باب: الاستدلال

12 paragraphs · vol. 5, p. 397

  1. مِنْ جُمْلَةِ الطُّرُقِ الْمُفِيدَةِ لِلأَحْكَامِ، وَلِهَذَا ذُكِرَ عَقِبَ الأَدِلَّةِ الأَرْبَعَةِ، وَهِيَ: الْكِتَابُ، وَالسُّنَّةُ، وَالإِجْمَاعُ، وَالْقِيَاسُ.

    vol. 5, p. 397
  2. وَهُوَ "لُغَةً: طَلَبُ الدَّلِيلِ، وَاصْطِلاحًا" أَيْ فِي اصْطِلاحِ الْفُقَهَاءِ "هُنَا إقَامَةُ دَلِيلٍ لَيْسَ بِنَصٍّ وَلا إجْمَاعٍ وَلا قِيَاسٍ شَرْعِيٍّ١.

  3. "فَدَخَلَ " الْقِيَاسُ " الاقْتِرَانِيُّ، وَهُوَ " قِيَاسٌ " مُؤَلَّفٌ مِنْ قَضِيَّتَيْنِ مَتَى سَلِمَتَا " أَيْ الْقَضِيَّتَيْنِ مِنْ مُعَارِضٍ " لَزِمَ عَنْهُمَا لِذَاتِهِمَا

    vol. 5, p. 398قَوْلٌ آخَرُ " أَيْ قَضِيَّةٌ أُخْرَى نَتِيجَةٌ١ لَهُمَا، كَقَوْلِنَا: الْعَالَمُ مُتَغَيِّرٌ، وَكُلُّ مُتَغَيِّرٍ حَادِثٌ، فَيَلْزَمُ مِنْهُ أَنَّ الْعَالَمَ حَادِثٌ، وَكَمَا٢ يُقَالُ: هَذَا حُكْمٌ دَلَّ عَلَيْهِ الْقِيَاسُ، وَكُلُّ مَا دَلَّ عَلَيْهِ الْقِيَاسُ فَهُوَ حُكْمٌ شَرْعِيٌّ فَهَذَا حُكْمٌ شَرْعِيٌّ. وَكَمَا يُقَالُ: مَا ذَكَرْته مُعَارَضٌ بِالإِجْمَاعِ وَكُلُّ مُعَارَضٌ بِالإِجْمَاعِ بَاطِلٌ، فَمَا ذَكَرْته بَاطِلٌ وَقِسْ عَلَى ذَلِكَ٣.

  4. "وَ " دَخَلَ فِيهِ أَيْضًا الْقِيَاسُ " الاسْتِثْنَائِيُّ " وَيَكُونُ فِي الشَّرْطِيَّاتِ " وَهُوَ مَا٤ تُذْكَرُ٥ فِيهِ النَّتِيجَةُ أَوْ نَقِيضُهَا" أَيْ نَقِيضُ النَّتِيجَةِ٦.

  5. فَفِي الْمُتَّصِلاتِ كَمَا يُقَالُ: إنْ كَانَ هَذَا إنْسَانًا١ فَهُوَ حَيَوَانٌ، لَكِنَّهُ٢ لَيْسَ بِحَيَوَانٍ يَنْتِجُ أَنَّهُ لَيْسَ بِإِنْسَانٍ، أَوْ أَنَّهُ إنْسَانٌ، يَنْتِجُ أَنَّهُ حَيَوَانٌ، فَاسْتِثْنَاءُ عَيْنِ الأَوَّلِ يُنْتِجُ عَيْنَ الثَّانِي٣، وَاسْتِثْنَاءُ نَقِيضِ الثَّانِي٤ يُنْتِجُ نَقِيضَ الْمُقَدَّمِ، وَعَيْنُ الثَّانِي٥ لا يُنْتِجُ عَيْنَ الأَوَّلِ، لاحْتِمَالِ كَوْنِهِ عَامًّا، وَلا يَلْزَمُ مِنْ إثْبَاتِ الْعَامِّ إثْبَاتُ الْخَاصِّ، كَمَا فِي الْمِثَالِ الْمَذْكُورِ. فَإِنَّ الْحَيَوَانَ٦ لا يَسْتَلْزِمُ وُجُودُ الإِنْسَانِ، وَكَذَا نَقِيضُ الإِنْسَانِ لا يَسْتَلْزِمُ نَقِيضَ الْحَيَوَانِ؛ لِوُجُودِهِ فِي الْفَرَسِ.

    vol. 5, p. 399
  6. وَفِي الْمُنْفَصِلاتِ، كَمَا يُقَالُ: الْعَدَدُ٧ إمَّا زَوْجٌ أَوْ فَرْدٌ، لَكِنَّهُ زَوْجٌ يَنْتِجُ أَنَّهُ لَيْسَ بِفَرْدٍ، أَوْ فَرْدٌ، يَنْتِجُ أَنَّهُ لَيْسَ بِزَوْجٍ. مِثَالُهُ فِي الشَّرْعِيَّاتِ: الضَّبُّ إمَّا حَلالٌ أَوْ٨ حَرَامٌ، لَكِنَّهُ حَلالٌ؛ لأَنَّهُ أُكِلَ عَلَى مَائِدَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ٩ فَلَيْسَ بِحَرَامٍ،

    vol. 5, p. 400مِثَالٌ آخَرُ: صَيْدُ الْمُحْرِمِ إمَّا حَلالٌ أَوْ حَرَامٌ١، لَكِنَّهُ حَرَامٌ٢؛ لأَنَّهُ٣ نُهِيَ عَنْهُ، فَلَيْسَ بِحَلالٍ.

  7. "وَ" دَخَلَ فِيهِ أَيْضًا "قِيَاسُ الْعَكْسِ وَهُوَ مَا يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى نَقِيضِ الْمَطْلُوبِ، ثُمَّ يَبْطُلُ، فَيَصِحُّ الْمَطْلُوبُ" نَحْوَ قَوْله تَعَالَى: {وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا} ٤ فَإِنَّهُ اسْتَدَلَّ عَلَى حَقِيقَةِ الْقُرْآنِ بِإِبْطَالِ نَقِيضِهِ. وَهُوَ وُجْدَانُ الاخْتِلافِ فِيهِ٥.

    قَالَ الْمَحَلِّيُّ: يَدْخُلُ فِيهِ قِيَاسُ الْعَكْسِ، وَهُوَ إثْبَاتُ٦ عَكْسِ حُكْمِ شَيْءٍ لِمِثْلِهِ٧ لِتَعَاكُسِهِمَا فِي الْعِلَّةِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي حَدِيثِ مُسْلِمٍ٨ "أَيَأْتِي أَحَدُنَا شَهْوَتَهُ وَلَهُ فِيهَا أَجْرٌ؟ قَالَ: أَرَأَيْتُمْ لَوْ وَضَعَهَا فِي حَرَامٍ، أَكَانَ عَلَيْهِ وِزْرٌ؟ " . انْتَهَى٩.

  8. "وَنَحْوَ: وُجِدَ١ السَّبَبُ فَثَبَتَ٢ الْحُكْمُ وَ" نَحْوُهُ "وُجِدَ الْمَانِعُ" فَانْتَفَى الْحُكْمُ "أَوْ فَاتَ الشَّرْطُ فَانْتَفَى" الْحُكْمُ٣ "دَعْوَى دَلِيلٍ لا نَفْسِهِ" أَيْ لا نَفْسِ الدَّلِيلِ إذَا اقْتَصَرَ عَلَى إحْدَى الْمُقَدَّمَتَيْنِ، اعْتِمَادًا عَلَى شُهْرَةِ الأُخْرَى٤، كَقَوْلِنَا " وُجِدَ السَّبَبُ فَثَبَتَ الْحُكْمُ " فَإِنَّهُ يَنْتُجُ مَعَ مُقَدِّمَةٍ أُخْرَى مُقَدَّرَةٍ وَهِيَ قَوْلُنَا: وَكُلُّ سَبَبٍ إذَا وُجِدَ وُجِدَ الْحُكْمُ، فَلَمْ تُذْكَرْ لِظُهُورِهَا، كَمَا فِي قَوْلِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى {لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إلاَّ اللَّهُ لَفَسَدَتَا} ٥ فَإِنَّ حُصُولَ النَّتِيجَةِ مِنْهُ يَتَوَقَّفُ٦ عَلَى مُقَدِّمَةٍ أُخْرَى ظَاهِرَةٍ تَقْدِيرُهَا: وَمَا فَسَدَتَا.

    vol. 5, p. 401
  9. وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي هَذَا، فَالأَكْثَرُ: عَلَى أَنَّهُ دَعْوَى دَلِيلٍ، وَلَيْسَ بِدَلِيلٍ فَإِنَّا إذَا قُلْنَا: وُجِدَ السَّبَبُ، أَوْ قُلْنَا: وُجِدَ الْمُقْتَضِي، مَعْنَاهُ الدَّلِيلُ. وَلَمْ يَقُمْ عَلَى وُجُودِهِ دَلِيلٌ.

  10. وَاخْتَارَ ابْنُ حَمْدَانَ وَجَمْعٌ: أَنَّهُ دَلِيلٌ فَإِنَّهُ يَلْزَمُ مِنْ ثُبُوتِهِ ثُبُوتُ الْمَطْلُوبِ٧.

  11. وَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ قِيلَ: إنَّهُ اسْتِدْلالٌ مُطْلَقٌ؛ لانْطِبَاقِ الْحَدِّ عَلَيْهِ.

    vol. 5, p. 402
  12. وَقِيلَ: إنْ ثَبَتَ وُجُودُ السَّبَبِ أَوْ الْمَانِعِ، أَوْ فُقِدَ الشَّرْطُ، يَعْنِي النَّصَّ وَالإِجْمَاعَ وَالْقِيَاسَ. وَإِلاَّ فَهُوَ مِنْ قَبِيلِ مَا ثَبَتَ بِهِ.

    قَالَ الْكُورَانِيُّ: هَذَا مُخْتَارُ الْمُحَقِّقِينَ؛ لأَنَّهُ يُقَالُ١: هَذَا حُكْمٌ وُجِدَ سَبَبُهُ. وَكُلُّ مَا وُجِدَ سَبَبُهُ فَهُوَ مَوْجُودٌ فَكُبْرَى الْقِيَاسِ - وَهِيَ قَوْلُنَا: كُلُّ مَا وُجِدَ سَبَبُهُ فَهُوَ مَوْجُودٌ- قَطْعِيَّةٌ، لا يُخَالِفُ فِيهَا أَحَدٌ.