فصل فيما يشتمل على أحكام الجدل وآدابه وحده وصفته

45 paragraphs · vol. 5, p. 359

Page 1 of 2

  1. ثُمَّ "الْجَدَلُ" فِي اللُّغَةِ: اللَّدَدُ فِي الْخُصُومَةِ وَالْقُدْرَةُ عَلَيْهَا - جَادَلَهُ، فَهُوَ جَدِلٌ - كَكَتِفٍ - وَمِجْدَلٌ - كَمِنْبَرٍ - وَمِجْدَالٌ - كَمِحْرَابٍ وَجَدَلْتُ الْحَبْلَ - أَجْدِلُهُ جَدْلاً: كَفَتَلْتُهُ١ أَفْتِلُهُ٢ فَتْلاً، أَيْ فَتَلْتُهُ فَتْلاً٣ مُحْكَمًا، وَالْجَدَالَةُ الأَرْضُ. يُقَالُ: طَعَنَهُ فَجَدَّلَهُ: أَيْ رَمَاهُ فِي الأَرْضِ٤.

    vol. 5, p. 359
  2. "وَهُوَ" أَيْ الْجَدَلُ فِي اصْطِلاحِ الْفُقَهَاءِ "فَتْلُ الْخَصْمِ" أَيْ رَدُّهُ بِالْكَلامِ "عَنْ قَصْدِهِ" أَيْ مَا يَقْصِدُهُ مِنْ نَفْيٍ أَوْ إثْبَاتٍ مِنْ

    vol. 5, p. 360غَيْرِهِ "١.

  3. "مَأْمُورٌ بِهِ " خَبَرٌ لِلْمُبْتَدَإِ الَّذِي هُوَ الْجَدَلُ " عَلَى وَجْهِ الإِنْصَافِ، وَإِظْهَارِ الْحَقِّ"٢.

    قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ الْجَوْزِيُّ فِي الإِيضَاحِ: اعْلَمْ - وَفَّقَنَا اللَّهُ وَإِيَّاكَ - أَنَّ مَعْرِفَةَ هَذَا الْعِلْمِ لا يَسْتَغْنِي عَنْهَا نَاظِرٌ٣، وَلا يَتَمَشَّى بِدُونِهَا كَلامُ مُنَاظِرٍ؛ لأَنَّ بِهِ تَتَبَيَّنُ صِحَّةُ الدَّلِيلِ مِنْ فَسَادِهِ، تَحْرِيرًا وَتَقْرِيرًا. وَتَتَّضِحُ٤ الأَسْئِلَةُ الْوَارِدَةُ مِنْ الْمَرْدُودَةِ إجْمَالاً وَتَفْصِيلاً، وَلَوْلاهُ لاشْتَبَهَ التَّحْقِيقُ فِي٥ الْمُنَاظَرَةِ٦ بِالْمُكَابَرَةِ، وَلَوْ خُلِّيَ كُلُّ

    vol. 5, p. 361مُدَّعٍ وَمُدَّعَى مَا يَرُومُهُ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي يَخْتَارُ، وَلَوْ مُكِّنَ كُلُّ مَانِعٍ مِنْ مُمَانَعَةِ مَا يَسْمَعُهُ مَتَى شَاءَ: لأَدَّى إلَى الْخَبْطِ وَعَدَمِ الضَّبْطِ. وَإِنَّمَا الْمَرَاسِمُ الْجَدَلِيَّةُ تَفْصِلُ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ وَتُبَيِّنُ١ الْمُسْتَقِيمَ مِنْ السَّقِيمِ فَمَنْ لَمْ يُحِطْ بِهَا عِلْمًا كَانَ فِي مُنَاظَرَاتِهِ كَحَاطِبِ لَيْلٍ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ الاشْتِقَاقُ. فَإِنَّ الْجَدَلَ مِنْ قَوْلِك: جَدَلْتُ الْحَبْلَ أَجْدِلُهُ جَدْلاً إذَا فَتَلْته فَتْلاً مُحْكَمًا.

    وَقَالَ أَيْضًا: أَوَّلُ مَا تَجِبُ الْبُدَاءَةُ بِهِ٢: حُسْنُ الْقَصْدِ فِي إظْهَارِ الْحَقِّ طَلَبًا لِمَا عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى فَإِنْ آنَسَ مِنْ نَفْسِهِ الْحَيْدَ عَنْ الْغَرَضِ الصَّحِيحِ فَلْيَكُفَّهَا بِجَهْدِهِ، فَإِنْ مَلَكَهَا، وَإِلاَّ فَلْيَتْرُكْ الْمُنَاظَرَةَ فِي ذَلِكَ الْمَجْلِسِ، وَلْيَتَّقِ السِّبَابَ وَالْمُنَافَرَةَ فَإِنَّهُمَا يَضَعَانِ الْقَدْرَ، وَيُكْسِبَانِ الْوِزْرَ، وَإِنْ زَلَّ خَصْمُهُ فَلْيُوقِفْهُ عَلَى زَلَلِهِ، غَيْرَ مُخْجِلٍ لَهُ بِالتَّشْنِيعِ عَلَيْهِ. فَإِنْ أَصَرَّ أَمْسَكَ، إلاَّ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الزَّلَلُ مِمَّا يُحَاذِرُ اسْتِقْرَارَهُ عِنْدَ السَّامِعِينَ، فَيُنَبِّهُهُمْ٣ عَلَى الصَّوَابِ فِيهِ بِأَلْطَفِ الْوُجُوهِ جَمْعًا بَيْنَ الْمَصْلَحَتَيْنِ. انتهى.

  4. وَيَدُلُّ عَلَى الأَمْرِ بِهِ الْقُرْآنُ قَالَ١ اللَّهُ تَعَالَى: {وَجَادِلْهُمْ بِاَلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} ٢ وَقَالَ تَعَالَى٣ {وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إلاَّ بِاَلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} ٤ وَقَالَ تَعَالَى: {قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} ٥ "وَفَعَلَهُ الصَّحَابَةُ" رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ، كَابْنِ عَبَّاسٍ لَمَّا جَادَلَ الْخَوَارِجَ وَالْحَرُورِيَّةَ، وَرَجَعَ مِنْهُمْ خَلْقٌ كَثِيرٌ٦ "وَ" فَعَلَهُ "السَّلَفُ" أَيْضًا كَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ٧ رَضِيَ اللَّهُ

    vol. 5, p. 363تَعَالَى عَنْهُ فَإِنَّهُ جَادَلَ الْخَوَارِجَ أَيْضًا. ذَكَرَهُ ابْنُ كَثِيرٍ١ فِي تَارِيخِهِ٢.

    vol. 5, p. 362
  5. "فَأَمَّا" إذَا كَانَ١ الْجَدَلُ "عَلَى وَجْهِ الْغَلَبَةِ وَالْخُصُومَةِ وَالْغَضَبِ وَ" وَجْهِ "الْمِرَاءِ٢ وَهُوَ" أَيْ الْمِرَاءُ "اسْتِخْرَاجُ غَضَبِ الْمُجَادَلِ: فَمُزِيلٌ عَنْ طَرِيقِ٣ الْحَقِّ، وَإِلَيْهِ انْصَرَفَ النَّهْيُ عَنْ قِيلَ وَقَالَ٤ وَفِيهِ" أَيْ فِي الْمِرَاءِ "غَلْقُ بَابِ الْفَائِدَةِ، وَفِي الْمُجَالَسَةِ٥ لِلْمُنَاصَحَةِ فَتْحُهُ" أَيْ فَتْحُ بَابِ الْفَائِدَةِ.

    vol. 5, p. 364
  6. قَالَ الْبَرْبَهَارِيُّ وَهُوَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ مِنْ أَئِمَّةِ أَصْحَابِنَا الْمُتَقَدِّمِينَ٦ - فِي كِتَابِ شَرْحِ السُّنَّةِ لَهُ: وَاعْلَمْ أَنَّهُ لَيْسَ فِي

    vol. 5, p. 365السُّنَّةِ قِيَاسٌ وَلا يُضْرَبُ١ لَهَا٢ الأَمْثَالُ، وَلا يُتَّبَعُ٣ فِيهَا الأَهْوَاءُ٤، بَلْ هُوَ التَّصْدِيقُ بِآثَارِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِلا كَيْفَ وَلا شَرْحٍ، وَلا يُقَالُ: لِمَ؟ وَلا٥ كَيْفَ؟ فَالْكَلامُ٦ وَالْخُصُومَةُ وَالْجِدَالُ وَالْمِرَاءُ مُحْدَثٌ، يَقْدَحُ الشَّكَّ فِي الْقَلْبِ، وَإِنْ أَصَابَ صَاحِبُهُ السُّنَّةَ وَالْحَقَّ - إلَى أَنْ قَالَ - وَإِذَا سَأَلَك رَجُلٌ عَنْ مَسْأَلَةٍ فِي هَذَا الْبَابِ، وَهُوَ٧ مُسْتَرْشِدٌ، فَكَلِّمْهُ وَأَرْشِدْهُ، وَإِنْ جَاءَك يُنَاظِرُك فَاحْذَرْهُ فَإِنَّ فِي٨ الْمُنَاظَرَةِ الْمِرَاءَ وَالْجِدَالَ وَالْمُغَالَبَةَ٩ وَالْخُصُومَةَ وَالْغَضَبَ، وَقَدْ نُهِيتَ عَنْ جَمِيعِ هَذَا١٠، وَهُوَ يُزِيلُ عَنْ طَرِيقِ الْحَقِّ، وَلَمْ يَبْلُغْنَا عَنْ أَحَدٍ مِنْ فُقَهَائِنَا وَعُلَمَائِنَا أَنَّهُ جَادَلَ أَوْ نَاظَرَ أَوْ خَاصَمَ.

    وَقَالَ أَيْضًا: الْمُجَالَسَةُ١١ لِلْمُنَاصَحَةِ فَتْحُ بَابِ الْفَائِدَةِ،

    vol. 5, p. 366وَالْمُجَالَسَةُ١ لِلْمُنَاظَرَةِ غَلْقُ بَابِ الْفَائِدَةِ. انْتَهَى٢.

  7. "وَمَا يَقَعُ بَيْنَ أَرْبَابِ الْمَذَاهِبِ: أَوْفَقُ مَا يُحْمَلُ الأَمْرُ فِيهِ: بِأَنْ يَخْرُجَ مَخْرَجَ الإِعَادَةِ وَالدَّرْسِ"

  8. "وَأَمَّا اجْتِمَاعُ مُتَجَادِلَيْنِ كُلٌّ مِنْهُمْ لا يَطْمَعُ أَنْ يَرْجِعَ إنْ ظَهَرَتْ حُجَّةٌ وَلا فِيهِ مُؤَانَسَةٌ، وَ" لا فِيهِ "مَوَدَّةُ وَتَوْطِئَةُ الْقُلُوبِ لِوَعْيِ حَقٍّ٣: فَمُحْدَثٌ٤ مَذْمُومٌ٥" .

    قَالَ ابْنُ هُبَيْرَةَ: الْجَدَلُ الَّذِي يَقَعُ بَيْنَ أَرْبَابِ٦ الْمَذَاهِبِ أَوْفَقُ مَا يُحْمَلُ الأَمْرُ فِيهِ: بِأَنْ يَخْرُجَ مَخْرَجَ الإِعَادَةِ وَالدَّرْسِ، فَأَمَّا اجْتِمَاعُ جَمْعٍ مُتَجَاذِبِينَ٧ فِي مَسْأَلَةٍ، مَعَ أَنَّ كُلاًّ مِنْهُمْ لا يَطْمَعُ أَنْ يَرْجِعَ إنْ ظَهَرَتْ حُجَّةٌ، وَلا فِيهِ مُؤَانَسَةٌ وَمَوَدَّةٌ، وَتَوْطِئَةُ الْقُلُوبِ لِوَعْيِ حَقٍّ، بَلْ هُوَ٨ عَلَى الضِّدِّ، فَتَكَلَّمَ فِيهِ الْعُلَمَاءُ - كَابْنِ بَطَّةَ - وَهُوَ مُحْدَثٌ.

  9. قَالَ١ ابْنُ مُفْلِحٍ: وَمَا قَالَهُ صَحِيحٌ، وَذَكَرَهُ بَعْضُهُمْ عَنْ الْعُلَمَاءِ، وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ مَا رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ٢ عَنْ أَبِي غَالِبٍ٣ -وَهُوَ مُخْتَلَفٌ فِيهِ- عَنْ أَبِي أُمَامَةَ مَرْفُوعًا "مَا ضَلَّ قَوْمٌ بَعْدَ هُدًى كَانُوا عَلَيْهِ إلاَّ أُوتُوا الْجَدَلَ" ثُمَّ تَلا: {مَا ضَرَبُوهُ لَك إلاَّ جَدَلاً} ٤.

    vol. 5, p. 367
  10. وَلأَحْمَدَ عَنْ مَكْحُولٍ٥ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -وَلَمْ يَسْمَعْ مِنْهُ مَرْفُوعًا- "لا يُؤْمِنُ الْعَبْدُ الإِيمَانَ كُلَّهُ حَتَّى يَتْرُكَ الْمِرَاءَ، وَإِنْ كَانَ

    vol. 5, p. 368مُحِقًّا " ١.

  11. وَلِلتِّرْمِذِيِّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا "لا تُمَارِ أَخَاك " ٢.

  12. وَلأَبِي دَاوُد بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ مَرْفُوعًا "أَنَا زَعِيمٌ بِبَيْتٍ فِي رَبَضِ الْجَنَّةِ لِمَنْ تَرَكَ الْمِرَاءَ وَإِنْ كَانَ مُحِقًّا" ٣.

  13. وَلابْنِ مَاجَهْ وَالتِّرْمِذِيِّ - وَحَسَّنَهُ - عَنْ سَلَمَةَ بْنِ وَرْدَانَ٤

    vol. 5, p. 369-وَهُوَ ضَعِيفٌ- عَنْ أَنَسٍ مَرْفُوعًا "مَنْ تَرَكَ الْمِرَاءَ وَهُوَ مُحِقٌّ بُنِيَ لَهُ بَيْتٌ١ فِي وَسَطِ الْجَنَّةِ" ٢.

  14. "وَلَوْلا مَا يَلْزَمُ مِنْ إنْكَارِ الْبَاطِلِ وَاسْتِنْقَاذِ الْهَالِكِ بِالاجْتِهَادِ٣ فِي رَدِّهِ عَنْ ضَلالَتِهِ لَمَا حَسُنَ" أَيْ الْجِدَالُ٤ "لِلإِيحَاشِ غَالِبًا، لَكِنْ فِيهِ أَعْظَمُ الْمَنْفَعَةِ مَعَ قَصْدِ نُصْرَةِ الْحَقِّ، أَوْ" قَصْدِ "التَّقَوِّي عَلَى الاجْتِهَادِ لا الْمُغَالَبَةِ، وَبَيَانِ الْفَرَاهَةِ٥" نَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْهُمَا٦.

  15. "فَإِنَّ طَلَبَ الرِّيَاسَةِ١ وَ" طَلَبَ "التَّقَدُّمِ بِالْعِلْمِ يُهْلِكُ.

    vol. 5, p. 370
  16. وَالْمُعَوَّلُ فِيهِ: عَلَى إظْهَارِ الْحُجَّةِ، وَإِبْطَالِ الشُّبْهَةِ، فَيُرْشِدُ الْمُسْتَرْشِدَ، وَيُحَذِّرُ الْمَنَاظِرَ"٢.

    قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ فِي الْوَاضِحِ: وَكُلُّ جَدَلٍ لَمْ يَكُنْ الْغَرَضُ فِيهِ نُصْرَةَ الْحَقِّ فَإِنَّهُ وَبَالٌ عَلَى صَاحِبِهِ، وَالْمَضَرَّةُ فِيهِ أَكْثَرُ مِنْ الْمَنْفَعَةِ؛ لأَنَّ الْمُخَالَفَةَ تُوحِشُ، وَلَوْلا مَا يَلْزَمُ مِنْ إنْكَارِ الْبَاطِلِ، وَاسْتِنْقَاذِ الْهَالِكِ بِالاجْتِهَادِ فِي رَدِّهِ عَنْ ضَلالَتِهِ، لَمَا حَسُنَتْ الْمُجَادَلَةُ لِلإِيحَاشِ فِيهَا غَالِبًا، وَلَكِنْ فِيهَا أَعْظَمُ الْمَنْفَعَةِ إذَا قَصَدَ بِهَا نُصْرَةَ الْحَقِّ، وَالتَّقَوِّي عَلَى الاجْتِهَادِ وَنَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ قَصْدِ الْمُغَالَبَةِ، وَبَيَانِ الْفَرَاهَةِ وَيَنْبَغِي أَنْ يَجْتَنِبَهُمَا٣.

    وَقَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: طَلَبُ الرِّيَاسَةِ وَالتَّقَدُّمِ بِالْعِلْمِ يُهْلِكُ، ثُمَّ ذَكَرَ اشْتِغَالَ أَكْثَرِهِمْ فِي الْجَدَلِ، وَرَفْعَ أَصْوَاتِهِمْ فِي الْمَسَاجِدِ، وَإِنَّمَا٤ الْمَقْصُودُ الْغَلَبَةُ وَالرِّفْعَةُ، وَإِفْتَاءُ مَنْ لَيْسَ أَهْلاً وَقَالَ أَيْضًا فِي قَوْله تَعَالَى: {فَلا يُنَازِعُنَّك فِي الأَمْرِ٥} :

    vol. 5, p. 371أَيْ فِي الذَّبَائِحِ. وَالْمَعْنَى: فَلا تُنَازِعُهُمْ١، وَلِهَذَا قَالَ: {وَإِنْ جَادَلُوك فَقُلْ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ} ٢ قَالَ٣: وَهَذَا أَدَبٌ حَسَنٌ، عَلَّمَهُ اللَّهُ -تَعَالَى- عِبَادَهُ لِيَرُدُّوا بِهِ٤ مَنْ جَادَلَهُمْ بِهِ٥ تَعَنُّتًا وَلا يُجِيبُوهُ٦.

  17. "فَلَوْ" "بَانَ لَهُ سُوءُ قَصْدِ خَصْمِهِ" "تَوَجَّهَ تَحْرِيمُ مُجَادَلَتِهِ" .

    قَالَ ابْنُ مُفْلِحٍ: تَوَجَّهَ فِي تَحْرِيمِ مُجَادَلَتِهِ خِلافٌ، كَدُخُولِ مَنْ لا جُمُعَةَ عَلَيْهِ فِي الْبَيْعِ مَعَ مَنْ تَلْزَمُهُ لَنَا فِيهِ وَجْهَانِ.

    قَالَ فِي شَرْحِ التَّحْرِيرِ: قُلْت: وَ٧الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ التَّحْرِيمُ.

  18. "وَيَبْدَأُ كُلٌّ مِنْهُمَا" أَيْ مِنْ الْمُتَجَادِلَيْنِ قَبْلَ الشُّرُوعِ فِي الْجِدَالِ "بِحَمْدِ اللَّهِ تَعَالَى وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِ" أَيْ عَلَى اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى٨.

    قَالَ فِي الْوَاضِحِ: وَمِنْ أَدَبِ الْجِدَالِ٩: أَنْ يَجْعَلَ السَّائِلُ

    vol. 5, p. 372وَالْمَسْئُولُ مَبْدَأَ كَلامِهِمَا١ حَمْدَ اللَّهِ تَعَالَى، وَالثَّنَاءَ عَلَيْهِ، فَإِنَّ "كُلَّ أَمْرٍ ذِي بَالٍ لَمْ يُبْدَأْ فِيهِ بِبَسْمِ اللَّهِ، فَهُوَ أَبْتَرُ" ٢، وَيَجْعَلا٣ قَصْدَهُمَا أَحَدَ أَمْرَيْنِ، وَيَجْتَهِدَا٤ فِي اجْتِنَابِ الثَّالِثِ فَأَعْلَى الثَّلاثَةِ مِنْ الْمَقَاصِدِ: نُصْرَةُ الْحَقِّ٥ بِبَيَانِ الْحُجَّةِ، وَدَحْضُ الْبَاطِلِ بِإِبْطَالِ الشُّبْهَةِ، لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا، وَالثَّانِي: الإِدْمَانُ لِلتَّقَوِّي عَلَى الاجْتِهَادِ مِنْ مَرَاتِبِ الدِّينِ الْمَحْمُودَةِ فَالأُولَى: كَالْجِهَادِ٦، وَالثَّانِيَةُ: كَالْمُنَاضَلَةِ الَّتِي يُقْصَدُ بِهَا التَّقَوِّي عَلَى الْجِهَادِ، وَنَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ الثَّالِثَةِ، وَهِيَ الْمُغَالَبَةُ وَبَيَانُ الْفَرَاهَةِ عَلَى الْخَصْمِ، وَالتَّرْجِيحُ٧ عَلَيْهِ فِي الطَّرِيقَةِ. انْتَهَى.

  19. "وَلِلسَّائِلِ" وَهُوَ الْقَائِلُ: مَا حُكْمُ اللَّهِ تَعَالَى فِي هَذِهِ الْوَاقِعَةِ؟ "إلْجَاءُ مَسْئُولٍ" وَهُوَ الْمُتَصَدِّي لِلاسْتِدْلالِ "إلَى الْجَوَابِ، فَيُجِيبُ، أَوْ يُبَيِّنُ عَجْزَهُ وَلا يُجِيبُ" مَنْ سَأَلَهُ "مُنْصِحًا" بِالسُّؤَالِ "تَعْرِيضًا" بِالْجَوَابِ٨.

  20. "وَعَلَيْهِ" أَيْ وَ١عَلَى الْمُجِيبِ "أَنْ يُجِيبَهُ فِيمَا فِيهِ خِلافٌ بَيْنَهُمَا لِتَظْهَرَ حُجَّتُهُ" .

    vol. 5, p. 373
  21. وَالْكَلامُ فِي هَذَا الشَّأْنِ إنَّمَا يُعَوَّلُ فِيهِ عَلَى الْحُجَّةِ لِتَظْهَرَ، وَالشُّبْهَةِ لِتَبْطُلَ، وَإِلاَّ فَهَذْرٌ، وَهُوَ الَّذِي رُفِعَتْ لِشُؤْمِهِ٢ لَيْلَةُ الْقَدْرِ٣، وَإِلَيْهِ انْصَرَفَ النَّهْيُ عَنْ قِيلَ وَقَالَ.

  22. وَمِنْ كَلامِ ابْنِ عَقِيلٍ فِي الْوَاضِحِ: يَنْبَغِي لِلسَّائِلِ أَنْ يَنْظُرَ إلَى الْمَعْنَى الْمَطْلُوبِ فِي السُّؤَالِ، فَإِنْ عَدَلَ الْمُجِيبُ لَمْ يَرْضَ مِنْهُ إلاَّ بِالرُّجُوعِ إلَى جَوَابِ مَا سَأَلَهُ عَنْهُ. مِثَالُهُ أَنْ يَقُولَ السَّائِلُ: هَلْ يَحْرُمُ النَّبِيذُ؟ فَيَقُولَ الْمُجِيبُ: قَدْ حَرَّمَهُ قَوْمٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ. هَذَا عِنْدَ أَهْلِ الْجَدَلِ لَيْسَ بِجَوَابٍ، وَلِلسَّائِلِ أَنْ يُضَايِقَهُ فِي ذَلِكَ، بِأَنْ يَقُولَ٤: لَمْ أَسْأَلْك عَنْ هَذَا، وَلا بَانَ مِنْ سُؤَالِي إيَّاكَ جَهْلِي

    vol. 5, p. 374بِأَنَّ قَوْمًا حَرَّمُوهُ، وَلا سَأَلْتُك عَنْ مَذْهَبِ النَّاسِ فِيهِ، بَلْ سَأَلْتُكَ: أَحَرَامٌ هُوَ؟ فَجَوَابِي أَنْ تَقُولَ: حَرَامٌ١، أَوْ لَيْسَ بِحَرَامٍ، أَوْ لا٢ أَعْلَمُ فَإِذَا ضَايَقَهُ أَلْجَأَهُ إلَى الْجَوَابِ، أَوْ بَانَ جَهْلُهُ بِتَحْقِيقِ الْجَوَابِ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُجِيبَ بِالتَّعْرِيضِ لِمَنْ سَأَلَهُ بِالإِفْصَاحِ، فَإِذَا سَأَلَهُ السَّائِلُ بِالإِفْصَاحِ لَمْ يَقْنَعْ٣ بِالْجَوَابِ٤ إلاَّ بِالإِفْصَاحِ٥. انْتَهَى.

    وَقَالَ أَيْضًا: وَلا يَصِحُّ الْجَدَلُ مَعَ الْمُوَافَقَةِ فِي الْمَذْهَبِ، إلاَّ أَنْ يَتَكَلَّمَا عَلَى طَرِيقِ الْمُبَاحَثَةِ، فَيَتَقَدَّرُونَ٦ الْخِلافَ لِتَصِحَّ الْمُطَالَبَةُ، وَيَتَمَكَّنَ مِنْ الزِّيَادَةِ وَلَيْسَ عَلَى الْمَسْئُولِ أَنْ يُجِيبَ السَّائِلَ عَنْ كُلِّ مَا سَأَلَهُ عَنْهُ إنَّمَا عَلَيْهِ أَنْ يُجِيبَهُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ فِيهِ خِلافٌ، لِتَظْهَرَ حُجَّتُهُ فِيهِ وَسَلامَتُهُ عَنْ الْمَطَاعِنِ عَلَيْهِ، وَإِلاَّ خَرَجَ٧ عَنْ حَدِّ السُّؤَالِ الْجَدَلِيِّ. انْتَهَى.

  23. "وَلِلسَّائِلِ أَنْ يَقُولَ" لِلْمُجِيبِ إذَا أَجَابَهُ عَنْ شَيْءٍ لَمْ تَظْهَرْ لَهُ حِكْمَتُهُ "لِمَ ذَاكَ؟ فَإِنْ قَالَ" الْمُجِيبُ "لأَنَّهُ لا فَرْقَ قَالَ" السَّائِلُ:

    vol. 5, p. 375"دَعْوَاك لِعَدَمِ الْفَرْقِ كَدَعْوَاك لِلْجَمْعِ١، وَنُخَالِفُك فِيهِمَا، فَإِنْ قَالَ" الْمُجِيبُ "لا أَجِدُ فَرْقًا، قَالَ" السَّائِلُ "لَيْسَ كُلُّ مَا لَمْ تَجِدْهُ يَكُونُ بَاطِلاً" وَكَذَا لَوْ قَالَ الْمُجِيبُ: لَوْ جَازَ كَذَا لَجَازَ كَذَا٢، فَهُوَ كَقَوْلِ السَّائِلِ: إذَا كَانَ كَذَا، فَلِمَ لا يَجُوزُ كَذَا؟ إلاَّ أَنَّهُ لا يَلْزَمُهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْعِلَّةِ الْمُوَافِقَةِ بَيْنَهُمَا؛ لأَنَّهُ مِنْ فَرْضِ الْمُجِيبِ، وَيَلْزَمُ الْمُجِيبَ أَنْ يُبَيِّنَ لَهُ، فَلَوْ كَانَ لِلْمُجِيبِ أَنْ يَقُولَ لَهُ: وَمَنْ أَثْبَتَهَا؟ لَكَانَ لَهُ أَنْ يَصِيرَ سَائِلاً، وَكَانَ عَلَى السَّائِلِ أَنْ يَصِيرَ مُجِيبًا، وَكَانَ لَهُ أَيْضًا أَنْ يَقُولَ: وَلِمَ تُنْكِرُ٣ تَشَابُهَهُمَا، وَالْمُجِيبُ مُدَّعِيهِ.

  24. ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ سُؤَالَ الْجَدَلِ٤ عَلَى خَمْسَةِ أَقْسَامٍ: سُؤَالٌ عَنْ الْمَذْهَبِ، وَسُؤَالٌ عَنْ الدَّلِيلِ، وَسُؤَالٌ عَنْ وَجْهِ الدَّلِيلِ، وَسُؤَالٌ عَنْ تَصْحِيحِ الدَّعْوَى فِي الدَّلِيلِ، وَسُؤَالٌ عَنْ الإِلْزَامِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ٥.

  25. وَتَحْسِينُ الْجَوَابِ وَتَحْرِيرُهُ١ يَقْوَى بِهِ الْعِلْمُ وَالْعَمَلُ٢، فَأَوَّلُ ضُرُوبِ الْجَوَابِ: الإِخْبَارُ عَنْ مَاهِيَّةِ الْمَذْهَبِ، ثُمَّ الإِخْبَارُ عَنْ مَاهِيَّةِ بُرْهَانِهِ، ثُمَّ وَجْهُ دَلالَةِ الْبُرْهَانِ عَلَيْهِ، ثُمَّ إجْرَاءُ الْعِلَّةِ فِي الْمَعْلُولِ، وَحِيَاطَتُهُ مِنْ٣ الزِّيَادَةِ فِيهِ وَالنُّقْصَانِ مِنْهُ، لِئَلاَّ يَلْحَقَ بِهِ مَا لَيْسَ مِنْهُ، وَيَخْرُجَ عَنْهُ مَا هُوَ مِنْهُ.

    vol. 5, p. 376
  26. وَالْحُجَّةُ فِي تَرْتِيبِ الْجَوَابِ كَالْحُجَّةِ فِي تَرْتِيبِ السُّؤَالِ؛ لأَنَّ كُلَّ ضَرْبٍ مِنْ ضُرُوبِ الْجَوَابِ مُقَابَلٌ بِضَرْبٍ٤ مِنْ ضُرُوبِ السُّؤَالِ٥.

  27. "وَيُشْتَرَطُ انْتِمَاءُ سَائِلٍ إلَى مَذْهَبِ ذِي مَذْهَبٍ لِلضَّبْطِ" قَالَهُ الْجَوْزِيُّ وَالْفَخْرُ، وَزَادَ: وَإِنْ كَانَ الأَلْيَقُ بِحَالِهِ التَّجَرُّدَ عَنْ الْمَذَاهِبِ "وَأَنْ لا٦ يَسْأَلَ عَنْ أَمْرٍ جَلِيٍّ، فَيَكُونَ٧ مُعَانِدًا" .

    vol. 5, p. 377قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ الْجَوْزِيُّ فِي الإِيضَاحِ: وَيَلْزَمُهُ الانْتِمَاءُ إلَى مَذْهَبِ ذِي مَذْهَبٍ صِيَانَةً لِلْكَلامِ عَنْ النَّشْرِ الَّذِي لا يُجْدِي، فَإِنَّ الْمُسْتَدِلَّ إذَا ذَكَرَ مَثَلاً الإِجْمَاعَ دَلِيلاً فَلا فَائِدَةَ مِنْ١ تَمْكِينِ السَّائِلِ مِنْ مُمَانَعَةِ كَوْنِهِ حُجَّةً، بَعْدَمَا اتَّفَقَ عَلَى التَّمَسُّكِ بِهِ الأَئِمَّةُ الأَرْبَعَةُ وَغَيْرُهُمْ، وَيَتَعَيَّنُ قَصْدُ الاسْتِفْهَامِ وَتَرْكُ التَّعَنُّتِ٢، وَلا يُمَكَّنُ الْمُدَاخِلُ مِنْ إيرَادِ٣ أَمْرٍ خَارِجٍ عَنْ الدَّلِيلِ، بِمَا النَّظَرُ فِيهِ٤ يُفْسِدُ الدَّلِيلَ، كَالْقَلْبِ وَالْمُعَارَضَةِ؛ لأَنَّ ذَلِكَ وَظِيفَةُ الْمُعْتَرِضِ.

  28. "وَيُكْرَهُ اصْطِلاحًا تَأْخِيرُ الْجَوَابِ" وَهُوَ الْحُكْمُ الْمُفْتَى بِهِ، تَأْخِيرًا "كَثِيرًا" .

    قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ الْجَوْزِيُّ: وَيُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ فِي الدَّلِيلِ عَقِبَ السُّؤَالِ عَنْهُ، وَإِنْ أَخَّرَهُ لَمْ يَكُنْ مُنْقَطِعًا إلاَّ إنْ عَجَزَ عَنْهُ مُطْلَقًا.

  29. "وَلا يَكْفِي عَزْوُ حَدِيثٍ إلَى غَيْرِ أَهْلِهِ" أَيْ أَهْلِ الْحَدِيثِ؛ لأَنَّ الْمَطْلُوبَ مِنْهُ مَا يُحْتَجُّ بِهِ مِنْ الأَحَادِيثِ، بِأَنْ يَكُونَ أَحَدُ أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ صَحَّحَهُ أَوْ حَسَّنَهُ.

  30. "وَيَنْقَطِعُ السَّائِلُ بِعَجْزِهِ عَنْ بَيَانِ السُّؤَالِ، وَ" بَيَانِ "طَلَبِ الدَّلِيلِ، وَ" طَلَبِ "وَجْهِهِ" أَيْ وَجْهِ الدَّلِيلِ "وَطَعْنِهِ فِي دَلِيلِ الْمُسْتَدِلِّ وَمُعَارَضَتِهِ" لِدَلِيلِ الْمُسْتَدِلِّ "وَانْتِقَالِ" السَّائِلِ "إلَى دَلِيلٍ آخَرَ، أَوْ" إلَى "مَسْأَلَةٍ أُخْرَى قَبْلَ تَمَامِ" الْمَسْأَلَةِ "الأُولَى" ١.

    قَالَ فِي الْوَاضِحِ: اعْلَمْ أَنَّ الانْقِطَاعَ هُوَ الْعَجْزُ عَنْ إقَامَةِ الْحُجَّةِ مِنْ الْوَجْهِ الَّذِي ابْتَدَأَ مِنْهُ٢ الْمَقَالَةَ.

    vol. 5, p. 378
  31. وَالانْقِطَاعُ فِي الأَصْلِ: هُوَ الانْتِفَاءُ لِلشَّيْءِ عَنْ الشَّيْءِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ٣ لا بُدَّ مِنْ أَنْ يَكُونَ انْقِطَاعُ شَيْءٍ عَنْ شَيْءٍ، وَهُوَ عَلَى ضَرْبَيْنِ. أَحَدُهُمَا: تَبَاعُدُ شَيْءٍ عَنْ شَيْءٍ، كَانْقِطَاعِ طَرَفِ الْحَبْلِ عَنْ جُمْلَتِهِ، وَانْقِطَاعِ الْمَاءِ عَنْ مَجْرَاهُ، وَالآخَرُ: عَدَمُ شَيْءٍ عَنْ شَيْءٍ كَانْقِطَاعِ ثَانِي الْكَلامِ عَنْ مَاضِيهِ، وَتَقْدِيرُ الانْقِطَاعِ فِي الْجَدَلِ عَلَى أَنَّهُ انْقِطَاعُ الْقُوَّةِ٤ عَنْ النُّصْرَةِ لِلْمَذْهَبِ الَّذِي شَرَعَ فِي نُصْرَتِهِ٥.

    vol. 5, p. 379قَالَ صَاحِبُ الْوَاضِحِ أَيْضًا: "وَمِنْ الانْتِقَالِ مَا لَيْسَ انْقِطَاعًا، كَمَنْ سُئِلَ عَنْ رَدِّ الْيَمِينِ فَبَنَاهُ عَلَى الْحُكْمِ بِالنُّكُولِ١، أَوْ" سُئِلَ عَنْ "قَضَاءِ صَوْمِ نَفْلٍ فَبَنَاهُ عَلَى لُزُومِ إتْمَامِهِ" ٢.

  32. "وَإِنْ طَالَبَهُ السَّائِلُ بِدَلِيلٍ عَلَى مَا سَأَلَهُ فَانْقِطَاعٌ مِنْهُ" أَيْ مِنْ السَّائِلِ "لِبِنَاءِ بَعْضِ الأُصُولِ عَلَى بَعْضٍ" .

  33. "وَلَيْسَ لِكُلِّهَا" أَيْ كُلِّ٣ الأُصُولِ "دَلِيلٌ يَخُصُّهُ" .

  34. "وَ" يَنْقَطِعُ "الْمَسْئُولُ٤ بِعَجْزِهِ عَنْ الْجَوَابِ، وَ" عَنْ "إقَامَةِ الدَّلِيلِ٥، وَ" عَنْ "تَقْوِيَةِ وَجْهِهِ" أَيْ وَجْهِ الدَّلِيلِ "وَ" عَنْ "دَفْعِ٦ الاعْتِرَاضِ" الْوَارِدِ عَلَيْهِ.

  35. "وَكِلاهُمَا" أَيْ وَيَنْقَطِعُ كُلٌّ مِنْ السَّائِلِ وَالْمَسْئُولِ "بِجَحْدِ" أَيْ إنْكَارِ "مَا عُرِفَ مِنْ٧ مَذْهَبِهِ أَوْ ثَبَتَ بِنَصٍّ وَ" الْحَالُ أَنْ "لَيْسَ مَذْهَبُهُ خِلافَهُ أَوْ" ثَبَتَ "بِإِجْمَاعٍ" .

  36. "وَ" يَنْقَطِعُ كُلٌّ مِنْهُمَا أَيْضًا "بِعَجْزِهِ عَنْ إتْمَامِ مَا شَرَعَ فِيهِ، وَخَلْطِ كَلامِهِ عَلَى وَجْهٍ لا يُفْهَمُ، وَسُكُوتِهِ" حَالَ كَوْنِ سُكُوتِهِ "حِيرَةً بِلا عُذْرٍ، وَتَشَاغُلِهِ بِمَا لا يَتَعَلَّقُ بِالنَّظَرِ" أَيْ بِالتَّأَمُّلِ فِيمَا هُمْ فِيهِ "وَغَضَبِهِ أَوْ قِيَامِهِ عَنْ١ مَكَانِهِ" الأَوَّلِ "وَسَفَهِهِ عَلَى خَصْمِهِ" ذَكَرَ ذَلِكَ الأَصْحَابُ٢.

    قَالَ صَاحِبُ٣ الْوَاضِحِ: وَذَلِكَ أَنَّ الْمَسْأَلَةَ تَكُونُ مَرَاتِبُهَا خَمْسَةً. فَيَكُونُ مَعَ الْمُجَادِلِ٤ قُوَّةٌ عَلَى الْمَرْتَبَةِ الأُولَى وَالثَّانِيَةِ، ثُمَّ يَنْقَطِعُ، فَلا تَكُونُ٥ لَهُ قُوَّةٌ عَلَى الْمَرْتَبَةِ الثَّالِثَةِ وَمَا بَعْدَهَا مِنْ الْمَرَاتِبِ، وَانْقِطَاعُ الْقُوَّةِ عَنْ الثَّالِثَةِ عَجْزٌ عَنْ الثَّانِيَةِ. فَلِذَلِكَ قُلْنَا: الانْقِطَاعُ فِي الْجَدَلِ عَجْزٌ عَنْهُ، وَكُلُّ انْقِطَاعٍ فِي الْجَدَلِ عَجْزٌ عَنْهُ. وَلَيْسَ كُلُّ عَجْزٍ٦ عَنْهُ انْقِطَاعًا فِيهِ، وَإِنْ كَانَ عَاجِزًا عَنْهُ، وَأَطَالَ فِي ذَلِكَ جِدًّا.

    vol. 5, p. 380
  37. ثُمَّ ذَكَرَ الانْقِطَاعَ بِالْمُكَابَرَةِ، ثُمَّ بِالْمُنَاقَضَةِ، ثُمَّ بِالانْتِقَالِ، ثُمَّ بِالْمُشَاغَبَةِ، ثُمَّ بِالاسْتِفْسَارِ، ثُمَّ بِالرُّجُوعِ إلَى التَّسْلِيمِ، ثُمَّ بِجَحْدِ

    vol. 5, p. 381الْمَذْهَبِ، ثُمَّ بِالْمُسَابَّةِ١.

  38. "وَ" يَنْقَطِعُ كُلٌّ مِنْهُمَا أَيْضًا "بِالشَّغَبِ٢ بِالإِبْهَامِ٣ بِلا شُبْهَةٍ" .

    قَالَ فِي الْوَاضِحِ: اعْلَمْ أَنَّ الانْقِطَاعَ بِالْمُشَاغَبَةِ عَجْزٌ عَنْ الاسْتِفْهَامِ٤ لِمَا تَضَمَّنَ مِنْ نُصْرَةِ الْمَقَالِ٥ إلَى الْمُمَانَعَةِ بِالإِبْهَامِ مِنْ غَيْرِ حُجَّةٍ وَلا شُبْهَةٍ. وَحَقُّ مِثْلِ هَذَا إذَا وَقَعَ: أَنْ يُفْصِحَ فِيهِ بِأَنَّهُ شَغَبٌ٦، وَأَنَّ الْمِشْغَبَ٧ لا يَسْتَحِقُّ زِيَادَة.

  39. فَإِنْ كَانَ الْمِشْغَبُ مَسْئُولاً قِيلَ لَهُ: إنْ أَجَبْت عَنْ الْمَسْأَلَةِ وَإِلاَّ زِدْنَا عَلَيْك، وَإِنْ لَمْ تُجِبْ عَنْهَا٨ أَمْسَكْنَا عَنْك.

  40. وَإِنْ كَانَ سَائِلاً قِيلَ لَهُ: إنْ حَصَّلْتَ١ سُؤَالاً سَمِعْتَ جَوَابًا وَإِلاَّ فَلا٢ فَإِنَّ الْمِشْغَبَ لا يَسْتَحِقُّ جَوَابًا.

    vol. 5, p. 382