فصل في ترتيب الخصوم في الجدل
6 paragraphs · vol. 5, p. 393
- vol. 5, p. 393
اعْلَمْ أَنَّهُ لا يَخْلُو الْخَصْمُ فِي الْجَدَلِ مِنْ أَنْ يَكُونَ فِي طَبَقَةِ خَصْمِهِ، أَوْ أَعْلَى أَوْ أَدْوَنَ١.
-
فَإِنْ كَانَ فِي طَبَقَتِهِ: كَانَ قَوْلُهُ لَهُ: الْحَقُّ فِي هَذَا كَذَا دُونَ كَذَا مِنْ قِبَلِ كَيْتَ وَكَيْتَ، وَلأَجْلِ كَذَا وَعَلَى الآخَرِ: أَنْ يَتَحَرَّى لَهُ الْمُوَازَنَةَ فِي الْخِطَابِ. فَذَلِكَ أَسْلَمُ لِلْقُلُوبِ، وَأَبْقَى لِشَغْلِهَا عَنْ تَرْتِيبِ النَّظَرِ فَإِنَّ التَّطْفِيفَ فِي الْخِطَابِ يُعْمِي الْقَلْبَ عَنْ فَهْمِ السُّؤَالِ وَالْجَوَابِ.
-
وَإِنْ كَانَ أَعْلَى فَلْيَتَحَرَّ، وَيَجْتَنِبَ٢ الْقَوْلَ لَهُ: هَذَا خَطَأٌ، أَوْ٣ غَلَطٌ، أَوْ٤ لَيْسَ كَمَا تَقُولُ، بَلْ يَكُونُ قَوْلُهُ لَهُ: أَرَأَيْت إنْ
vol. 5, p. 394قَالَ قَائِلٌ يَلْزَمُ عَلَى مَا ذَكَرْت١ كَذَا؟ و٢َإِنْ اعْتَرَضَ عَلَى مَا ذَكَرْت مُعْتَرِضٌ بِكَذَا. فَإِنَّ نُفُوسَ الْكِرَامِ الرُّؤَسَاءِ الْمُقَدَّمِينَ٣ تَأْبَى خُشُونَةَ الْكَلامِ؛ إذْ لا عَادَةَ لَهُمْ بِذَلِكَ، وَإِذَا٤ نَفَرَتْ النُّفُوسُ٥ عَمِيَتْ الْقُلُوبُ، وَجَمَدَتْ الْخَوَاطِرُ وَانْسَدَّتْ أَبْوَابُ الْفَوَائِدِ، فَحَرُمَتْ كُلُّ٦ الْفَوَائِدِ، بِسَفَهِ السَّفِيهِ، وَتَقْصِيرِ الْجَاهِلِ فِي حُقُوقِ الصُّدُورِ، وَقَدْ أَدَّبَ اللَّهُ تَعَالَى أَنْبِيَاءَهُ فِي خِطَابِهِمْ٧ لِلرُّؤَسَاءِ مِنْ أَعْدَائِهِ، فَقَالَ لِمُوسَى وَهَارُونَ عَلَيْهِمَا الصَّلاةُ وَالسَّلامُ فِي حَقِّ فِرْعَوْنَ {فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّنًا} ٨.
-
سَمِعْت بَعْضَ الْمَشَايِخِ فِي عُلُومِ الْقُرْآنِ، يَقُولُ: صِفَةُ هَذَا الْقَوْلِ اللَّيِّنِ فِي قَوْله تَعَالَى: {اذْهَبْ إلَى فِرْعَوْنَ إنَّهُ طَغَى فَقُلْ هَلْ لَك إلَى أَنْ تَزَكَّى} ٩ وَمَا ذَاكَ إلاَّ مُرَاعَاةً لِقَلْبِهِ، حَتَّى لا يَنْصَرِفَ١٠ بِالْقَوْلِ الْخَشِنِ عَنْ فَهْمِ١١
vol. 5, p. 395الْخِطَابِ١، فَكَيْفَ بِرَئِيسٍ تَقَدَّمَ فِي الْعِلْمِ تَطْلُبُ٢ فَوَائِدَهُ، وَتَرْجُو٣ الْخَيْرَ فِي إيرَادِهِ، وَمَا تَسْنَحُ لَهُ خَوَاطِرُهُ؟ فَأَحْرَى بِنَا أَنْ نُذَلِّلَ لَهُ الْعِبَارَةَ، وَنُوَطِّئَ٤ لَهُ جَانِبَ الْجَدَلِ، لِتَنْهَالَ فَوَائِدُهُ انْهِيَالاً.
-
وَفِي الْجُمْلَةِ وَالتَّفْصِيلِ: الأَدَبُ مِعْيَارُ الْعُقُولِ وَمُعَامَلَةُ٥ الْكِرَامِ، وَسُوءُ الأَدَبِ مَقْطَعَةٌ لِلْخَيْرِ وَمَدْمَغَةٌ لِلْجَاهِلِ، فَلا تَتَأَخَّرُ إهَانَتُهُ٦، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ إلاَّ هِجْرَانُهُ وَحِرْمَانُهُ.
-
وَأَمَّا الأَدْوَنُ٧ فَيُكَلَّمُ بِكَلامٍ لَطِيفٍ، إلاَّ أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ لَهُ، إذَا أَتَى بِالْخَطَإِ: هَذَا خَطَأٌ. وَهَذَا غَلَطٌ مِنْ قِبَلِ كَذَا لِيَذُوقَ مَرَارَةَ سُلُوكِ الْخَطَإِ فَيَجْتَنِبَهُ٨، وَحَلاوَةَ الصَّوَابِ فَيَتْبَعَهُ. وَرِيَاضَةُ هَذَا وَاجِبَةٌ عَلَى الْعُلَمَاءِ، وَتَرْكُهُ سُدًى٩ مَضَرَّةٌ لَهُ، فَإِنْ عُوِّدَ الإِكْرَامَ الَّذِي يَسْتَحِقُّهُ الأَعْلَى طَبَقَةً: أَخْلَدَ إلَى خَطَئِهِ، وَلَمْ
vol. 5, p. 396يُزِغْهُ١ عَنْ الْغَلَطِ وَازِعٌ٢، وَمَقَامُ التَّعْلِيمِ وَالتَّأْدِيبِ تَارَةً بِالْعُنْفِ، وَتَارَةً بِاللُّطْفِ، وَسُلُوكُ أَحَدِهِمَا يُفَوِّتُ فَائِدَةَ الآخَرِ، قَالَ اللَّهُ - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: {وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ} ٣ وَقِيلَ فِي التَّفْسِيرِ: إنَّهُ السَّائِلُ فِي الْعُلُومِ دُونَ سُؤَالِ الْمَالِ، وَقِيلَ: هُوَ عَامٌّ فِيهِمَا٤، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ٥.