باب النسخ
94 paragraphs · vol. 4, p. 525
Page 2 of 3
- vol. 4, p. 536
وَإِنْ قِيلَ: أَفْعَالُ اللَّهِ تَعَالَى تَابِعَةٌ لِمَصَالِحِ الْعِبَادِ كَالْمُعْتَزِلَةِ، فَالْمَصْلَحَةُ٣ قَدْ تَخْتَلِفُ بِاخْتِلافِ الأَوْقَاتِ.
-
"وَلا يَجُوزُ الْبَدَاءُ عَلَى اللَّهِ٤" سُبْحَانَهُ وَ "تَعَالَى" ، "وَهُوَ تَجَدُّدُ الْعِلْمِ" .
-
"وَهُوَ" أَيْ الْقَوْلُ بِتَجَدُّدِ عِلْمِهِ جَلَّ وَعَلا "كُفْرٌ" بِإِجْمَاعِ أَئِمَّةِ أَهْلِ السُّنَّةِ قَالَ الإِمَامُ أَحْمَدُ رَحِمَهُ اللَّهُ: مَنْ قَالَ: إنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يَكُنْ عَالِمًا حَتَّى خَلَقَ لِنَفْسِهِ عِلْمًا فَعَلِمَ٥ بِهِ فَهُوَ كَافِرٌ.
وَقَالَ ابْنُ الزَّاغُونِيِّ: الْبَدَاءُ: هُوَ أَنْ يُرِيدَ الشَّيْءَ دَائِمًا٦، ثُمَّ يَنْتَقِلَ عَنْ
vol. 4, p. 537الدَّوَامِ لأَمْرٍ حَادِثٍ لا بِعِلْمٍ سَابِقٍ قَالَ: أَوْ يَكُونَ سَبَبُهُ دَالاً عَلَى إفْسَادِ الْمُوجِبِ لِصِحَّةِ الأَمْرِ الأَوَّلِ، بِأَنْ يَأْمُرَهُ١ لِمَصْلَحَةٍ لَمْ تَحْصُلْ فَيَبْدُو لَهُ مَا يُوجِبُ رُجُوعَهُ عَنْهُ. اهـ.
-
"وَبَيَانُ غَايَةٍ مَجْهُولَةٍ" لِلْحُكْمِ نَحْوَ قَوْله تَعَالَى: {حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلاً} ٢ "لَيْسَ" ذَلِكَ الْبَيَانُ "بِنَسْخٍ" ٣.
قَالَ ابْنُ مُفْلِحٍ: اخْتَلَفَ كَلامُ أَصْحَابِنَا وَغَيْرِهِمْ: هَلْ هُوَ نَسْخٌ، أَمْ لا؟ وَالأَظْهَرُ النَّفْيُ. اهـ.
-
وَلِلْقَاضِي الْقَوْلانِ، فَإِنَّهُ قَالَ٤: فِي مَوْضِعِ قَوْله تَعَالَى: {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي} ٥ الآيَةَ؛ إنَّ٦ هَذِهِ الْغَايَةَ٧ مَشْرُوطَةٌ فِي حُكْمٍ مُطْلَقٍ؛ لأَنَّ غَايَةَ كُلِّ حُكْمٍ إلَى مَوْتِ الْمُكَلَّفِ، أَوْ إلَى النَّسْخِ.
-
وَكَذَلِكَ ذَكَرَ فِي مَسْأَلَةِ الأَخَفِّ بِالأَثْقَلِ أَنَّ حَدَّ الزَّانِي فِي أَوَّلِ الإِسْلامِ كَانَ الْحَبْسَ ثُمَّ نُسِخَ، وَجُعِلَ حَدُّ الْبِكْرِ الْجَلْدَ وَالتَّغْرِيبَ، وَالثَّيِّبِ الْجَلْدَ
vol. 4, p. 538وَالرَّجْمَ١.
وَقَالَ فِي مَسْأَلَةِ نَسْخِ الْقُرْآنِ بِالسُّنَّةِ: إنَّ الْحَبْسَ فِي الآيَةِ لَمْ يُنْسَخْ؛ لأَنَّ النَّسْخَ أَنْ يَرِدَ لَفْظٌ عَامٌّ يُتَوَهَّمُ دَوَامُهُ، ثُمَّ يَرِدَ مَا يَرْفَعُ بَعْضَهُ، وَالآيَةُ لَمْ تَرِدْ بِالْحَبْسِ عَلَى التَّأْبِيدِ، وَإِنَّمَا وَرَدَتْ بِهِ إلَى غَايَةٍ، هِيَ٢ أَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلاً فَأَثْبَتَتْ٣ الْغَايَةَ، فَوَجَبَ الْحَدُّ بَعْدَ الْغَايَةِ بِالْخَبَرِ٤. اهـ.
-
"وَيُنْسَخُ" بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ "إنْشَاءٌ، وَلَوْ" كَانَ الإِنْشَاءُ "بِلَفْظِ قَضَاءٍ٥" فِي الأَصَحِّ نَحْوَ "قَضَى اللَّهُ بِصَوْمِ عَاشُورَاءَ٦" مَثَلاً، ثُمَّ يَنْسَخُهُ٧ وَهَذَا قَوْلُ الْجُمْهُورِ٨.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لا يَجُوزُ نَسْخُهُ؛ لأَنَّ الْقَضَاءَ إنَّمَا يُسْتَعْمَلُ فِيمَا لا يَتَغَيَّرُ، نَحْوَ قَوْله تَعَالَى: {وَقَضَى رَبُّكَ أَنْ لا تَعْبُدُوا إلاَّ إيَّاهُ} ٩
"أَوْ" كَانَ الإِنْشَاءُ "خَبَرًا" يَعْنِي أَنَّهُ يُنْسَخُ الإِنْشَاءُ وَلَوْ كَانَ بِلَفْظِ الْخَبَرِ
vol. 4, p. 539سَوَاءٌ كَانَ بِمَعْنَى الأَمْرِ أَوْ النَّهْيِ، نَحْوَ: {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ} ١ وَنَحْوَ: {لا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا} ٢.
قَالَ الْجُمْهُورُ: يَجُوزُ نَسْخُهُ بِاعْتِبَارِ مَعْنَاهُ، فَإِنَّ مَعْنَاهُ الإِنْشَاءُ٣.
وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الدَّقَّاقُ٤: يَمْتَنِعُ نَسْخُهُ بِاعْتِبَارِ لَفْظِهِ٥.
-
"أَوْ قُيِّدَ" بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ الإِنْشَاءُ٦ "بِتَأْبِيدٍ" أَيْ بِلَفْظِ تَأْبِيدٍ "أَوْ" بِلَفْظِ "حَتْمٍ" نَحْوَ "صُومُوا يَوْمَ عَاشُورَاءَ أَبَدًا، أَوْ دَائِمًا٧، أَوْ مُسْتَمِرًّا، أَوْ حَتْمًا" .
-
وَجَوَازُ نَسْخِهِ قَوْلُ الْجُمْهُورِ٨.
- vol. 4, p. 540
وَخَالَفَ فِي ذَلِكَ جَمْعٌ مِنْ الْمُتَكَلِّمِينَ وَالْحَنَفِيَّةِ قَالُوا١ لِمُنَاقَضَتِهِ الأَبَدِيَّةِ٢، فَيُؤَدِّي ذَلِكَ إلَى الْبَدَاءِ.
-
وَجَوَابُهُ: أَنَّ ذَلِكَ إنَّمَا يُقْصَدُ بِهِ الْمُبَالَغَةُ لا الدَّوَامُ، كَمَا تَقُولُ: لازِمْ غَرِيمَك أَبَدًا، وَإِنَّمَا تُرِيدُ لازِمْهُ إلَى وَقْتِ الْقَضَاءِ، فَيَكُونُ الْمُرَادُ هُنَا٣ لا تَخْلُ بِهِ إلَى أَنْ يَنْقَضِيَ وَقْتُهُ.
-
وَكَمَا يَجُوزُ تَخْصِيصُ عُمُومٍ مُؤَكَّدٍ بِكُلٍّ وَيَمْنَعُ التَّأْبِيدَ عُرْفًا، وَبِالإِلْزَامِ٤ بِتَخْصِيصِ٥ عُمُومٍ مُؤَكَّدٍ، وَالْجَوَابُ وَاحِدٌ.
قَالُوا: إذَا كَانَ الْحُكْمُ لَوْ أُطْلِقَ الْخِطَابُ مُسْتَمِرًّا إلَى النَّسْخِ، فَمَا الْفَائِدَةُ فِي التَّقْيِيدِ بِالتَّأْبِيدِ؟
-
قُلْنَا: فَائِدَتُهُ التَّنْصِيصُ وَالتَّأْكِيدُ، وَأَيْضًا فَلَفْظُ٦ "الأَبَدِ" إنَّمَا مَدْلُولُهُ الزَّمَانُ الْمُتَطَاوِلُ.
-
وَلا فَرْقَ عَلَى قَوْلِ الْجُمْهُورِ بَيْنَ كَوْنِ الْجُمْلَةِ فِعْلِيَّةً، نَحْوَ صُومُوا أَبَدًا، أَوْ اسْمِيَّةً، نَحْوَ الصَّوْمُ وَاجِبٌ مُسْتَمِرٌّ أَبَدًا
vol. 4, p. 541وَوَقَعَ فِي عِبَارَةِ ابْنِ الْحَاجِبِ١ مَا يَحْتَمِلُ خِلافَ ذَلِكَ وَلَفْظُهُ: الْجُمْهُورُ عَلَى٢ جَوَازِ نَسْخِ مِثْلِ: صُومُوا أَبَدًا بِخِلافِ: الصَّوْمُ "وَاجِبٌ" ٣ مُسْتَمِرٌّ أَبَدًا٤ اهـ.
-
وَاخْتَلَفَ شَارِحَاهُ الأَصْفَهَانِيُّ وَالْعَضُدُ فِي حَلِّ لَفْظِهِ، وَوَافَقَ ابْنُ السُّبْكِيّ وَغَيْرُهُ عَلَى مَا قَالَهُ الْقَاضِي عَضُدُ الدِّينِ٥ من٦ احْتِمَالِ كَلامِهِ لِمَا قَالَهُ الْجُمْهُورُ.
-
"وَيَجُوزُ" "نَسْخُ إيقَاعِ الْخَبَرِ" الَّذِي أُمِرَ الْمُكَلَّفُ بِالإِخْبَارِ بِهِ "حَتَّى بِنَقِيضِهِ" أَيْ نَقِيضِ الْخَبَرِ الأَوَّلِ٧، خِلافًا لِلْمُعْتَزِلَةِ٨.
قَالَ الْقَاضِي عَضُدُ الدِّينِ، فِي شَرْحِ الْمُخْتَصَرِ: نَسْخُ الْخَبَرِ لَهُ صُورَتَانِ، إحْدَاهُمَا: نَسْخُ إيقَاعِ الْخَبَرِ، بِأَنْ يُكَلِّفَ الشَّارِعُ أَحَدًا بِأَنْ يُخْبِرَ بِشَيْءٍ٩ عَقْلِيٍّ أَوْ
vol. 4, p. 542عَادِيٍّ، "أَوْ شَرْعِيٍّ" ١ كَوُجُودِ الْبَارِي، وَإِحْرَاقِ النَّارِ، وَإِيمَانِ زَيْدٍ ثُمَّ يَنْسَخَهُ, فَهَذَا جَائِزٌ اتِّفَاقًا.
-
وَهَلْ يَجُوزُ نَسْخُهُ بِنَقِيضِهِ "أَيْ بِأَنْ يُكَلِّفَهُ الإِخْبَارَ بِنَقِيضِهِ" ٢؟ الْمُخْتَارُ جَوَازُهُ، خِلافًا لِلْمُعْتَزِلَةِ، وَمَبْنَاهُ عَلَى٣ أَصْلِهِمْ فِي حُكْمِ الْعَقْلِ؛ لأَنَّ أَحَدَهُمَا كَذِبٌ، فَالتَّكْلِيفُ بِهِ قَبِيحٌ. وَقَدْ عَلِمْت فَسَادَهُ٤.
قَالَ الْبِرْمَاوِيُّ: الثَّالِثُ: أَنْ يُرَادَ مَعَ نَسْخِهِ التَّكْلِيفُ بِالإِخْبَارِ بِضِدِّ الأَوَّلِ، إلاَّ أَنَّ الْمُخْبَرَ بِهِ مِمَّا لا يَتَغَيَّرُ كَالإِخْبَارِ بِكَوْنِ السَّمَاءِ فَوْقَ الأَرْضِ، يُنْسَخُ بِالإِخْبَارِ بِأَنَّ السَّمَاءَ تَحْتَ الأَرْضِ. وَذَلِكَ جَائِزٌ وَخَالَفَ الْمُعْتَزِلَةُ فِيهِ، كَمَا قَالَ الآمِدِيُّ٥، مُحْتَجِّينَ بِأَنَّ أَحَدَهُمَا٦ كَذِبٌ، وَالتَّكْلِيفُ بِهِ قَبِيحٌ، فَلا يَجُوزُ عَقْلاً. وَهُوَ بِنَاءٌ عَلَى قَاعِدَتِهِمْ الْبَاطِلَةِ فِي التَّحْسِينِ وَالتَّقْبِيحِ الْعَقْلِيَّيْنِ.
-
فَإِنْ قِيلَ: الْكَذِبُ نَقْصٌ، وَقَبَّحَهُ بِالْعَقْلِ بِاتِّفَاقٍ، فَلِمَ لا يَمْتَنِعُ؟
-
فَالْجَوَابُ: أَنَّ الْقُبْحَ فِيهِ بِالنِّسْبَةِ لِفَاعِلِهِ لا لاعْتِبَارِ٧ التَّكْلِيفِ بِهِ بَلْ إذَا كُلِّفَ بِهِ صَارَ جَائِرًا فَلا يَكُونُ قَبِيحًا٨، إذْ لا حُسْنَ وَلا قُبْحَ إلاَّ بِالشَّرْعِ، لا سِيَّمَا
vol. 4, p. 543إذَا تَعَلَّقَ بِهِ غَرَضٌ شَرْعِيٌّ، فَإِنَّهُ مِنْ حَيْثُ ذَلِكَ يَكُونُ حَسَنًا. اهـ.
-
"وَ" لا يَجُوزُ نَسْخُ "مَدْلُولِ خَبَرٍ" إجْمَاعًا حَكَاهُ أَبُو إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيُّ١. وَابْنُ بُرْهَانٍ إذَا كَانَ ذَلِكَ الْحُكْمُ "لا يَتَغَيَّرُ كَصِفَاتِ اللَّهِ" سُبْحَانَهُ وَ "تَعَالَى، وَخَبَرِ مَا كَانَ وَمَا يَكُونُ" وَأَخْبَارِ الأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمْ السَّلامُ، وَأَخْبَارِ الأُمَمِ السَّالفةِ٢ وَالإِخْبَارِ عَنْ السَّاعَةِ وَأَمَارَاتِهَا٣.
قَالَ ابْنُ مُفْلِحٍ: وَنَسْخُ مَدْلُولِ خَبَرٍ لا يَتَغَيَّرُ مُحَالٌ٤ إجْمَاعًا.
-
"أَوْ" مَدْلُولِ "خَبَرٍ" يَتَغَيَّرُ "كَإِيمَانِ زَيْدٍ وَكُفْرِهِ مَثَلاً" يَعْنِي فَإِنَّهُ لا يَجُوزُ نَسْخُهُ أَيْضًا عَلَى الأَصَحِّ. وَعَلَيْهِ الأَكْثَرُ٥.
قَالَ ابْنُ مُفْلِحٍ: مَنَعَهُ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ وَالأُصُولِيِّينَ. اهـ.
- vol. 4, p. 544
وَقِيلَ: يَجُوزُ ذَلِكَ. وَاخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ١ وَجَمْعٌ مِنْ أَصْحَابِنَا٢ وَغَيْرِهِمْ٣.
-
وَيَخْرُجُ عَلَيْهِ نَسْخُ الْمُحَاسَبَةِ بِمَا فِي النُّفُوسِ فِي قَوْله تَعَالَى: {إنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ} ٤ كَقَوْلِ٥ جَمَاعَةٍ مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ٦، فَهُوَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ٧ وَفِي الْبُخَارِيِّ عَنْ ابْنِ عُمَرَ٨.
قَالَ الْخَطَّابِيُّ: النَّسْخُ يَجْرِي فِيمَا أَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّهُ يَفْعَلُهُ؛ لأَنَّهُ يَجُوزُ تَعْلِيقُهُ عَلَى شَرْطٍ، بِخِلافِ إخْبَارِهِ عَمَّا لا يَفْعَلُهُ، إذْ لا يَجُوزُ دُخُولُ الشَّرْطِ فِيهِ.
قَالَ: وَعَلَى هَذَا تَأَوَّلَ٩ ابْنُ عُمَرَ النَّسْخَ، فِي قَوْله تَعَالَى١٠: {إنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ} فَإِنَّهُ نَسَخَهَا بَعْدَ ذَلِكَ بِرَفْعِ الْمُؤَاخَذَةِ عَلَى١١ حَدِيثِ النَّفْسِ اهـ.
- vol. 4, p. 545
وَقِيلَ: يَجُوزُ نَسْخُ مَدْلُولِ خَبَرٍ يَتَغَيَّرُ إنْ كَانَ مُسْتَقْبَلاً١؛ لأَنَّ نَسْخَ الْمَاضِي يَكُونُ تَكْذِيبًا.
-
وَهَذَا التَّفْصِيلُ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الْكَذِبَ لا يَكُونُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ٢.
-
وَالْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَدَ رَحِمَهُ اللَّهُ أَنَّ الْكَذِبَ يَكُونُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ كَالْمَاضِي.
-
"إلاَّ خَبَرٍ عَنْ حُكْمٍ" نَحْوَ: هَذَا الْفِعْلُ جَائِزٌ، وَهَذَا الْفِعْلُ حَرَامٌ فَهَذَا يَجُوزُ نَسْخُهُ بِلا خِلافٍ؛ لأَنَّهُ فِي الْحَقِيقَةِ إنْشَاءٌ قَالَهُ الْبِرْمَاوِيُّ وَغَيْرُهُ٣.
-
"وَيَجُوزُ" "نَسْخٌ بِلا بَدَلٍ" عَنْ الْمَنْسُوخِ عِنْدَ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ٤.
-
وَمَنَعَهُ جَمْعٌ وَنُقِلَ عَنْ الْمُعْتَزِلَةِ.
-
وَمَنَعَهُ بَعْضُ٥ الْعُلَمَاءِ فِي الْعِبَادَةِ، بِنَاءً عَلَى أَنَّ النَّسْخَ يَجْمَعُ٦ مَعْنَى الرَّفْعِ وَالنَّقْلِ
vol. 4, p. 546وَاسْتُدِلَّ لِلأَوَّلِ -الَّذِي هُوَ الصَّحِيحُ- بِأَنَّهُ نَسْخُ تَقْدِيمِ الصَّدَقَةِ أَمَامَ الْمُنَاجَاةِ، وَتَحْرِيمِ ادِّخَارِ لُحُومِ الأَضَاحِيِّ وَفِي الْبُخَارِيِّ أَنَّهُ١ كَانَ إذَا دَخَلَ وَقْتُ الْفِطْرِ، فَنَامَ قَبْلَ أَنْ يُفْطِرْ حَرِّمُ٢ الطَّعَامَ وَالشَّرَابَ، وَإِتْيَانَ النِّسَاءِ إلَى اللَّيْلَةِ الآتِيَةِ ثُمَّ نُسِخَ٣.
-
وَاحْتَجَّ الآمِدِيُّ أَنَّهُ لَوْ٤ فُرِضَ وُقُوعُهُ لَمْ يَلْزَمْ مِنْهُ مُحَالٌ٥.
-
وَرَدَّهُ بَعْضُ أَصْحَابِنَا وَغَيْرُهُمْ بِأَنَّهُ مُجَرَّدُ دَعْوَى٦ قَالُوا: قَالَ تَعَالَى: {نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا} ٧
رُدَّ الْخِلافُ فِي الْحُكْمِ لا فِي اللَّفْظِ٨.
-
ثُمَّ لَيْسَ عَامٍّا٩ فِي كُلِّ حُكْمٍ. ثُمَّ مُخَصَّصٌ١٠ بِمَا سَبَقَ ثُمَّ يَكُونُ نَسْخُهُ بِغَيْرِ بَدَلِ١١ خَيْرًا، لِمَصْلَحَةٍ عَلِمَهَا.
-
ثُمَّ إنَّمَا تَدُلُّ
vol. 4, p. 547الآيَةُ١ أَنَّهُ لَمْ يَقَعْ، لا أَنَّهُ٢ لا يَجُوزُ.
-
وَأَيْضًا الْمَصْلَحَةُ قَدْ تَكُونُ فِيمَا نُسِخَ، ثُمَّ تَصِيرُ الْمَصْلَحَةُ فِي عَدَمِهِ.
-
هَذَا عِنْدَ مَنْ يَعْتَبِرُ الْمَصَالِحَ. وَأَمَّا عِنْدَ٣ مَنْ لا يَعْتَبِرُهَا فَلا إشْكَالَ فِيهِ وَبِالْجُمْلَةِ٤: قَالَ اللَّهُ٥ تَعَالَى: {يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ} .
قَالَ الْبَاقِلاَّنِيُّ٦: كَمَا يَجُوزُ أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى يَرْفَعُ التَّكَالِيفَ كُلَّهَا, فَرَفْعُ٧ بَعْضِهَا بِلا بَدَلٍ مِنْ بَابِ أَوْلَى.
-
"وَوَقَعَ" فِي قَوْلِ الأَكْثَرِ٨.
-
وَخَالَفَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ وَأَوَّلَ٩.
-
وَالدَّلِيلُ١٠ عَلَى الْوُقُوعِ مَا تَقَدَّمَ مِنْ الآيَاتِ.
- vol. 4, p. 548
وَعِبَارَةُ الشَّافِعِيِّ فِي الرِّسَالَةِ فِي ابْتِدَاءِ النَّاسِخِ وَالْمَنْسُوخِ١: وَلَيْسَ يُنْسَخُ فَرْضٌ أَبَدًا، إلاَّ٢ أُثْبِتَ مَكَانَهُ فَرْضٌ، كَمَا نُسِخَتْ قِبْلَةُ بَيْتِ٣ الْمَقْدِسِ, فَأُثْبِتَ مَكَانَهَا الْكَعْبَةُ٤.
قَالَ الصَّيْرَفِيُّ فِي شَرْحِهِ: مُرَادُهُ أَنْ يُنْقَلَ مِنْ حَظْرٍ إلَى إبَاحَةٍ، أَوْ مِنْ إبَاحَةٍ إلَى حَظْرٍ أَوْ تَخْيِيرٍ عَلَى حَسَبِ أَحْوَالِ الْمَفْرُوضِ.
قَالَ: كَنَسْخِ الْمُنَاجَاةِ، فَإِنَّهُ تَعَالَى لَمَّا فَرَضَ تَقْدِيمَ الصَّدَقَةِ، أَزَالَ ذَلِكَ بِرَدِّهِمْ إلَى مَا كَانُوا عَلَيْهِ، فَإِنْ شَاءُوا تَقَرَّبُوا إلَى اللَّهِ تَعَالَى بِالصَّدَقَةِ، وَإِنْ شَاءُوا نَاجَوْهُ مِنْ غَيْرِ صَدَقَةٍ.
قَالَ: فَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ الشَّافِعِيِّ: فَرْضٌ٥ مَكَانَ فَرْضٍ فَتَفَهَّمْهُ٦. اهـ.