فصل فيما يشتمل على أحكام الجدل وآدابه وحده وصفته

45 paragraphs · vol. 5, p. 359

Page 2 of 2

  1. فَإِنْ لَجَّ وَتَمَادَى فِي غَيِّهِ أَعْرَضَ عَنْهُ؛ لأَنَّ أَهْلَ الْعِلْمِ إنَّمَا يَتَكَلَّمُونَ عَلَى مَا فِيهِ حُجَّةٌ أَوْ شُبْهَةٌ فَإِذَا عَرِيَ الْجَدَلُ٣ عَنْ الأَمْرَيْنِ إلَى الشَّغَبِ لَمْ يَكُنْ فِيهِ فَائِدَةٌ، وَكَانَ الأَوْلَى بِذِي الرَّأْيِ الأَصِيلِ وَالْعَقْلِ الرَّصِينِ: أَنْ يَصُونَ نَفْسَهُ، وَيَرْغَبَ بِوَقْتِهِ عَنْ التَّضْيِيعِ مَعَهُ، وَلا سِيَّمَا إذَا كَانَ الاشْتِغَالُ بِهِ مِمَّا يُوهِمُ الْحَاضِرِينَ أَنَّ صَاحِبَهُ سَالِكٌ لِطَرِيقِ الْحُجَّةِ، فَإِنَّهُ٤ رُبَّمَا كَانَ ذَلِكَ٥ بِمَا يُرَى٦ مِنْهُ مِنْ حُسْنِ الْعِبَارَةِ. وَالاغْتِرَارِ٧ بِإِقْبَالِ٨ خَصْمِهِ عَلَيْهِ بِالْمُنَاظَرَةِ فَحَقُّ مِثْلِ هَذَا: أَنْ يُبَيِّنَ لَهُ٩: أَنَّهُ عَلَى جِهَةِ الْمُشَاغَبَةِ دُونَ١٠ طَرِيقِ الْحُجَّةِ أَوْ الشُّبْهَةِ١١.

    vol. 5, p. 382
  2. "وَلا يَنْقَطِعُ مَسْئُولٌ بِتَرْكِ الدَّلِيلِ لِعَجْزِ فَهْمِ السَّامِعِ" الَّذِي هُوَ السَّائِلُ "أَوْ١ انْتِقَالِهِ" أَيْ الْمَسْئُولِ "إلَى" دَلِيلٍ "أَوْضَحَ مِنْهُ" أَيْ مِنْ الدَّلِيلِ الأَوَّلِ "لِقِصَّةِ إبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ" مَعَ نُمْرُوذَ٢.

    قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ فِي الْفُنُونِ٣: لَمَّا قَابَلَ نُمْرُوذُ٤ قَوْلَ إبْرَاهِيمَ٥ فِي الْحَيَاةِ الْحَقِيقِيَّةِ بِالْحَيَاةِ الْمَجَازِيَّةِ، انْتَقَلَ الْخَلِيلُ٦ إلَى دَلِيلٍ لا يُمْكِنُهُ مُقَابَلَةُ٧ الْحَقِيقَةِ فِيهِ بِالْمَجَازِ.

    vol. 5, p. 383
  3. وَمَنْ انْتَقَلَ مِنْ دَلِيلٍ غَامِضٍ إلَى دَلِيلٍ وَاضِحٍ: فَذَلِكَ طَلَبٌ لِلْبَيَانِ، وَلَيْسَ انْقِطَاعًا.

    قَالَ فِي الْوَاضِحِ: فَإِنْ قِيلَ: فَقَدْ٨ انْتَقَلَ إبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ مِنْ عِلَّةٍ إلَى غَيْرِهَا، وَكَانَ فِي مَقَامِ الْمُحَاجَّةِ كَمَا أَخْبَرَ اللَّهُ - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى - عَنْهُ٩،

    vol. 5, p. 384وَبِهَذَا تَعَلَّقَ مَنْ رَأَى أَنَّ١ الانْتِقَالَ مِنْ دَلِيلٍ إلَى غَيْرِهِ لَيْسَ بِانْقِطَاعٍ، وَلا خُرُوجٍ عَنْ مُقْتَضَى الْجِدَالِ وَالْحِجَاجِ٢. قِيلَ: لَمْ يَكُنْ انْتِقَالُهُ لِلْعَجْزِ؛ لأَنَّهُ قَدْ كَانَ يَقْدِرُ٣ أَنْ يُحَقِّقَ مَعَ نُمْرُوذَ حَقِيقَةَ الإِحْيَاءِ الَّذِي أَرَادَهُ، وَهُوَ إعَادَةُ الرُّوحِ إلَى جَسَدِ٤ الْمَيِّتِ، أَوْ إنْشَاءُ حَيٍّ مِنْ الأَمْوَاتِ وَأَنَّ٥ الإِمَاتَةَ الَّتِي أَرَادَهَا: هِيَ إزْهَاقُ النَّفْسِ مِنْ غَيْرِ مُمَارَسَةٍ٦ بِآلَةٍ وَلا مُبَاشَرَةٍ. وَيُقَالُ٧ لَهُ: إذَا فَعَلْتَ ذَلِكَ كُنْتَ مُحْيِيًا مُمِيتًا٨، أَوْ فَافْعَلْ ذَلِكَ إنْ كُنْتَ صَادِقًا. وَمَعَاذَ اللَّهِ أَنْ يَظُنَّ ذَلِكَ بِذَلِكَ النَّبِيِّ٩ الْكَرِيمِ. وَمَا عَدَلَ عَمَّا ابْتَدَأَ بِهِ إلَى غَيْرِهِ عَجْزًا عَنْ اسْتِتْمَامِ النُّصْرَةِ، لَكِنَّهُ لَمَّا رَأَى نُمْرُوذَ غَبِيًّا أَوْ١٠ مُتَغَابِيًا بِمَا كَشَفَهُ عَنْ نَفْسِهِ مِنْ دَعْوَى١١

    vol. 5, p. 385الإِحْيَاءِ، وَهُوَ الْعَفْوُ عَنْ مُسْتَحِقِّ الْقَتْلِ، وَالإِمَاتَةِ، وَهِيَ الْقَتْلُ الَّذِي يُسَاوِي بِهِ١ كُلَّ أَهْلِ مَمْلَكَتِهِ وَأَصَاغِرِ رَعِيَّتِهِ انْتَقَلَ إلَى الدَّلِيلِ الأَوْضَحِ فِي بَابِ تَعْجِيزِهِ عَنْ دَعْوَاهُ فِيهِ الْمُشَارَكَةَ٢ لِبَارِئِهِ سُبْحَانَهُ٣، بِحُكْمِ مَا رَأَى مِنْ الْحَالِ فَلَمْ يُوجَدْ فِي حَقِّهِ الْعَجْزُ عَنْ إتْمَامِ مَا بَدَأَ بِهِ، بِخِلافِ مَا نَحْنُ فِيهِ٤ اهـ.

  4. "وَمِنْ أَدَبِهِ" أَيْ أَدَبِ الْجَدَلِ "وَتَرْكُهُ" أَيْ تَرْكُ أَدَبِ الْجَدَلِ "شَيْنٌ٥ إجْمَالُ كُلٍّ مِنْهُمَا" أَيْ مِنْ الْمُتَجَادِلَيْنِ٦ "خِطَابَهُ مَعَ الآخَرِ وَإِقْبَالُهُ عَلَيْهِ، وَتَأَمُّلُهُ لِمَا يَأْتِي بِهِ٧، وَتَرْكُ قَطْعِ كَلامِهِ، وَالصِّيَاحِ فِي وَجْهِهِ وَالْحِدَّةِ" عَلَيْهِ٨ "وَالْفَخْرُ٩ عَلَيْهِ وَالإِخْرَاجُ لَهُ عَمَّا عَلَيْهِ، وَاسْتِصْغَارُهُ. وَمَقَامُ التَّعْلِيمِ١٠ تَارَةً بِالْعُنْفِ وَتَارَةً بِاللُّطْفِ، وَيَنْبَغِي أَنْ لا يَغْتَرَّ بِخَطَإِ الْخَصْمِ، وَأَنْ يَحْتَرِزَ مِنْ

    vol. 5, p. 386حِيلَتِهِ١، وَأَنْ لا يَعْتَادَ الْخَوْضَ فِي الشَّغَبِ فَيُحْرَمَ الإِصَابَةَ، وَيَسْتَرْوِحُ إلَيْهِ، مَعَ أَنَّهُ لا يَسْلَمُ مِنْ الانْقِطَاعِ إلاَّ مَنْ عَصَمَهُ اللَّهُ تَعَالَى، وَلَيْسَ حَدُّ الْعَالِمِ كَوْنَهُ حَاذِقًا فِي الْجَدَلِ، فَإِنَّهُ صِنَاعَةٌ، وَالْعِلْمُ مَادَّتُهُ٢ فَالْمُجَادِلُ يَحْتَاجُ إلَى الْعَالِمِ، وَلا عَكْسَ " أَيْ٣ لا٤ يَحْتَاجُ الْعَالِمُ إلَى الْمُجَادِلِ٥.

  5. "وَ " يَنْبَغِي " أَنْ لا يَتَكَلَّمَ فِي الْمَجَالِسِ الَّتِي لا إنْصَافَ فِيهَا"٦.

    قَالَ فِي الْوَاضِحِ: