باب القياس
80 paragraphs · vol. 5, p. 5
Page 2 of 2
- vol. 5, p. 19
وَأَنْتَ تَعْلَمُ مِمَّا ذُكِرَ أَنَّ دَلِيلَ الْعِلَّةِ إذَا كَانَ نَصًّا وَجَبَ أَلاَّ يَتَنَاوَلَ الْفَرْعَ بِلَفْظِهِ، مِثْلَ أَنْ تَقُولَ٧: النَّبَّاشُ يُقْطَعُ؛ لأَنَّهُ سَارِقٌ كَالسَّارِقِ مِنْ الْحَيِّ [فَيُقَالَ: وَلِمَ قُلْتَ إنَّ السَّارِقَ مِنْ الْحَيِّ] ٨ إنَّمَا يُقْطَعُ؛ لأَنَّهُ سَارِقٌ؟ فَنَقُولَ٩ لِقَوْلِهِ تَعَالَى
vol. 5, p. 20{وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا} ١ رَتَّبَ الْقَطْعَ عَلَى السَّرِقَةِ بِفَاءِ التَّعْقِيبِ فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ الْمُقْتَضِي٢ لِلْقَطْعِ.
-
فَيُقَالُ: [فَهَذَا] ٣ يُوجِبُ ثُبُوتَ الْحُكْمِ فِي الْفَرْعِ بِالنَّصِّ. فَإِنَّ ثُبُوتَ الْعِلَّةِ بَعْدَ ثُبُوتِ الْحُكْمِ وَلا مُخَلِّصَ لِلْمُسْتَدِلِّ إلاَّ مَنْعُ كَوْنِهِ عَامًّا٤.
-
"وَ" مِنْ شَرْطِ حُكْمِ الأَصْلِ أَيْضًا: أَنْ "لا" يَكُونَ "مَعْدُولاً بِهِ عَنْ سُنَنِ الْقِيَاسِ" ٥أَيْ عَنْ طَرِيقِهِ الْمُعْتَبَرِ فِيهِ، لِتَعَذُّرِ التَّعْدِيَةِ حِينَئِذٍ.
- vol. 5, p. 21
وَذَلِكَ عَلَى ضَرْبَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: لِكَوْنِهِ لَمْ يُعْقَلْ مَعْنَاهُ، إمَّا لِكَوْنِهِ اُسْتُثْنِيَ مِنْ قَاعِدَةٍ عَامَّةٍ كَالْعَمَلِ بِشَهَادَةِ خُزَيْمَةَ وَحْدَهُ فِيمَا لا١ تُقْبَلُ٢ فِيهِ٣ شَهَادَةُ الْوَاحِدِ، أَوْ لَمْ يُسْتَثْنَ "كَعَدَدِ الرَّكَعَاتِ" وَتَقْدِيرِ نِصَابِ الزَّكَاةِ٤ وَمَقَادِيرِ الْحُدُودِ وَالْكَفَّارَاتِ.
-
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: مَا عُقِلَ مَعْنَاهُ، وَلَكِنْ لا نَظِيرَ لَهُ، وَإِلَى ذَلِكَ أُشِيرَ بِقَوْلِهِ "أَوْ لا نَظِيرَ لَهُ" وَسَوَاءٌ كَانَ "لَهُ مَعْنًى ظَاهِرٌ" كَرُخَصِ السَّفَرِ٥ "أَوْ لا" مَعْنَى لَهُ ظَاهِرٌ، كَالْقَسَامَةِ٦. كَذَا مَثَّلَ بِهِ ابْنُ مُفْلِحٍ تَبَعًا لابْنِ الْحَاجِبِ٧ وَغَيْرِهِ ٨.
- vol. 5, p. 22
قَالَ١ الْبِرْمَاوِيُّ: لَكِنْ٢ فِي جَعْلِهِ الْقَسَامَةَ غَيْرَ٣ مَعْقُولَةِ الْمَعْنَى، وَهُوَ خَفِيٌّ بِخِلافِ شَهَادَةِ خُزَيْمَةَ وَمَقَادِيرِ الْحُدُودِ: نَظَرٌ ظَاهِرٌ.
-
"وَمَا خُصَّ مِنْ الْقِيَاسِ يَجُوزُ الْقِيَاسُ عَلَيْهِ وَ" يَجُوزُ "قِيَاسُهُ عَلَى غَيْرِهِ" ٤
قَالَ أَبُو يَعْلَى: الْمَخْصُوصُ مِنْ جُمْلَةِ الْقِيَاسِ يُقَاسُ عَلَيْهِ وَيُقَاسُ عَلَى غَيْرِهِ. أَمَّا الأَوَّلُ: فَلأَنَّ أَحْمَدَ قَالَ فِيمَنْ نَذَرَ ذَبْحَ نَفْسِهِ: يَفْدِي نَفْسَهُ بِكَبْشٍ٥ فَقَاسَ مَنْ نَذَرَ ذَبْحَ نَفْسِهِ عَلَى٦ مَنْ نَذَرَ ذَبْحَ وَلَدِهِ. انْتَهَى.
قَالَ ابْنُ مُفْلِحٍ: وَهُوَ قَوْلُ أَصْحَابِنَا وَالشَّافِعِيَّةِ، وَبَعْضِ الْحَنَفِيَّةِ
vol. 5, p. 23وَإِسْمَاعِيلَ بْنِ إِسْحَاقَ الْمَالِكِيِّ١؛ لأَنَّ الظَّنَّ الْخَاصَّ أَرْجَحُ. وَمَنَعَ ذَلِكَ٢ أَكْثَرُ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالْمُتَكَلِّمِينَ، إلاَّ أَنْ يَكُونَ مُعَلَّلاً، كَقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "إنَّهَا مِنْ الطَّوَّافِينَ" ٣ أَوْ مُجْمَعًا عَلَى جَوَازِ الْقِيَاسِ عَلَيْهِ، كَالتَّحَالُفِ٤ فِي الإِجَارَةِ ٥ كَالْبَيْعِ.
-
وَلَنَا وَجْهٌ، كَأَكْثَرِ الْحَنَفِيَّةِ ذَكَرَهُ أَبُو الْخَطَّابِ قَالَ: وَلِهَذَا لا نَقِيسُ عَلَى لَحْمِ الإِبِلِ فِي نَقْضِ الْوُضُوءِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أُصُولِنَا.
قَالَ ابْنُ مُفْلِحٍ: كَذَا قَالَ.
-
ثُمَّ ٦ قَالَ: وَفِيهِ نَظَرٌ، لِعَدَمِ فَهْمِ الْمَعْنَى، أَوْ مُسَاوَاتِهِ وَلِهَذَا
vol. 5, p. 24نَقِيسُ١ فِي الأَشْهَرِ الْعِنَبَ عَلَى الْعَرَايَا٢. وَقَدْ قَاسَ الْحَنَفِيَّةُ الْمُقَدَّرَ، كَالْمُوضِحَةِ٣ عَلَى٤ دِيَةِ النَّفْسِ فِي حَمْلِ الْعَاقِلَةِ
قَالَ ابْنُ قَاضِي الْجَبَلِ: لَنَا أَنَّ الاعْتِبَارَ بِوُجُودِ: الْقِيَاسِ بِشُرُوطِهِ، وَكَوْنِهِ مَخْصُوصًا لا يَمْنَعُ إلْحَاقَ مَا فِي مَعْنَاهُ
قَالُوا: لا نَظِيرَ.
-
قُلْنَا: لا يَخْلُو مِنْ نَظِيرٍ.
-
"وَ" مِنْ شَرْطِ حُكْمِ الأَصْلِ أَيْضًا "كَوْنُهُ غَيْرَ فَرْعٍ" ٥
قَالَ ابْنُ مُفْلِحٍ فِي أُصُولِهِ: وَمِنْهُ كَوْنُهُ غَيْرَ فَرْعٍ، اخْتَارَهُ
vol. 5, p. 25الْقَاضِي فِي مُقَدِّمَةِ الْمُجَرَّدِ. وَقَالَ: هُوَ ظَاهِرُ قَوْلِ أَحْمَدَ
وَقِيلَ لَهُ: يَقِيسُ الرَّجُلُ بِالرَّأْيِ؟ فَقَالَ: لا. هُوَ أَنْ يَسْمَعَ١ الْحَدِيثَ فَيَقِيسَ عَلَيْهِ٢ِ.
-
ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُسْتَنْبَطَ مِنْ الْفَرْعِ الْمُتَوَسِّطِ عِلَّةٌ لَيْسَتْ فِي الأَصْلِ وَيُقَاسَ عَلَيْه.
-
وَذَكَرَ أَيْضًا فِي مَسْأَلَةِ الْقِيَاسِ جَوَازَ كَوْنِ الشَّيْءِ أَصْلاً لِغَيْرِهِ فِي حُكْمٍ، وَفَرْعًا لِغَيْرِهِ فِي حُكْمٍ آخَرَ، لا فِي حُكْمٍ وَاحِدٍ٣.
-
وَجَوَّزَهُ الْقَاضِي أَيْضًا وَأَبُو مُحَمَّدٍ الْبَغْدَادِيُّ مِنَّا٤، وَقَالَ: لأَنَّهُ لا يُخِلُّ بِنُظُمِ الْقِيَاسِ وَحَقِيقَتِهِ٥، وَكَذَا أَبُو الْخَطَّابِ وَمَنَعَهُ أَيْضًا.
ثمَّ قَالَ ابْنُ مُفْلِحٍ: وَالْمَنْعُ قَالَهُ الْكَرْخِيُّ وَالآمِدِيُّ٦، وَذَكَرَهُ
vol. 5, p. 26عَنْ أَكْثَرِ أَصْحَابِهِمْ، وَالْجَوَازُ قَالَهُ الرَّازِيّ وَالْجُرْجَانِيُّ١ وَأَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْبَصْرِيُّ وَقَالَ ابْنُ بُرْهَانٍ: يَجُوزُ عِنْدَنَا، خِلافًا لِلْحَنَفِيَّةِ وَالصَّيْرَفِيِّ مِنْ أَصْحَابِنَا قَالَ: وَحَرْفُ الْمَسْأَلَةِ: تَعْلِيلُ الْحُكْمِ بِعِلَّتَيْنِ. اهـ.
-
وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ: مُتَرْجَمَةٌ بِمَنْعِ الْقِيَاسِ عَلَى مَا ثَبَتَ حُكْمُهُ بِالْقِيَاسِ
وَوَجْهُ الْمَنْعِ فِي أَصْلِ الْمَسْأَلَةِ: أَنَّ الْعِلَّةَ إنْ اتَّحَدَتْ فَالْوَسَطُ لَغْوٌ كَقَوْلِ الشَّافِعِيِّ٢: السَّفَرْجَلُ مَطْعُومٌ فَيَكُونُ رِبَوِيًّا كَالتُّفَّاحِ، ثُمَّ يَقِيسُ التُّفَّاحَ عَلَى الْبُرِّ،
وَإِنْ لَمْ تَتَّحِدْ٣ فَسَدَ الْقِيَاسُ. لأَنَّ الْجَامِعَ بَيْنَ الْفَرْعِ الأَخِيرِ وَالْمُتَوَسِّطِ لَمْ يَثْبُتْ اعْتِبَارُهُ؛ لِثُبُوتِ الْحُكْمِ فِي الأَصْلِ الأَوَّلِ بِدُونِهِ، وَالْجَامِعُ بَيْنَ الْمُتَوَسِّطِ وَأَصْلِهِ لَيْسَ فِي فَرْعِهِ، كَقَوْلِ
vol. 5, p. 27الشَّافِعِيِّ١: الْجُذَامُ عَيْبٌ يُفْسَخُ بِهِ الْبَيْعُ، فَكَذَا النِّكَاحُ، كَالرَّتْقِ٢ ثُمَّ يَقِيسُ الرَّتْقَ عَلَى الْجَبِّ٣ بِفَوَاتِ الاسْتِمْتَاعِ.
-
وَهَذَا الْمِثَالُ: مَثَّلَ بِهِ ابْنُ مُفْلِحٍ تَبَعًا لابْنِ الْحَاجِبِ٤.
-
لَكِنْ قَالَ التَّاجُ السُّبْكِيُّ: هُوَ عَلَى سَبِيلِ٥ ضَرْبِ الْمِثَالِ، وَإِلاَّ فَرَدُّ الْمَجْبُوبِ عِنْدَنَا إنَّمَا هُوَ لِنُقْصَانِ عَيْنِ الْمَبِيعِ نَقْصًا يَفُوتُ بِهِ غَرَضٌ صَحِيحٌ لا لِفَوَاتِ٦ الاسْتِمْتَاعِ. وَأَمَّا إثْبَاتُ الْفَسْخِ بِالْجَبِّ فِي النِّكَاحِ فَلِفَوَاتِ الاسْتِمْتَاعِ، فَالْعِلَّتَانِ مُتَغَايِرَتَانِ عَلَى كُلِّ حَالٍ٧.
-
"وَ" مِنْ شَرْطِ حُكْمِ الأَصْلِ أَيْضًا. كَوْنُهُ "مُتَّفَقًا عَلَيْهِ بَيْنَ الْخَصْمَيْنِ" فَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا يَمْنَعُهُ، فَلا يُسْتَدَلُّ عَلَيْهِ بِالْقِيَاسِ فِيهِ٨.
- vol. 5, p. 28
وَإِنَّمَا شُرِطَ ذَلِكَ؛ لِئَلاَّ يَحْتَاجَ الْقِيَاسُ عِنْدَ الْمَنْعِ إلَى إثْبَاتِهِ فَيَكُونَ انْتِقَالاً مِنْ مَسْأَلَةٍ إلَى١ أُخْرَى
"لا" أَنْ يَكُونَ مُتَّفَقًا عَلَيْهِ بَيْنَ "الأُمَّةِ" لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ بِاتِّفَاقِ الْخَصْمَيْنِ فَقَطْ. وَهَذَا الصَّحِيحُ الَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ٢
وَاشْتَرَطَ قَوْمٌ ٣اتِّفَاقَ الأُمَّةِ عَلَى الأَصْلِ، وَمَنَعُوا الْقِيَاسَ عَلَى مُخْتَلَفٍ فِيهِ لِنَقْلِ الْكَلامِ إلَى التَّسَلْسُلِ ٤. وَضَعَّفَهُ الْمُوَفَّقُ كَغَيْرِهِ لِنُدْرَةِ الْمُجْمَعِ عَلَيْهِ. وَلأَنَّ كُلاًّ مِنْ الْخَصْمَيْنِ مُقَلِّدٌ فَلَيْسَ لَهُ مَنْعُ حُكْمٍ ثَبَتَ مَذْهَبًا لإِمَامِهِ؛ لأَنَّهُ لا يَعْلَمُ مَأْخَذَهُ ثُمَّ لا يَلْزَمُ مِنْ عَجْزِهِ عَجْزُهُ، ثُمَّ لا يَتَمَكَّنُ أَحَدُهُمَا مِنْ إلْزَامِ مَا لَمْ يُجْمَعْ عَلَيْهِ٥.
-
"وَلا" يُشْتَرَطُ - مَعَ كَوْنِهِ مُتَّفَقًا عَلَيْهِ بَيْنَ الْخَصْمَيْنِ دُونَ الأُمَّةِ - أَنْ
vol. 5, p. 29يَكُونَ ذَلِكَ "مَعَ اخْتِلافِهِمَا" ١
وَقِيلَ: بَلَى، وَهُوَ اخْتِيَارُ الآمِدِيِّ ٢
"وَلَوْ" "لَمْ يَتَّفِقَا" يَعْنِي الْخَصْمَيْنِ عَلَى حُكْمِ الأَصْلِ، وَلَمْ يَكُنْ مُجْمَعًا عَلَيْهِ "فَأَثْبَتَ الْمُسْتَدِلُّ حُكْمَهُ" أَيْ حُكْمَ الأَصْلِ بِنَصٍّ "ثُمَّ أَثْبَتَ الْعِلَّةَ" بِطَرِيقٍ مِنْ طُرُقِهَا، مِنْ إجْمَاعٍ أَوْ نَصٍّ، أَوْ سَبْرٍ أَوْ إخَالَةٍ "قُبِلَ" ٣ مِنْهُ اسْتِدْلالُهُ فِي الأَصَحِّ، وَنَهَضَ دَلِيلُهُ عَلَى خَصْمِهِ٤.
-
مِثَالُ ذَلِكَ: أَنْ يَقُولَ٥ فِي الْمُتَبَايِعَيْنِ، إذَا كَانَتْ السِّلْعَةُ تَالِفَةً: مُتَبَايِعَانِ تَخَالَفَا، فَيَتَحَالَفَانِ وَيُتَرَادَّانِ كَمَا لَوْ كَانَتْ قَائِمَةً، لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إذَا اخْتَلَفَ الْمُتَبَايِعَانِ، فَلْيَتَحَالَفَا وَلْيَتَرَادَّا" ٦ فَيَثْبُتُ الْحُكْمُ بِالنَّصِّ وَعِلَّتِهِ، وَهِيَ التَّحَالُفُ
vol. 5, p. 30بِالأَيْمَانِ ١
وَقِيلَ: لا يُقْبَلُ ذَلِكَ٢ مِنْ الْمُسْتَدِلِّ حَتَّى يَكُونَ حُكْمُ الأَصْلِ مُجْمَعًا عَلَيْهِ، أَوْ ٣يَتَوَافَقَ عَلَيْهِ الْخَصْمَانِ.
-
وَاسْتَدَلَّ لِلأَوَّلِ - وَهُوَ الصَّحِيحُ - بِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يُقْبَلْ ذَلِكَ مِنْهُ لَمْ تُقْبَلْ٤ فِي الْمُنَاظَرَةِ مُقَدِّمَةٌ تَقْبَلُ الْمَنْعَ، وَاللاَّزِمُ بَاطِلٌ،
بَيَانُ الْمُلازَمَةِ: أَنَّ مَنْ يَمْنَعُ ذَلِكَ وَيَشْتَرِطُ فِي حُكْمِ٥ الأَصْلِ الاتِّفَاقَ عَلَيْهِ بَيْنَ الْخَصْمَيْنِ إنَّمَا قَالَ ذَلِكَ لِئَلاَّ يَحْصُلَ الانْتِقَالُ مِنْ مَطْلُوبٍ إلَى آخَرَ. وَانْتِشَارُ كَلامٍ ٦ يُوجِبُ تَسَلْسُلَ الْبَحْثِ، وَيَمْنَعُ مِنْ حُصُولِ مَقْصُودِ الْمُنَاظَرَةِ وَهَذَا لا يَخْتَصُّ بِحُكْمِ الأَصْلِ، بَلْ هُوَ ثَابِتٌ فِي كُلِّ مُقَدِّمَةٍ تَقْبَلُ الْمَنْعَ ٧.
قَالَ الْقَاضِي عَضُدُ الدِّينِ: وَرُبَّمَا يُفَرَّقُ بِأَنَّ هَذَا حُكْمٌ شَرْعِيٌّ
vol. 5, p. 31مِثْلُ الأَوَّلِ، يَسْتَدْعِي مَا يَسْتَدْعِيهِ، بِخِلافِ الْمُقَدِّمَاتِ الأُخَرِ١.
-
"وَإِنْ" كَانَ الْخَصْمُ يَقُولُ بِحُكْمِ الأَصْلِ وَ ٢ "لَمْ يَقُلْ بِحُكْمِ أَصْلِهِ الْمُسْتَدَلِّ فَ ٣" هُوَ قِيَاسٌ "فَاسِدٌ" ٤
مِثَالُ ذَلِكَ: قَوْلُ الْحَنَفِيِّ فِي الصَّوْمِ بِنِيَّةِ النَّفْلِ: أَتَى بِمَا أُمِرَ بِهِ، فَيَصِحُّ، كَفَرِيضَةِ الْحَجِّ، وَهُوَ لا يَقُولُ بِصِحَّةِ فَرِيضَةِ الْحَجِّ بِنِيَّةِ النَّفْلِ، بَلْ خَصْمُهُ هُوَ الْقَائِلُ بِهِ.
-
وَوَجْهُ فَسَادِهِ: كَوْنُهُ اعْتَرَفَ٥ ضِمْنًا بِخَطَئِهِ فِي الأَصْلِ، وَهُوَ إثْبَاتُ الصِّحَّةِ فِي فَرِيضَةِ الْحَجِّ وَالاعْتِرَافُ بِبُطْلانِ إحْدَى٦ مُقَدِّمَاتِ دَلِيلِهِ٧، اعْتَرَفَ بِبُطْلانِ دَلِيلِهِ وَلا يُسْمَعُ مِنْ الْمُدَّعِي مَا هُوَ مُعْتَرَفٌ بِبُطْلانِهِ، وَلا يُمَكَّنُ مِنْ دَعْوَاهُ
فَإِنْ قِيلَ: فَذَلِكَ يَصْلُحُ إلْزَامًا لِلْخَصْمِ؛ إذْ لَوْ لَزِمَهُ٨ لَزِمَ الْمَقْصُودُ، وَإِلاَّ كَانَ مُنَاقِضًا فِي مَذْهَبِهِ. لِعَمَلِهِ٩ بِالْعِلَّةِ فِي مَوْضِعٍ دُونَ مَوْضِعٍ!
- vol. 5, p. 32
فَالْجَوَابُ: أَنَّ الإِلْزَامَ مُنْدَفِعٌ بِوَجْهَيْنِ
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَقُولَ١: الْعِلَّةُ٢ فِي الأَصْلِ عِنْدِي غَيْرُ ذَلِكَ، وَلا يَجِبُ ذِكْرِي لَهَا.
-
الثَّانِي: بِأَنْ٣ يَقُولَ ٤: يَلْزَمُ مِنْهُ خَطَئِي فِي الأَصْلِ أَوْ٥ فِي الْفَرْعِ وَلا يَلْزَمُ مِنْهُ الْخَطَأُ فِي الْفَرْعِ مُعَيَّنًا وَهُوَ مَطْلُوبُك، وَرُبَّمَا أَعْتَرِفُ بِخَطَئِي٦ فِي الأَصْلِ وَلا يَضُرُّنِي٧ ذَلِكَ فِي الْفَرْعِ. قَالَهُ الْقَاضِي عَضُدُ الدِّينِ٨ وَغَيْرُهُ.
-
"وَمَا اتَّفَقَا" يَعْنِي الْخَصْمَيْنِ "عَلَيْهِ" مِنْ حُكْمِ أَصْلٍ، لَكِنْ "لِعِلَّتَيْنِ مُخْتَلِفَتَيْنِ" فَهُوَ قِيَاسٌ مُرَكَّبٌ "وَيُسَمَّى" هَذَا "مُرَكَّبَ الأَصْلِ" سُمِّيَ بِذَلِكَ لاخْتِلافِهِمَا فِي تَرْكِيبِ الْحُكْمِ فَالْمُسْتَدِلُّ يُرَكِّبُ الْعِلَّةَ عَلَى الْحُكْمِ، وَالْخَصْمُ بِخِلافِهِ٩.
vol. 5, p. 33قَالَ الْقَاضِي عَضُدُ الدِّينِ: وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ إنَّمَا سُمِّيَ١ مُرَكَّبًا لإِثْبَاتِهِمَا الْحُكْمَ كُلٌّ ٢بِقِيَاسٍ، فَقَدْ اجْتَمَعَ قِيَاسَاهُمَا٣ ثُمَّ إنَّ٤ الأَوَّلَ اتَّفَقَا فِيهِ عَلَى الْحُكْمِ، وَهُوَ الأَصْلُ بِالاصْطِلاحِ٥ دُونَ الْوَصْفِ الَّذِي يُعَلِّلُ بِهِ الْمُسْتَدِلُّ فَسُمِّيَ مُرَكَّبَ الأَصْلِ "٦.
وَقَالَ ابْنُ مُفْلِحٍ: "قِيلَ: سُمِّيَ مُرَكَّبًا لاخْتِلافِهِمَا فِي عِلَّتِهِ وَقِيلَ: فِي تَرْكِيبِهِ٧ الْحُكْمَ عَلَيْهَا فِي الأَصْلِ فَعِنْدَ الْمُسْتَدِلِّ: هِيَ فَرْعٌ لَهُ، وَالْمُعْتَرِضُ بِالْعَكْسِ وَسُمِّيَ مُرَكَّبَ الأَصْلِ لِلنَّظَرِ فِي عِلَّةِ حُكْمِهِ اهـ.
-
وَإِنْ كَانَ الْخَصْمُ مُوَافِقًا عَلَى الْعِلَّةِ، وَلَكِنْ يَمْنَعُ وُجُودَهَا فِي الأَصْلِ وَذَلِكَ مَا أُشِيرَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ "أَوْ لِعِلَّةٍ يَمْنَعُ الْخَصْمُ وُجُودَهَا فِي الأَصْلِ وَ" هَذَا٨ "يُسَمَّى مُرَكَّبَ الْوَصْفِ" سُمِّيَ بِذَلِكَ لاخْتِلافِهِمَا فِي نَفْسِ الْوَصْفِ الْجَامِعِ٩.
- vol. 5, p. 34
مِثَالُ الأَوَّلِ -وَهُوَ مُرَكَّبُ الأَصْلِ- قَوْلُ الْحَنْبَلِيِّ، فِيمَا إذَا قَتَلَ الْحُرُّ عَبْدًا١: الْمَقْتُولُ عَبْدٌ، فَلا يُقْتَلُ بِهِ الْحُرُّ، كَالْمُكَاتَبِ إذَا قُتِلَ وَتَرَكَ وَفَاءً وَوَارِثًا مَعَ الْمَوْلَى فَإِنَّ أَبَا حَنِيفَةَ يَقُولُ٢ هُنَا: إنَّهُ لا قِصَاصَ، فَيَلْحَقُ الْعَبْدُ بِهِ هُنَا، بِجَامِعِ الرِّقِّ، فَلا يَحْتَاجُ الْحَنْبَلِيُّ فِيهِ إلَى إقَامَةِ دَلِيلٍ عَلَى عَدَمِ الْقِصَاصِ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ؛ لِمُوَافَقَةِ خَصْمِهِ،
فَيَقُولُ الْحَنَفِيُّ فِي مَنْعِ ذَلِكَ: إنَّ الْعِلَّةَ إنَّمَا هِيَ جَهَالَةُ الْمُسْتَحِقِّ مِنْ السَّيِّدِ وَالْوَرَثَةِ٣، لا الرِّقُّ؛ لأَنَّ السَّيِّدَ وَالْوَارِثَ، وَإِنْ اجْتَمَعَا عَلَى طَلَبِ الْقِصَاصِ لا يَزُولُ الاشْتِبَاهُ؛ لاخْتِلافِ الصَّحَابَةِ فِي مُكَاتَبٍ يَمُوتُ٤ عَنْ وَفَاءٍ قَالَ بَعْضُهُمْ: يَمُوتُ عَبْدًا، وَتَبْطُلُ الْكِتَابَةُ وَقَالَ بَعْضُهُمْ: تُؤَدَّى الْكِتَابَةُ مِنْ
vol. 5, p. 35أَكْسَابِهِ١، وَيُحْكَمُ بِعِتْقِهِ فِي آخِرِ جُزْءٍ مِنْ حَيَاتِهِ٢ فَقَدْ اشْتَبَهَ الْوَلِيُّ مَعَ هَذَا الاخْتِلافِ، فَامْتَنَعَ الْقِصَاصُ ٣.
-
فَإِنْ اُعْتُرِضَ عَلَيْهِمْ بِأَنَّكُمْ لا بُدَّ أَنْ تَحْكُمُوا٤ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ بِأَحَدِ هَذَيْنِ الْقَوْلَيْنِ، إمَّا٥ بِمَوْتِهِ عَبْدًا أَوْ حُرًّا وَأَيًّا مَا كَانَ فَالْمُسْتَحَقُّ٦ مَعْلُومٌ
فَيَقُولُ٧ الْحَنَفِيُّ٨: نَحْنُ نَحْكُمُ بِمَوْتِهِ حُرًّا، بِمَعْنَى أَنَّهُ يُورَثُ، لا بِمَعْنَى وُجُوبِ الْقِصَاصِ عَلَى قَاتِلِهِ الْحُرِّ؛ لأَنَّ حُكْمَنَا بِمَوْتِهِ حُرًّا ظَنِّيٌّ؛ لاخْتِلافِ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، وَالْقِصَاصُ يَنْتَفِي بِالشُّبْهَةِ. فَهَذِهِ جَهَالَةٌ تَصْلُحُ لِدَرْءِ الْقِصَاصِ، وَلا يَمْتَنِعُ عِلْمُنَا٩ بِمُسْتَحِقِّ١٠ الإِرْثِ.
-
وَمِثَالُ الثَّانِي -وَهُوَ مُرَكَّبُ الْوَصْفِ- أَنْ يُقَالَ فِي مَسْأَلَةِ تَعْلِيقِ
vol. 5, p. 36الطَّلاقِ قَبْلَ النِّكَاحِ: هَذَا تَعْلِيقٌ لِلطَّلاقِ، فَلا يَصِحُّ كَمَا لَوْ قَالَ: زَيْنَبُ الَّتِي أَتَزَوَّجُهَا طَالِقٌ.
-
فَيَقُولُ الْحَنَفِيُّ: الْعِلَّةُ الَّتِي هِيَ كَوْنُهُ تَعْلِيقًا مَفْقُودَةٌ فِي الأَصْلِ؛ فَإِنَّ قَوْلَهُ١: زَيْنَبُ الَّتِي أَتَزَوَّجُهَا طَالِقٌ تَنْجِيزٌ لا تَعْلِيقٌ
فَإِنْ صَحَّ هَذَا: بَطَلَ إلْحَاقُ التَّعْلِيقِ بِهِ لِعَدَمِ الْجَامِعِ؛ وَإِلاَّ٢ مُنِعَ حُكْمُ الأَصْلِ، وَهُوَ عَدَمُ الْوُقُوعِ فِي قَوْلِهِ: زَيْنَبُ الَّتِي أَتَزَوَّجُهَا طَالِقٌ؛ لأَنِّي إنَّمَا مَنَعْت الْوُقُوعَ؛ لأَنَّهُ تَنْجِيزٌ ٣، فَلَوْ كَانَ تَعْلِيقًا لَقُلْت بِهِ.
-
وَحَاصِلُهُ: أَنَّ الْخَصْمَ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ لا يَنْفَكُّ عَنْ مَنْعِ الْعِلَّةِ فِي الأَصْلِ، كَمَا لَوْ لَمْ يَكُنْ التَّعْلِيقُ ثَابِتًا فِيهِ، أَوْ مُنِعَ حُكْمُ الأَصْلِ، كَمَا إذَا كَانَ ثَابِتًا، وَعَلَى التَّقْدِيرَيْنِ: لا يَتِمُّ الْقِصَاصُ ٤
وَقَوْلُهُ "لَيْسَ بِحُجَّةٍ" خَبَرٌ لِقَوْلِهِ "وَمَا اتَّفَقَا عَلَيْهِ" .
-
وَمَعْنَى ذَلِكَ: أَنَّ الْقِيَاسَ الْمُسَمَّى٥ مُرَكَّبَ الأَصْلِ، وَالْقِيَاسَ الْمُسَمَّى مُرَكَّبَ الْوَصْفِ، لَيْسَ كُلٌّ مِنْهُمَا بِحُجَّةٍ عِنْدَنَا وَعِنْدَ
vol. 5, p. 37الأَكْثَرِ١.
-
أَمَّا الأَوَّلُ: فَلأَنَّ الْخَصْمَ لا يَنْفَكُّ عَنْ مَنْعِ ٢الْعِلَّةِ فِي الْفَرْعِ أَوْ مَنْعِ الْحُكْمِ فِي الأَصْلِ فَلا يَتِمُّ الْقِيَاسُ.
-
وَأَمَّا الثَّانِي: فَلأَنَّهُ لا يَنْفَكُّ عَنْ مَنْعِ الأَصْلِ، كَمَا لَوْ لَمْ يَكُنْ التَّعْلِيقُ ثَابِتًا فِيهِ، أَوْ مَنْعِ حُكْمِ الأَصْلِ إذَا كَانَ ثَابِتًا.
-
وَعَلَى التَّقْدِيرَيْنِ: لا يَتِمُّ الْقِيَاسُ٣.
-
"وَ" قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ٤ وَجَمَاعَةٌ كَثِيرَةٌ "لَوْ سَلَّمَهَا" أَيْ سَلَّمَ الْخَصْمُ الْعِلَّةَ لِلْمُسْتَدِلِّ أَنَّهَا٥ الَّتِي ذَكَرَهَا الْمُسْتَدِلُّ "فَأَثْبَتَ الْمُسْتَدِلُّ وُجُودَهَا" فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ "أَوْ سَلَّمَهُ" أَيْ سَلَّمَ وُجُودَهَا "الْخَصْمُ" حَيْثُ اخْتَلَفُوا فِيهِ "انْتَهَضَ الدَّلِيلُ" عَلَيْهِ، لِتَسْلِيمِهِ فِي الثَّانِي، وَقِيَامِ الدَّلِيلِ عَلَيْهِ فِي الأَوَّلِ وَذَلِكَ كَمَا لَوْ كَانَ مُجْتَهِدًا،
vol. 5, p. 38أَوْ غَلَبَ١ عَلَى ظَنِّهِ صِحَّةُ الْقِيَاسِ فَإِنَّهُ لا يُكَابِرُ نَفْسَهُ فِيمَا أَوْجَبَهُ عَلَيْهِ٢.
-
"وَيُقَاسُ عَلَى عَامٍّ خُصَّ، كَلائِطٍ وَآتٍ بَهِيمَةً عَلَى زَانٍ" .
قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: هُوَ الأَصَحُّ، لَنَا وَلِلشَّافِعِيَّةِ٣.
-
وَقِيلَ: لا؛ لِضَعْفِ مَعْنَاهُ لِلْخِلافِ فِيهِ.