فصل: تجزؤ الإجتهاد وخلاف العلماء فيه
59 paragraphs · vol. 5, p. 473
Page 1 of 2
- vol. 5, p. 473
...
-
"فَصْلٌ"
-
"الاجْتِهَادُ يَتَجَزَّأُ١" عِنْدَ أَصْحَابِنَا٢ وَالأَكْثَرِ، إذْ٣ لَوْ لَمْ يَتَجَزَّأْ لَزِمَ أَنْ يَكُونَ الْمُجْتَهِدُ عَالِمًا بِجَمِيعِ الْجُزْئِيَّاتِ، وَهُوَ مُحَالٌ إذْ جَمِيعُهَا لا يُحِيطُ بِهِ بَشَرٌ، وَلا يَلْزَمُ مِنْ الْعِلْمِ بِجَمِيعِ الْمَآخِذِ: الْعِلْمُ٤ بِجَمِيعِ الأَحْكَامِ٥؛ لأَنَّ بَعْضَ الأَحْكَامِ قَدْ يُجْهَلُ بِتَعَارُضِ الأَدِلَّةِ فِيهِ، أَوْ بِالْعَجْزِ عَنْ الْمُبَالَغَةِ فِي النَّظَرِ، إمَّا٦ لِمَانِعٍ
vol. 5, p. 474مِنْ تَشْوِيشِ فِكْرٍ، أَوْ غَيْرِهِ١.
-
وَقِيلَ٢: لا يَتَجَزَّأُ وَقِيلَ٣: يَتَجَزَّأُ فِي بَابٍ لا فِي مَسْأَلَةٍ٤ وَقِيلَ: فِي الْفَرَائِضِ لا فِي غَيْرِهَا٥.
-
"وَيَجُوزُ اجْتِهَادُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي أَمْرِ الدُّنْيَا، وَوَقَعَ" قَالَ ابْنُ مُفْلِحٍ إجْمَاعًا٦.
- vol. 5, p. 475
"وَ" يَجُوزُ اجْتِهَادُهُ أَيْضًا "فِي أَمْرِ الشَّرْعِ عَقْلاً وَشَرْعًا" عِنْدَ أَصْحَابِنَا وَالأَكْثَرِ١، وَعَزَاهُ الْوَاحِدِيُّ إلَى سَائِرِ الأَنْبِيَاءِ.
قَالَ: وَلا حُجَّةَ لِلْمَانِعِ فِي قَوْله تَعَالَى: {إنْ أَتَّبِعُ إلاَّ مَا يُوحَى إلَيَّ} ٢ فَإِنَّ الْقِيَاسَ عَلَى الْمَنْصُوصِ بِالْوَحْيِ: اتِّبَاعٌ لِلْوَحْيِ٣.
-
وَمَنَعَهُ الأَكْثَرُ مِنْ الأَشْعَرِيَّةِ وَالْمُعْتَزِلَةِ٤، وَقَالَ الْقَاضِي: إنَّهُ
vol. 5, p. 476ظَاهِرُ كَلامِ أَحْمَدَ فِي رِوَايَةِ ابْنِهِ١ عَبْدِ اللَّهِ.
-
"وَوَقَعَ" عَلَى الصَّحِيحِ عِنْدَ أَكْثَرِ أَصْحَابِنَا. قَالَ الْقَاضِي: أَوْمَأَ إلَيْهِ أَحْمَدُ قَالَ ابْنُ بَطَّةَ: وَذُكِرَ عَنْ أَحْمَدَ نَحْوُهُ.
-
وَاخْتَارَهُ الآمِدِيُّ وَابْنُ الْحَاجِبِ وَهُوَ مُقْتَضَى كَلامِ الرَّازِيِّ وَأَتْبَاعِهِ فِي الاسْتِدْلالِ٢ بِالْوَقَائِعِ وَغَيْرِهِمْ٣. وَقِيلَ: لَمْ يَقَعْ٤.
-
وَقِيلَ: بِالْوَقْفِ، لِتَعَارُضِ الأَدِلَّةِ٥.
- vol. 5, p. 477
وَاسْتُدِلَّ لِلصَّحِيحِ -الَّذِي هُوَ الْجَوَازُ وَالْوُقُوعُ- بِأَنَّهُ لا يَلْزَمُ مِنْهُ مُحَالٌ، وَبِأَنَّ الأَصْلَ مُشَارَكَتُهُ لأُمَّتِهِ، وَبِظَاهِرِ قَوْله تَعَالَى: {فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأَبْصَارِ} ١ وقَوْله سبحانه وتَعَالَى: {وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ} ٢ وَطَرِيقُ الْمُشَاوَرَةِ٣: الاجْتِهَادُ، وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ نَّهُ اسْتَشَارَ فِي أَسْرَى٤ بَدْرٍ فَأَشَارَ أَبُو بَكْرٍ بِالْفِدَاءِ وَعُمَرُ بِالْقَتْلِ، فَجَاءَ عُمَرُ مِنْ الْغَدِ، وَهُمَا يَبْكِيَانِ، وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "أَبْكِي لِلَّذِي عَرَضَ عَلَيَّ أَصْحَابُك مِنْ أَخْذِهِمْ الْفِدَاءَ٥ " وَأَنْزَلَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ٦ وَتَعَالَى: {مَا كَانَ
vol. 5, p. 478لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ} ١ وَأَيْضًا {عَفَا اللَّهُ عَنْك لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ} ٢.
قَالَ فِي الْفُنُونِ: هُوَ مِنْ أَعْظَمِ دَلِيلِ الرِّسَالَةِ٣، إذْ لَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِهِ لَسَتَرَ٤ عَلَى نَفْسِهِ، أَوْ صَوَّبَهُ٥ لِمَصْلَحَةٍ يَدَّعِيهَا، وَفِي الصَّحِيحَيْنِ "لَوْ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ لَمَا سُقْتُ الْهَدْيَ" ٦ وَإِنَّمَا يَكُونُ ذَلِكَ٧ فِيمَا لَمْ يُوحَ إلَيْهِ بِشَيْءٍ٨ فِيهِ، وَبِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا أَرَادَ أَنْ يَنْزِلَ بِبَدْرٍ دُونَ الْمَاءِ، قَالَ لَهُ الْحُبَابُ بْنُ الْمُنْذِرِ٩ " إنْ كَانَ هَذَا بِوَحْيٍ فَنَعَمْ، وَإِنْ كَانَ
vol. 5, p. 479الرَّأْيُ وَالْمَكِيدَةُ، فَانْزِلْ بِالنَّاسِ عَلَى الْمَاءِ لِتَحُولَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْعَدُوِّ فَقَالَ: لَيْسَ بِوَحْيٍ، إنَّمَا هُوَ رَأْيٌ١ وَاجْتِهَادٌ رَأَيْتُهُ، وَرَجَعَ إلَى قَوْلِهِ "٢ وَكَذَا إلَى قَوْلِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ٣، وَسَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ لَمَّا أَرَادَ صُلْحَ الأَحْزَابِ عَلَى٤ شَطْرِ نَخْلِ الْمَدِينَةِ، وَقَدْ كَتَبَ بَعْضَ الْكِتَابِ بِذَلِكَ، وَقَالا لَهُ" إنْ كَانَ بِوَحْيٍ: فَسَمْعًا وَطَاعَةً، وَإِنْ كَانَ بِاجْتِهَادٍ: فَلَيْسَ هَذَا هُوَ الرَّأْيُ"٥ وَاسْتَدَلَّ أَيْضًا بِغَيْرِ مَا
vol. 5, p. 480ذُكِرَ، فَدَلَّ ذَلِكَ كُلُّهُ عَلَى١ أَنَّهُ مُتَعَبَّدٌ بِالاجْتِهَادِ.
-
"وَ" عَلَى الْقَوْلِ بِجَوَازِ٢ اجْتِهَادِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَوُقُوعِهِ مِنْهُ "لا يُقَرُّ عَلَى خَطَإٍ" إجْمَاعًا، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ الْخَطَإِ٣، إلاَّ أَنَّهُ لا يُقَرُّ عَلَيْهِ، وَاخْتَارَ هَذَا ابْنُ الْحَاجِبِ وَالآمِدِيُّ، وَنَقَلَهُ عَنْ أَكْثَرِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَالْحَنَابِلَةِ. وَأَصْحَابِ الْحَدِيثِ٤.
-
وَمَنَعَ قَوْمٌ جَوَازَ الْخَطَإِ عَلَيْهِ٥، لِعِصْمَةِ مَنْصِبِ النُّبُوَّةِ عَنْ الْخَطَإِ فِي الاجْتِهَادِ٦.
- vol. 5, p. 481
"وَ" يَجُوزُ "اجْتِهَادُ مَنْ عَاصَرَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَقْلاً" عِنْدَ الأَكْثَرِ "وَشَرْعًا وَوَقَعَ١" .
-
ذَكَرَهُ الْقَاضِي فِي الْعُدَّةِ٢ وَابْنُ عَقِيلٍ فِي الْوَاضِحِ وَغَيْرُهُمَا. وَأَكْثَرُ الشَّافِعِيَّةِ وَالرَّازِيُّ وَأَتْبَاعُهُ وَابْنُ الْحَاجِبِ وَغَيْرُهُمْ٣.
-
وَقِيلَ: لا يَجُوزُ مُطْلَقًا٤.
- vol. 5, p. 482
وَقِيلَ: إنْ وَرَدَ الإِذْنُ بِذَلِكَ مِنْ الشَّارِعِ جَازَ وَإِلاَّ فَلا.
-
وَقِيلَ: يَجُوزُ لِلْغَائِبِينَ عَنْهُ دُونَ الْحَاضِرِينَ، لِقُدْرَتِهِمْ عَلَى الْوُقُوفِ عَلَى النَّصِّ١.
-
وَقَدْ حَكَى الأُسْتَاذُ أَبُو مَنْصُورٍ: الإِجْمَاعَ عَلَى جَوَازِ الاجْتِهَادِ فِي عَصْرِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلْغَائِبِ عَنْهُ.
-
وَاسْتَدَلَّ لِلْجَوَازِ وَالْوُقُوعِ بِنُزُولِ بَنِي قُرَيْظَةَ عَلَى حُكْمِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ فَأَرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ
vol. 5, p. 483عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَيْهِ١، فَجَاءَ٢ فَقَالَ: "نَزَلَ هَؤُلاءِ عَلَى حُكْمِك قَالَ: فَإِنِّي أَحْكُمُ بِقَتْلِ مُقَاتِلَتِهِمْ٣ وَسَبْيِ٤ ذَرَارِيِّهِمْ، فَقَالَ: قَضَيْتَ فِيهِمْ٥ بِحُكْمِ اللَّهِ تَعَالَى" مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ٦.
-
وَجَاءَهُ٧ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلانِ فَقَالَ لِعَمْرِو بْنِ الْعَاصِ٨: "اقْضِ بَيْنَهُمَا" فَقَالَ: وَأَنْتَ هُنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ:
vol. 5, p. 484"نَعَمْ" ١ وَعَنْ عُقْبَةَ٢ بْنِ عَامِرٍ٣ مَرْفُوعًا بِمِثْلِهِ٤ رَوَاهُمَا الدَّارَقُطْنِيُّ٥ وَغَيْرُهُ مِنْ رِوَايَةِ [فَرَجِ ٦] بْنِ فَضَالَةَ، وَضَعَّفَهُ الأَكْثَرُ٧.
- vol. 5, p. 485
وَلأَحْمَدَ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ مَعْقِلَ بْنَ يَسَارٍ١ أَنْ يَقْضِيَ بَيْنَ قَوْمٍ٢.
-
وَلأَبِي دَاوُد وَابْنِ مَاجَهْ وَالتِّرْمِذِيِّ وَحَسَّنَهُ أَنَّهُ بَعَثَ عَلِيًّا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَاضِيًا٣.
-
"وَمَنْ جَهِلَ وُجُودَهُ تَعَالَى" جَلَّ وَعَزَّ "أَوْ عَلِمَهُ، وَفَعَلَ" مَا لا يَصْدُرُ إلاَّ مِنْ كَافِرٍ "أَوْ قَالَ مَا لا يَصْدُرُ إلاَّ مِنْ كَافِرٍ إجْمَاعًا فَـ" ـهُوَ
vol. 5, p. 486"كَافِرٌ" وَلَوْ كَانَ مُقِرًّا بِالإِسْلامِ١.
قَالَ ابْنُ مُفْلِحٍ: تَبَعًا لِ " مُسْوَدَّةِ " بَنِي تَيْمِيَّةَ: مَنْ جَهِلَ وُجُودَ الرَّبِّ، أَوْ عَلِمَهُ وَفَعَلَ أَوْ قَالَ مَا أَجْمَعَتْ الأُمَّةُ أَنَّهُ لا يَصْدُرُ إلاَّ مِنْ كَافِرٍ٢ فَكَافِرٌ. انْتَهَى.
قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ فِي آخِرِ " الشِّفَاءِ " : وَكَذَا يَكْفُرُ٣ بِكُلِّ فِعْلٍ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ أَنَّهُ لا يَصْدُرُ إلاَّ مِنْ كَافِرٍ، وَإِنْ كَانَ صَاحِبُهُ مُصَرِّحًا بِالإِسْلامِ، مَعَ فِعْلِهِ ذَلِكَ الْفِعْلَ، كَالسُّجُودِ لِلصَّنَمِ أَوْ٤ لِلشَّمْسِ وَالْقَمَرِ وَالصَّلِيبِ وَالنَّارِ وَالسَّعْيِ إلَى الْكَنَائِسِ، وَالْبِيَعِ مَعَ أَهْلِهَا، [وَالتَّزَيِّي] ٥ بِزِيِّهِمْ مِنْ شَدِّ٦ الزُّنَّارِ وَنَحْوِهِ٧ - فَقَدْ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ أَنَّ هَذَا لا يُوجَدُ إلاَّ مِنْ كَافِرٍ وَأَنَّ هَذِهِ الأَفْعَالَ عَلامَةٌ عَلَى٨ الْكُفْرِ، وَإِنْ صَرَّحَ فَاعِلُهَا بِالإِسْلامِ٩. انْتَهَى.
- vol. 5, p. 487
"وَلا يُكَفِّرُ مُبْتَدِعٌ غَيْرَهُ" أَيْ غَيْرَ مَنْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ فِي رِوَايَةٍ اخْتَارَهَا الْقَاضِي وَابْنُ عَقِيلٍ وَابْنُ الْجَوْزِيِّ وَالْمُوَفَّقُ، وِفَاقًا لِلأَشْعَرِيِّ وَأَصْحَابِهِ، وَكَمُقَلِّدٍ فِي الأَصَحِّ فِيهِ عِنْدَ أَحْمَدَ ١وَأَصْحَابِهِ وَغَيْرِهِمْ٢، وَهَلْ يَفْسُقُ أَمْ٣ لا؟.
-
وَالْمَشْهُورُ عَنْ أَحْمَدَ فِي الدَّاعِيَةِ وَعَلَى ذَلِكَ أَكْثَرُ أَصْحَابِهِ: أَنَّهُ يَكْفُرُ وَإِلَى ذَلِكَ أُشِيرَ بِقَوْلِهِ "إلاَّ الدَّاعِيَةَ فِي رِوَايَةٍ" وَهِيَ الْمَشْهُورَةُ فِي الْمَذْهَبِ.
-
وَعَنْهُ لا يَكْفُرُ الدَّاعِيَةُ وَلا غَيْرُهُ وَعَنْهُ يَكْفُرَانِ.
-
"وَيَفْسُقُ مُقَلِّدٌ" فِي الْبِدَعِ "لا مُجْتَهِدٌ" فِيهَا، وَيَكُونُ فِسْقُ الْمُقَلِّدِ "بِمَا كَفَرَ بِهِ الدَّاعِيَةُ" .
قَالَ فِي شَرْحِ التَّحْرِيرِ: وَالصَّحِيحُ أَنَّ كُلَّ بِدْعَةٍ كَفَّرْنَا٤ فِيهَا٥ الدَّاعِيَةَ، فَإِنَّا٦ نُفَسِّقُ الْمُقَلِّدَ فِيهَا.
قَالَ الْمَجْدُ: الصَّحِيحُ أَنَّ كُلَّ بِدْعَةٍ لا تُوجِبُ الْكُفْرَ: لا يَفْسُقُ الْمُقَلِّدُ فِيهَا لِخِفَّتِهَا.
- vol. 5, p. 488
"وَلا يَفْسُقُ مَنْ لَمْ يُكَفِّرْ مَنْ كَفَّرْنَاهُ" قَالَهُ الْمَجْدُ.
-
"وَ" الْمُجْتَهِدُ "الْمُصِيبُ فِي" الأُمُورِ "الْعَقْلِيَّاتِ وَاحِدٌ" إجْمَاعًا؛ لأَنَّهُ لا سَبِيلَ إلَى أَنَّ كُلاًّ١ مِنْ النَّقِيضَيْنِ أَوْ الضِّدَّيْنِ حَقٌّ، بَلْ أَحَدُهُمَا فَقَطْ، وَالآخَرُ بَاطِلٌ، وَمَنْ لا يُصَادِفُ ذَلِكَ الْوَاحِدَ فِي الْوَاقِعِ: فَهُوَ ضَالٌّ آثِمٌ، وَإِنْ بَالَغَ فِي النَّظَرِ، وَسَوَاءٌ كَانَ مَدْرَكٌ ذَلِكَ عَقْلِيًّا٢ مَحْضًا. كَحُدُوثِ٣ الْعَالَمِ أَوْ٤ وُجُودِ الصَّانِعِ أَوْ شَرْعِيًّا مُسْتَنِدًا إلَى ثُبُوتِ أَمْرٍ عَقْلِيٍّ، كَعَذَابِ الْقَبْرِ وَالصِّرَاطِ وَالْمِيزَانِ٥.
-
"وَنَافِي الإِسْلام مُخْطِئٌ آثِمٌ كَافِرٌ مُطْلَقًا" يَعْنِي سَوَاءٌ قَالَ ذَلِكَ اجْتِهَادًا أَوْ بِغَيْرِ اجْتِهَادٍ عِنْدَ أَئِمَّةِ الإِسْلامِ، وَقَدْ ذُكِرَتْ هُنَا
vol. 5, p. 489أَقْوَالٌ تَنْفِرُ مِنْهَا الْقُلُوبُ، وَتَقْشَعِرُّ مِنْهَا الْجُلُودُ أَضْرَبْنَا عَنْهَا١.
-
"وَالْمَسْأَلَةُ الظَّنِّيَّةُ، الْحَقُّ فِيهَا: وَاحِدٌ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى. وَعَلَيْهِ دَلِيلٌ وَعَلَى الْمُجْتَهِدِ طَلَبُهُ، حَتَّى يَظُنَّ أَنَّهُ وَصَلَهُ، فَمَنْ أَصَابَهُ فَمُصِيبٌ، وَإِلاَّ فَمُخْطِئٌ مُثَابٌ" عِنْدَ أَحْمَدَ وَأَكْثَرِ أَصْحَابِهِ. وَقَالَهُ الأَوْزَاعِيُّ وَمَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَإِسْحَاقُ وَالْمُحَاسِبِيُّ وَابْنُ كُلاَّبٍ، وَذَكَرَهُ أَبُو الْمَعَالِي عَنْ مُعْظَمِ الْفُقَهَاءِ، وَذَكَرَهُ ابْنُ بُرْهَانٍ عَنْ الأَشْعَرِيِّ نَقَلَ ذَلِكَ ابْنُ مُفْلِحٍ٢.
- vol. 5, p. 490
قَالَ "وَثَوَابُهُ عَلَى قَصْدِهِ وَاجْتِهَادِهِ لا عَلَى الْخَطَإِ١" وَقَالَهُ٢ ابْنُ عَقِيلٍ وَغَيْرُهُ، وَبَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ: وَبَعْضُهُمْ عَلَى قَصْدِهِ٣.
-
وَفِي الْعُدَّةِ وَغَيْرِهَا: مُخْطِئٌ عِنْدَ اللَّهِ وَحُكْمًا٤.
-
"وَ" الْقَضِيَّةُ "الْجُزْئِيَّةُ الَّتِي فِيهَا نَصٌّ قَاطِعٌ: الْمُصِيبُ فِيهَا وَاحِدٌ بِالاتِّفَاقِ٥" وَإِنْ دَقَّ مَسْلَكُ ذَلِكَ الْقَاطِعِ٦.
- vol. 5, p. 491
"وَلا يَأْثَمُ مُجْتَهِدٌ فِي حُكْمٍ شَرْعِيٍّ اجْتِهَادِيٍّ، وَيُثَابُ" عِنْدَ الأَرْبَعَةِ وَغَيْرِهِمْ، وَخَالَفَ الظَّاهِرِيَّةُ وَجَمْعٌ١.
-
وَاسْتَدَلَّ لِلأَوَّلِ - وَهُوَ الصَّحِيحُ - بِإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ، فَإِنَّهُمْ اخْتَلَفُوا فِي كَثِيرٍ مِنْ الْمَسَائِلِ وَتَكَرَّرَ وَشَاعَ، مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ وَلا تَأْثِيمٍ، مَعَ الْقَطْعِ بِأَنَّهُ لَوْ خَالَفَ أَحَدٌ فِي أَحَدِ أَرْكَانِ
vol. 5, p. 492الإِسْلامِ الْخَمْسِ لأَنْكَرُوا١ كَمَانِعِي٢ الزَّكَاةِ وَالْخَوَارِجِ.
-
"وَلا" يَأْثَمُ أَيْضًا "مَنْ بَذَلَ وُسْعَهُ، وَ٣لَوْ خَالَفَ" دَلِيلاً "قَاطِعًا وَإِلاَّ أَثِمَ لِتَقْصِيرِهِ" .
-
أَمَّا عَدَمُ إثْمِهِ إذَا بَذَلَ وُسْعَهُ: فَلأَنَّهُ مَعْذُورٌ، وَلا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلاَّ وُسْعَهَا، وَقَدْ أَتَى بِمَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ.
-
وَأَمَّا إذَا لَمْ يَبْذُلْ وُسْعَهُ: فَإِنَّهُ يَأْثَمُ؛ لِكَوْنِهِ قَصَّرَ فِي بَذْلِ الْوُسْعِ٤.