فصل: قوادح العلة
496 paragraphs · vol. 5, p. 229
Page 12 of 13
- وَقَوْلُ الآخَرِ٣:
-
قُلْت ثَقَّلْتُ إذْ٤ أَتَيْتُ مِرَارًا ... قَالَ ثَقَّلْتَ كَاهِلِي بِالأَيَادِي
- وَالْقَوْلُ بِالْمُوجَبِ نَوْعٌ مِنْ بَدِيعِ الْكَلامِ٥
- "وَأَنْوَاعُ ثَلاثَةٌ" :
-
الأَوَّلُ: "أَنْ يَسْتَنْتِجَ مُسْتَدِلٌّ" مِنْ الدَّلِيلِ "مَا يَتَوَهَّمُهُ مَحَلَّ
vol. 5, p. 342النِّزَاعِ أَوْ لازِمَهُ " أَيْ لازِمَ مَحَلِّ النِّزَاعِ " كَ١ " قَوْلِهِ " الْقَتْلُ بِمُثَقَّلٍ قَتْلٌ بِمَا يَقْتُلُ غَالِبًا، فَلا يُنَافِي الْقَوَدَ كَمُحَدَّدٍ " وَكَالْقَتْلِ بِالإِحْرَاقِ.
-
"فَيُقَالُ " أَيْ فَيَقُولُ الْمُعْتَرِضُ " عَدَمُ الْمُنَافَاةِ لَيْسَ مَحَلَّ النِّزَاعِ، وَلا لازِمَهُ " أَيْ لازِمَ مَحَلِّ النِّزَاعِ. وَأَنَا أَقُولُ بِذَلِكَ أَيْضًا، وَلا يَكُونُ ذَلِكَ دَلِيلاً عَلَيَّ فِي مَحَلِّ النِّزَاعِ الَّذِي هُوَ وُجُوبُ الْقِصَاصِ.
-
النَّوْعُ الثَّانِي: مَا أُشِيرَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ "أَوْ إبْطَالَ مَا يَتَوَهَّمُهُ " يَعْنِي: أَنْ يَسْتَنْتِجَ إبْطَالَ مَا يَتَوَهَّمُهُ " مَأْخَذَ الْخَصْمِ، كَ " قَوْلِهِ أَيْضًا فِي الْقَتْلِ بِالْمُثَقَّلِ " التَّفَاوُتُ فِي الْوَسِيلَةِ لا يَمْنَعُ الْقَوَدَ، كَ " التَّفَاوُتِ فِي " مُتَوَسَّلٍ٢ إلَيْهِ٣ ".
-
"فَيُقَالُ " أَيْ فَيَقُولُ الْخَصْمُ: أَنَا أَقُولُ بِمُوجَبِ ذَلِكَ، وَلَكِنْ " لا يَلْزَمُ مِنْ إبْطَالِ مَانِعٍ٤ " وَهُوَ كَوْنُ التَّفَاوُتِ فِي الْوَسِيلَةِ غَيْرَ مَانِعٍ " عَدَمُ كُلِّ مَانِعٍ " فَيَجُوزُ أَنْ لا يَجِبَ الْقَوَدُ لِمَانِعٍ آخَرَ " وَ " لا يَلْزَمُ مِنْهُ أَيْضًا " وُجُودُ٥ الشَّرْطِ " لِلْقَوَدِ " وَ " لا وُجُودُ " الْمُقْتَضِي " لَهُ.
-
"وَيُصَدَّقُ مُعْتَرِضٌ إنْ قَالَ: لَيْسَ ذَا" أَيْ مَا تَذْهَبُ إلَيْهِ
vol. 5, p. 343"مَأْخَذِي" أَيْ مَأْخَذَ إمَامِي عَلَى الصَّحِيحِ؛ لأَنَّهُ أَعْرَفُ بِمَذْهَبِهِ وَمَذْهَبِ إمَامِهِ.
-
ثُمَّ لَوْ لَزِمَهُ إبْدَاءُ الْمَأْخَذِ: فَإِنْ مُكِّنَ الْمُسْتَدِلُّ مِنْ إبْطَالِهِ صَارَ١ مُعْتَرِضًا، وَإِلاَّ فَلا فَائِدَةَ.
-
وَقِيلَ: لا يُصَدَّقُ مُعْتَرِضٌ فِي قَوْلِهِ " لَيْسَ ذَا مَأْخَذِي " إلاَّ بِبَيَانِ مَأْخَذٍ آخَرَ.
-
وَقِيلَ: يُمَكَّنُ الْمُسْتَدِلُّ مِنْ إبْطَالِهِ، فَإِنْ أَبْطَلَهُ الْمُسْتَدِلُّ، وَإِلاَّ انْقَطَعَ.
قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ: وَأَكْثَرُ الْقَوْلِ بِالْمُوجَبِ٢ هَذَا الْقِسْمِ٣، أَيْ٤ الَّذِي يُسْتَنْتَجُ فِيهِ مَا يُتَوَهَّمُ أَنَّهُ مَأْخَذُ الْخَصْمِ، وَلَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ٥، وَإِنَّمَا كَانَ هَذَا أَكْثَرَ لِخَفَاءِ الْمَآخِذِ، وَقِلَّةِ الْعَارِفِينَ بِهَذَا٦، وَ٧الْمُطَّلِعِينَ عَلَى أَسْرَارِهَا، بِخِلافِ مَحَالِّ الْخِلافِ، فَإِنَّ
vol. 5, p. 344ذَلِكَ مَشْهُورٌ فَكَمْ مَنْ يَعْرِفُ مَحَلَّ الْخِلافِ، وَلَكِنْ لا يَعْرِفُ الْمَأْخَذَ.
-
النَّوْعُ الثَّالِثُ: مَا أُشِيرَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ "أَوْ١ أَنْ يَسْكُتَ" الْمُسْتَدِلُّ "فِي دَلِيلِهِ عَنْ صُغْرَى قِيَاسِهِ. وَلَيْسَتْ" صُغْرَى قِيَاسِهِ "مَشْهُورَةً، كَ" قَوْلِ الْحَنْبَلِيِّ أَوْ الشَّافِعِيِّ فِي وُجُوبِ نِيَّةِ الْوُضُوءِ "كُلُّ قُرْبَةٍ شَرْطُهَا النِّيَّةُ، وَيَسْكُتُ" عَنْ أَنْ يَقُولَ "وَالْوُضُوءُ قُرْبَةٌ" .
-
"فَيُقَالُ" أَيْ فَيَقُولُ الْمُعْتَرِضُ: هَذَا مُسَلَّمٌ "أَقُولُ بِمُوجَبِهِ٢، وَلا يُنْتِجُ" ذَلِكَ مَا أَرَادَهُ الْمُسْتَدِلُّ مِنْ كَوْنِ الْوُضُوءِ٣ قُرْبَةً.
-
"وَلَوْ٤ ذَكَرَهَا" أَيْ ذَكَرَ الْمُسْتَدِلُّ صُغْرَى قِيَاسِهِ٥ "لَمْ يُرِدْ" الْمُعْتَرِضُ "إلاَّ مَنْعَهَا" بِأَنْ يَقُولَ: لا أُسَلِّمُ أَنَّ الْوُضُوءَ٦ قُرْبَةٌ٧.
-
وَيُشْتَرَطُ فِي صُغْرَى الْقِيَاسِ الْمَسْكُوتِ عَنْهَا: أَنْ تَكُونَ غَيْرَ
vol. 5, p. 345مَشْهُورَةٍ١، أَمَّا لَوْ كَانَتْ مَشْهُورَةً٢: فَإِنَّهَا تَكُونُ كَالْمَذْكُورَةِ، فَيُمْنَعُ٣ وَلا يَأْتِي٤ بِالْقَوْلِ بِالْمُوجَبِ٥.
-
"وَجَوَابُ" النَّوْعِ "الأَوَّلِ: بِأَنَّهُ مَحَلُّ النِّزَاعِ أَوْ لازِمُهُ" أَيْ لازِمُ مَحَلِّ النِّزَاعِ. كَمَا لَوْ قَالَ حَنْبَلِيٌّ أَوْ شَافِعِيٌّ: لا يَجُوزُ قَتْلُ الْمُسْلِمِ بِالذِّمِّيِّ٦ قِيَاسًا عَلَى الْحَرْبِيِّ.
-
فَيُقَالُ: بِالْمُوجَبِ؛ لأَنَّهُ يَجِبُ قَتْلُهُ بِهِ، وَقَوْلُكُمْ " لا يَجُوزُ " نَفْيٌ لِلإِبَاحَةِ الَّتِي مَعْنَاهَا اسْتِوَاءُ الطَّرَفَيْنِ، وَنَفْيُهَا لَيْسَ نَفْيًا لِلْوُجُوبِ وَلا مُسْتَلْزِمًا لَهُ.
-
فَيَقُولُ الْحَنْبَلِيُّ٧: الْمَعْنِيُّ بِ٨ " لا يَجُوزُ " تَحْرِيمُهُ، وَيَلْزَمُ مِنْ ثُبُوتِ التَّحْرِيمِ نَفْيُ الْوُجُوبِ لاسْتِحَالَةِ الْجَمْعِ بَيْنَ الْوُجُوبِ وَالتَّحْرِيمِ.
-
"وَجَوَابُ" النَّوْعِ "الثَّانِي: بِأَنْ يُبَيِّنَ" فِي الْمُسْتَنْتَجِ"أَنَّهُ
vol. 5, p. 346الْمَأْخَذُ لِشُهْرَتِهِ " بِالنَّقْلِ عَنْ أَئِمَّةِ الْمَذْهَبِ.
-
"وَجَوَابُ " النَّوْعِ " الثَّالِثِ: بِجَوَازِ الْحَذْفِ " لإِحْدَى الْمُقَدِّمَتَيْنِ مَعَ الْعِلْمِ بِالْمَحْذُوفِ، وَالْمَحْذُوفُ مُرَادٌ وَمَعْلُومٌ فَلا يَضُرُّ حَذْفُهُ، وَالدَّلِيلُ هُوَ الْمَجْمُوعُ لا الْمَذْكُورُ وَحْدَهُ. وَكُتُبُ الْفِقْهِ مَشْحُونَةٌ بِذَلِكَ.
-
"وَيُجَابُ فِي الْكُلِّ " أَيْ فِي الأَنْوَاعِ الثَّلاثَةِ " بِقَرِينَةٍ أَوْ عَهْدٍ وَنَحْوِهِ".
- vol. 5, p. 347
"فَائِدَةٌ"
-
كَوْنُ الْقَوْلِ بِالْمُوجَبِ قَادِحًا فِي الْعِلَّةِ ذَكَرَهُ جَمَاعَةٌ. مِنْهُمْ الآمِدِيُّ١ وَالْهِنْدِيُّ، وَوَجَّهُوهُ بِأَنَّهُ إذَا كَانَ فِيهِ تَسْلِيمُ مُوجَبِ مَا ذَكَرَهُ الْمُسْتَدِلُّ مِنْ الدَّلِيلِ، وَأَنَّهُ لا يَرْفَعُ الْخِلافَ عَلِمْنَا أَنَّ مَا ذَكَرَهُ لَيْسَ بِدَلِيلِ الْحُكْمِ.
-
وَنَازَعَ التَّاجُ السُّبْكِيُّ فِي ذَلِكَ، وَقَالَ: إنَّ هَذَا٢ يُخْرِجُ لَفْظَ٣ الْقَوْلِ بِالْمُوجَبِ عَنْ٤ إجْرَائِهِ عَلَى قَضِيَّتِهِ، بَلْ الْحَقُّ أَنَّ الْقَوْلَ بِالْمُوجَبِ٥ تَسْلِيمٌ لَهُ، وَهَذَا مَا اقْتَضَاهُ كَلامُ الْجَدَلِيِّينَ، وَإِلَيْهِمْ الْمَرْجِعُ فِي ذَلِكَ، وَحِينَئِذٍ لا يَتَّجِهُ عَدُّهُ مِنْ مُبْطِلاتِ الْعِلَّةِ٦. اهـ.
- vol. 5, p. 348
وَنُقِلَ عَنْ الْجَدَلِيِّينَ أَنَّ١ فِي الْقَوْلِ بِالْمُوجَبِ انْقِطَاعًا لأَحَدِ الْمُتَنَاظِرَيْنِ؛ لأَنَّ الْمُسْتَدِلَّ إنْ أَثْبَتَ مَا ادَّعَاهُ انْقَطَعَ الْمُعْتَرِضُ، وَمَا قَالُوهُ صَحِيحٌ فِي الْقِسْمَيْنِ الأَوَّلَيْنِ٢، وَهُوَ بَعِيدٌ فِي الْقِسْمِ٣ الثَّالِثِ؛ لاخْتِلافِ الْمُرَادَيْنِ؛ لأَنَّ مُرَادَ الْمُسْتَدِلِّ أَنَّ الصُّغْرَى - وَإِنْ كَانَتْ مَحْذُوفَةً لَفْظًا - فَإِنَّهَا مَذْكُورَةٌ تَقْدِيرًا وَالْمَجْمُوعُ يُفِيدُ الْمَطْلُوبَ٤.
-
وَمُرَادُ الْمُعْتَرِضِ: أَنَّ الْمَذْكُورَ لَمَّا كَانَتْ الْكُبْرَى وَحْدَهَا، وَهِيَ لا تُفِيدُ الْمَطْلُوبَ تَوَجَّهَ الاعْتِرَاضُ.
-
"وَ" مِثَالُ الْقَوْلِ بِالْمُوجَبِ "فِي الإِثْبَاتِ كَ " الْخَيْلُ حَيَوَانٌ يُسَابَقُ عَلَيْهِ فَفِيهِ الزَّكَاةُ كَإِبِلٍ ". فَيُقَالُ بِمُوجَبِهِ فِي زَكَاةِ التِّجَارَةِ" أَيْ بِمُوجَبِ وُجُوبِ الزَّكَاةِ فِي الْخَيْلِ إذَا كَانَتْ لِلتِّجَارَةِ. وَالنِّزَاعُ فِي زَكَاةِ الْعَيْنِ وَدَلِيلُكُمْ إنَّمَا أَوْجَبَ الزَّكَاةَ فِي الْجُمْلَةِ٥، فَإِنْ ادَّعَى أَنَّهُ أَرَادَ زَكَاةَ الْعَيْنِ فَلَيْسَ هَذَا قَوْلاً٦ بِالْمُوجَبِ.
- vol. 5, p. 349
"فَيُجَابُ فَاللاَّمُ الْعَهْدِ١" ؛ لأَنَّ الْعَهْدَ مُقَدَّمٌ عَلَى الْجِنْسِ وَالْعُمُومِ "وَالسُّؤَالُ عَنْ زَكَاةِ السَّوْمِ" فَالْعِلَّةُ لَيْسَتْ مُنَاسِبَةً لِزَكَاةِ التِّجَارَةِ إنَّمَا الْمُنَاسِبُ الْمُقْتَضِي هُوَ النَّمَاءُ الْحَاصِلُ٢.
-
"وَيَصِحُّ" هَذَا الْمِثَالُ "فِي قَوْلٍ" جَزَمَ بِهِ فِي الرَّوْضَةِ٣ وَغَيْرِهَا. "وَلا يَصِحُّ فِي آخَرَ" ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَاضِحِ لِوُجُودِ٤ اسْتِقْلالِ الْعِلَّةِ بِلَفْظِهَا.
-
"خَاتِمَةٌ" : فِي تَعَدُّدِ الاعْتِرَاضَاتِ وَتَرْتِيبِهَا وَمَا فِي مَعْنَى ذَلِكَ
"تَرِدُ الأَسْئِلَةُ٥ عَلَى قِيَاسِ الدَّلالَةِ إلاَّ مَا تَعَلَّقَ بِمُنَاسَبَةِ الْجَامِعِ" ؛ لأَنَّهُ لَيْسَ بِعِلَّةٍ فِيهِ "وَكَذَا قِيَاسٌ فِي مَعْنَى الأَصْلِ" .
-
"وَلا يَرِدُ عَلَيْهِ" أَيْضًا٦ "مَا تَعَلَّقَ بِنَفْسِ الْجَامِعِ" لِعَدَمِ ذِكْرِهِ فِيهِ. قَالَ ذَلِكَ ابْنُ مُفْلِحٍ وَتَبِعَهُ فِي التَّحْرِير.
- vol. 5, p. 350
"وَمُنِعَ" بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ عِنْدَ الأَكْثَرِ "تَعَدُّدُ اعْتِرَاضَاتٍ" عَلَى الْمُسْتَدِلِّ "مُرَتَّبَةٍ" ؛ لأَنَّ فِي تَعَدُّدِهَا١ تَسْلِيمًا لِلْمُقَدَّمِ؛ لأَنَّ الْمُعْتَرِضَ إذَا طَالَبَهُ بِتَأْثِيرِ الْوَصْفِ بَعْدَ أَنْ مَنَعَ وُجُودَ الْوَصْفِ فَقَدْ نَزَلَ عَنْ الْمَنْعِ وَسَلَّمَ وُجُودَ الْوَصْفِ الَّذِي هُوَ الْمُقَدَّمُ؛ لأَنَّهُ لَوْ أَصَرَّ عَلَى مَنْعِ وُجُودِ٢ الْوَصْفِ لَمَّا طَالَبَهُ بِتَأْثِيرِ الْوَصْفِ؛ لأَنَّ تَأْثِيرَ مَا لا وُجُودَ لَهُ مُحَالٌ، فَلا يَسْتَحِقُّ الْمُعْتَرِضُ غَيْرَ جَوَابِ٣ الأَخِيرِ، فَيَتَعَيَّنُ الأَخِيرُ لِلْوُرُودِ٤ فَقَطْ.
-
وَلِهَذَا قَالَ الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى وَغَيْرُهُ مِنْ أَصْحَابِنَا، وَالْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ٥: لَوْ أَوْرَدَ النَّقْضَ٦ ثُمَّ مَنَعَ وُجُودَ الْعِلَّةِ: لَمْ يُقْبَلْ، لِتَسْلِيمِهِ لِلْمُتَقَدِّمِ.
-
وَعِنْدَ الأُسْتَاذِ أَبِي إِسْحَاقَ الإسْفَرايِينِيّ وَالْفَخْرِ إسْمَاعِيلَ وَالآمِدِيِّ٧ وَابْنِ الْحَاجِبِ٨ وَمَنْ وَافَقَهُمْ٩: لا يُمْنَعُ التَّعَدُّدُ فِي
vol. 5, p. 351الْمُرَتَّبَةِ؛ لأَنَّ تَسْلِيمَ الْمُتَقَدِّمِ تَسْلِيمٌ تَقْدِيرِيٌّ، إذْ مَعْنَاهُ: لَوْ سُلِّمَ وُجُودُ الْوَصْفِ فَلا نُسَلِّمُ تَأْثِيرَهُ. وَالتَّسْلِيمُ التَّقْدِيرِيُّ: لا يُنَافِي الْمَنْعَ، بِخِلافِ التَّسْلِيمِ تَحْقِيقًا.
قَالَ الْهِنْدِيُّ عَنْ هَذَا الْقَوْلِ: وَهُوَ الْحَقُّ، وَعَلَيْهِ الْعَمَلُ فِي الْمُصَنَّفَاتِ١.
-
وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَتَتَرَتَّبُ الأَسْئِلَةُ، فَيُقَدَّمُ الاسْتِفْسَارُ ثُمَّ فَسَادُ الاعْتِبَارِ، ثُمَّ الْوَضْعُ، ثُمَّ مَا تَعَلَّقَ بِالأَصْلِ، ثُمَّ الْعِلَّةُ، ثُمَّ الْفَرْعُ. وَيُقَدَّمُ النَّقْضُ عَلَى الْمُعَارَضَةِ٢.
-
وَأَوْجَبَ ابْنُ الْمَنِيّ تَرْتِيبَ الأَسْئِلَةِ، فَاخْتَارَ فَسَادَ الْوَضْعِ، ثُمَّ الاعْتِبَارَ، ثُمَّ الاسْتِفْسَارَ، ثُمَّ الْمَنْعَ، ثُمَّ الْمُطَالَبَةَ، وَهُوَ مَنْعُ الْعِلَّةِ فِي الأَصْلِ، ثُمَّ الْفَرْقَ، ثُمَّ النَّقْضَ، ثُمَّ الْقَوْلَ بِالْمُوجَبِ، ثُمَّ الْقَلْبَ، ثُمَّ رَدَّ التَّقْسِيمَ إلَى الاسْتِفْسَارِ، أَوْ الْفَرْقِ٣.
-
وَإِنَّمَا قَدَّمَ الاسْتِفْسَارَ، لأَنَّ مَنْ لا يَعْرِفُ مَدْلُولَ اللَّفْظِ لا يَعْرِفُ مَا يَرِدُ عَلَيْهِ. ثُمَّ فَسَادُ الاعْتِبَارِ؛ لأَنَّهُ نَظَرٌ فِي فَسَادِ الْقِيَاسِ مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةُ، وَهُوَ قَبْلَ النَّظَرِ فِي تَفْصِيلِهِ. ثُمَّ فَسَادُ
vol. 5, p. 352الْوَضْعِ١؛ لأَنَّهُ أَخَصُّ مِنْ فَسَادِ الاعْتِبَارِ، وَالنَّظَرُ فِي الأَعَمِّ مُقَدَّمٌ عَلَى النَّظَرِ فِي الأَخَصِّ. ثُمَّ مَا يَتَعَلَّقُ بِالأَصْلِ عَلَى مَا يَتَعَلَّقُ بِالْعِلَّةِ؛ لأَنَّ الْعِلَّةَ مُسْتَنْبَطَةٌ مِنْ حُكْمِ الأَصْلِ، ثُمَّ مَا يَتَعَلَّقُ بِالْعِلَّةِ عَلَى مَا يَتَعَلَّقُ بِالْفَرْعِ؛ لأَنَّ الْفَرْعَ يَتَوَقَّفُ عَلَى الْعِلَّةِ، وَيُقَدَّمُ٢ النَّقْضُ عَلَى الْمُعَارَضَةِ؛ لأَنَّ النَّقْضَ يُورَدُ لإِبْطَالِ الْعِلَّةِ، وَالْمُعَارَضَةُ تُورَدُ لاسْتِقْلالِهَا، وَالْعِلَّةُ مُقَدَّمَةٌ عَلَى اسْتِقْلالِهَا٣.
-
"وَ" لا يُمْنَعُ تَعَدُّدُ اعْتِرَاضَاتٍ "غَيْرِ مُرَتَّبَةٍ، وَلَوْ" كَانَتْ "مِنْ أَجْنَاسٍ" ٤.
قَالَ الطُّوفِيُّ: وَتَرْتِيبُ الأَسْئِلَةِ -وَهُوَ جَعْلُ كُلِّ سُؤَالٍ فِي رُتْبَتِهِ عَلَى وَجْهٍ لا يُفْضِي بِالتَّعَرُّضِ إلَى الْمَنْعِ بَعْدَ التَّسْلِيمِ- أَوْلَى اتِّفَاقًا؛ لأَنَّ الْمَنْعَ بَعْدَ التَّسْلِيمِ قَبِيحٌ، فَأَقَلُّ أَحْوَالِهِ: أَنْ يَكُونَ التَّحَرُّزُ٥ مِنْهُ٦ أَوْلَى. فَمِنْهُمْ مَنْ أَوْجَبَهُ نَفْيًا لِلْقُبْحِ الْمَذْكُورِ، وَنَفْيُ الْقُبْحِ وَاجِبٌ، وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ يُوجِبْهُ، نَظَرًا إلَى أَنَّ كُلَّ سُؤَالٍ مُسْتَقِلٌّ بِنَفْسِهِ، وَجَوَابُهُ مُرْتَبِطٌ بِهِ. فَلا فَرْقَ إذَا٧ بَيَّنَ تَقَدُّمَهُ
vol. 5, p. 353وَتَأَخُّرَهُ. اهـ.
-
"وَ" حَيْثُ جَازَ التَّعَدُّدُ فَإِنَّهُ "يَكْفِي جَوَابُ آخِرِهَا" .
قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ وَابْنُ الْمُنَى وَجُمْهُورُ الْجَدَلِيِّينَ: إنَّهُ لا يُطَالِبُهُ بِطَرْدِ دَلِيلٍ١ إلاَّ بَعْدَ تَسْلِيمِ مَا ادَّعَاهُ مِنْ دَلالَتِهِ فَلا يَنْقُضُهُ مَنْ سَلَّمَهُ٢ فَلا يُقْبَلُ الْمَنْعُ بَعْدَ التَّسْلِيمِ. اهـ.