَ عَلَيْهِ لِلتَّعْظِيمِ. وَمَحِلُّ النِّزَاعِ فِي الإِخْرَاجِ مِنْهُ٥.

  32. وَاسْتَدَلَّ بِجَوَازِ قَوْلِهِ٦: أَكَلْت الْخُبْزَ وَشَرِبْت الْمَاءَ، لأَقَلِّ شَيْءٍ مِنْهُمَا٧.

  33. رَدَّ، الْمُرَادُ بَعْضُ مُطَابِقٍ لِمَعْهُودٍ ذِهْنِيٍّ٨.

  34. الْقَائِلَ بِأَقَلِّ الْجَمْعِ مَا سِيقَ فِيهِ.

  35. رَدَّ لَيْسَ١ الْجَمْعُ بِعَامٍّ لِيُطْلَقَ الْعَامُّ عَلَى مَا يُطْلَقُ عَلَيْهِ٢.

    vol. 4, p. 276
  36. "وَلا تَخْصِيصَ إلاَّ فِيمَا لَهُ شُمُولٌ حِسًّا" نَحْوُ: جَاءَنِي الْقَوْمُ "أَوْ حُكْمًا" نَحْوُ اشْتَرَيْتُ الْعَبْدَ٣.

    قَالَ الْعَسْقَلانِيُّ٤: لا يَسْتَقِيمُ التَّخْصِيصُ إلاَّ بِمَا فِيهِ مَعْنَى الشُّمُولِ، وَيَصِحُّ تَوْكِيدُهُ بِكُلٍّ، لِيَكُونَ ذَا أَجْزَاءٍ٥ يَصِحُّ اقْتِرَانُهُمَا٦ إمَّا حِسًّا كَ {اُقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ} ٧ أَوْ حُكْمًا, كَاشْتَرَيْت الْجَارِيَةَ كُلَّهَا، لإِمْكَانِ افْتِرَاقِ٨ أَجْزَائِهَا٩.

    قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: التَّخْصِيصُ وَالنَّسْخُ فِي الْحَقِيقَةِ إنَّمَا يَتَنَاوَلُ أَفْعَالَنَا الْوَاقِعَةَ فِي الأَزْمَانِ وَالأَعْيَانِ فَقَطْ. وَالْفُقَهَاءُ وَالْمُتَكَلِّمُونَ تُكَلِّمُونَ أَكْثَرُوا الْقَوْلَ بِأَنَّ النَّسْخَ١٠ يَتَنَاوَلُ الأَزْمَانَ فَقَطْ، وَالتَّخْصِيصُ يَتَنَاوَلُ الْجَمِيعَ, وَإِنَّمَا يَسْتَعْمِلُهُ١١ الْمُحَصِّلُونَ تَجَوُّزًا١٢.

  37. "وَالْمُخَصَّصُ" هُوَ "الْمَخْرَجُ، وَهُوَ إرَادَةُ الْمُتَكَلِّمِ" الإِخْرَاجَ١.

    vol. 4, p. 277
  38. وَ٢ لَمَّا فَرَغَ مِنْ الْكَلامِ عَلَى التَّخْصِيصِ أَخَذَ فِي الْكَلامِ عَلَى الْمُخَصِّصِ -بِكَسْرِ الصَّادِ- وَهُوَ حَقِيقَةً: فَاعِلُ التَّخْصِيصِ الَّذِي هُوَ الإِخْرَاجُ، ثُمَّ أُطْلِقَ عَلَى إرَادَتهِ٣ الإِخْرَاجِ, لأَنَّهُ إنَّمَا يُخَصَّصُ٤ بِالإِرَادَةِ فَأُطْلِقَ عَلَى نَفْسِ الإِرَادَةِ مُخَصِّصًا، حَتَّى قَالَ الرَّازِيّ٥ وَأَتْبَاعُهُ: إنَّ حَقِيقَةَ التَّخْصِيصِ هُوَ الإِرَادَةُ٦.

  39. "وَيُطْلَقُ" الْمُخَصِّصُ "مَجَازًا عَلَى الدَّلِيلِ" الدَّالِّ عَلَى الإِرَادَةِ "وَهُوَ الْمُرَادُ هُنَا" فَإِنَّهُ الشَّائِعُ٧ فِي الأُصُولِ حَتَّى صَارَ حَقِيقَةً عُرْفِيَّةً٨.

  40. "وَهُوَ" أَيْ الْمُخَصِّصُ قِسْمَانِ: