فصل في وقوع المجاز وتعارضة مع الحقيقة
19 paragraphs · vol. 1, p. 191
- vol. 1, p. 191
...
-
"فَصْلٌ" "الْمَجَازُ وَاقِعٌ" فِي اللُّغَةِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ. وَاحْتُجَّ عَلَى ذَلِكَ بِالأَسَدِ لِلشُّجَاعِ، وَالْحِمَارِ لِلْبَلِيدِ، وَقَامَتْ الْحَرْبُ عَلَى سَاقٍ، وَشَابَتْ لَمَّةُ اللَّيْلِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا لا يُحْصَرُ١.
-
"وَلَيْسَ" الْمَجَازُ "بِأَغْلَبَ" ٢ مِنْ الْحَقِيقَةِ٣، خِلافًا لابْنِ جِنِّي٤ وَمَنْ تَبِعَهُ.
-
"وَهُوَ" أَيْ الْمَجَازُ "فِي الْحَدِيثِ" أَيْ حَدِيثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "وَ" فِي "الْقُرْآنِ" لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ} ٥ وَ {الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ} ٦، {وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ} ٧، {وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا} ٨ {وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا} ٩، {اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ} ١٠ وَغَيْرُ ذَلِكَ كَثِيرٌ١١. وَهَذَا الصَّحِيحُ عِنْدَ الإِمَامِ أَحْمَدَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ. وَأَكْثَرِ أَصْحَابِهِ.
vol. 1, p. 192قَالَ الْقَاضِي: نَصَّ الإِمَامُ أَحْمَدُ عَلَى أَنَّ الْمَجَازَ فِي الْقُرْآنِ. فَقَالَ فِي قَوْله تَعَالَى: {إنَّا نَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ} ١ وَ "نَعْلَمُ" وَ "مُنْتَقِمُونَ" : هَذَا مِنْ مَجَازِ اللُّغَةِ يَقُولُ الرَّجُلُ: إنَّا سَنُجْرِي عَلَيْكَ٢ رِزْقَك٣.
-
وَعَنْهُ رِوَايَةٌ أُخْرَى: لَيْسَ فِي الْقُرْآنِ مِنْهُ شَيْءٌ. حَكَاهُ الْفَخْرُ إسْمَاعِيلُ. وَاخْتَارَهُ ابْنُ حَامِدٍ٤.
-
"وَلَيْسَ فِيهِ" أَيْ فِي الْقُرْآنِ لَفْظٌ "غَيْرُ عَلَمٍ إلاَّ عَرَبِيٌّ" اخْتَارَهُ مِنْ أَصْحَابِنَا أَبُو بَكْرٍ عَبْدُ الْعَزِيزِ٥، وَالْقَاضِي، وَأَبُو الْخَطَّابِ، وَابْنُ عَقِيلٍ،
vol. 1, p. 193وَالْمَجْدُ١، وَأَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ، مِنْهُمْ الإِمَامُ الشَّافِعِيُّ٢، وَأَبُو عُبَيْدٍة٣، وَابْنُ جَرِيرٍ، وَالْبَاقِلاَّنِيّ، وَابْنُ فَارِسٍ٤، وَغَيْرُهُمْ، لِمَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ مِنْ الآيَاتِ الْكَثِيرَةِ الْوَارِدَةِ فِي الْقُرْآنِ٥.
- vol. 1, p. 194
وَذَهَبَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا، وَعِكْرِمَةُ١ وَمُجَاهِد٢ٌ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ٣، وَعَطَاءٌ٤، وَغَيْرُهُمْ: إلَى أَنَّ فِيهِ أَلْفَاظًا بِغَيْرِ الْعَرَبِيَّةِ٥.
-
وَنُقِلَ٦ عَنْ أَبِي عُبَيْدٍ٧ أَنَّهُ قَالَ: الصَّوَابُ عِنْدِي مَذْهَبٌ فِيهِ
vol. 1, p. 195تَصْدِيقُ١ الْقَوْلَيْنِ جَمِيعًا. وَذَلِكَ: أَنَّ هَذِهِ [الأَحْرُفَ] ٢ أُصُولُهَا أَعْجَمِيَّةٌ - كَمَا قَالَ الْفُقَهَاءُ-، لَكِنَّهَا وَقَعَتْ لِلْعَرَبِ. فَعُرِّبَتْ٣ بِأَلْسِنَتِهَا، وَحَوَّلَتْهَا عَنْ أَلْفَاظِ الْعَجَمِ إلَى أَلْفَاظِهَا فَصَارَتْ عَرَبِيَّةً، ثُمَّ نَزَلَ الْقُرْآنُ - وَقَدْ اخْتَلَطَتْ هَذِهِ الْحُرُوفُ بِكَلامِ الْعَرَبِ- فَمَنْ قَالَ٤: إنَّهَا عَرَبِيَّةٌ فَهُوَ صَادِقٌ، [وَمَنْ قَالَ أَعْجَمِيَّةٌ فَصَادِقٌ] ٥.
-
"وَمَجَازٌ رَاجِحٌ" أَيْ وَالْعَمَلُ بِمَجَازٍ رَاجِحٍ "أَوْلَى" بِالْحُكْمِ "مِنْ ٦ حَقِيقَةٍ مَرْجُوحَةٍ٦ " وَقِيلَ: هِيَ مَا لَمْ تُهْجَرْ٧. وَتَنْقَسِمُ مَسْأَلَةُ تَعَارُضِ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ إلَى أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ٨:
الأَوَّلُ: أَنْ يَكُونَ الْمَجَازُ مَرْجُوحًا لا يُفْهَمُ إلاَّ بِقَرِينَةٍ٩. - كَالأَسَدِ لِلشُّجَاعِ - فَيُقَدَّمُ فِي هَذَا الْقِسْمِ الْحَقِيقَةُ لِرُجْحَانِهَا.
- vol. 1, p. 196
الْقِسْمُ الثَّانِي: أَنْ يَغْلِبَ اسْتِعْمَالُهُ، حَتَّى يُسَاوِيَ الْحَقِيقَةَ. فَتُقَدَّمُ الْحَقِيقَةُ أَيْضًا ١ عَدَمِ رُجْحَانِ الْمَجَازِ١.
-
الْقِسْمُ الثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ الْمَجَازُ رَاجِحًا، وَالْحَقِيقَةُ مُمَاتَةً، لا تُرَادُ فِي الْعُرْفِ فَيُقَدَّمُ الْمَجَازُ؛ لأَنَّهُ إمَّا حَقِيقَةٌ شَرْعِيَّةٌ كَالصَّلاةِ، أَوْ عُرْفِيَّةٌ كَالدَّابَّةِ. فَلا خِلافَ فِي تَقْدِيمِهِ٢ عَلَى الْحَقِيقَةِ اللُّغَوِيَّةِ.
-
مِثَالُهُ: لَوْ حَلَفَ لا يَأْكُلُ مِنْ هَذِهِ النَّخْلَةِ. فَأَكَلَ مِنْ ثَمَرِهَا حَنِثَ، وَإِنْ أَكَلَ مِنْ خَشَبِهَا لَمْ يَحْنَثْ، وَإِنْ كَانَ الْخَشَبُ هُوَ الْحَقِيقَةُ.
-
الْقِسْمُ الرَّابِعُ: أَنْ يَكُونَ الْمَجَازُ رَاجِحًا، وَالْحَقِيقَةُ تَتَعَاهَدُ فِي بَعْضِ الأَوْقَاتِ. فَهَذِهِ مَحَلُّ٣ الْخِلافِ عِنْدَ الأَكْثَرِ. كَمَا لَوْ حَلَفَ لَيَشْرَبَنَّ مِنْ هَذَا النَّهْرِ. فَهُوَ حَقِيقَةٌ فِي الْكَرْعِ مِنْهُ بِفِيهِ، وَلَوْ اغْتَرَفَ بِكُوزٍ وَشَرِبَ فَهُوَ مَجَازٌ؛ لأَنَّهُ شَرِبَ مِنْ الْكُوزِ، لا مِنْ النَّهْرِ، لَكِنَّهُ مَجَازٌ رَاجِحٌ يَتَبَادَرُ إلَى الْفَهْمِ. فَيَكُونُ٤ أَوْلَى مِنْ الْحَقِيقَةِ، وَإِنْ كَانَتْ قَدْ تُرَادُ؛ لأَنَّ كَثِيرًا٥ مِنْ الرِّعَاءِ٦ وَغَيْرِهِمْ يَكْرَعُ ٥ بِفِيهِ.
-
"وَلَوْ لَمْ يَنْتَظِمْ كَلامٌ" أَيْ لَوْ لَمْ يَصِحَّ الْكَلامُ "إلاَّ بِارْتِكَابِ مَجَازِ زِيَادَةٍ أَوْ" بِارْتِكَابِ مَجَازِ "نَقْصٍ، فَنَقْصٌ" أَيْ فَارْتِكَابُ مَجَازِ نَقْصٍ "أَوْلَى" لأَنَّ الْحَذْفَ فِي كَلامِ الْعَرَبِ أَكْثَرُ مِنْ الزِّيَادَةِ. قَالَهُ كَثِيرٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ٧.
- vol. 1, p. 197
وَيَتَفَرَّعُ عَلَى ذَلِكَ١ مَسْأَلَةٌ فِقْهِيَّةٌ. وَهِيَ مَا إذَا قَالَ لِزَوْجَتَيْهِ: "إنْ حِضْتُمَا حَيْضَةً فَأَنْتُمَا طَالِقَتَانِ" ، إذْ لا شَكَّ فِي اسْتِحَالَةِ اشْتِرَاكِهِمَا فِي حَيْضَةٍ، وَتَصْحِيحُ الْكَلامِ هُنَا إمَّا بِدَعْوَى زِيَادَةِ لَفْظِ٢ "حَيْضَةٍ" فَكَأَنَّهُ اقْتَصَرَ عَلَى "إنْ٣ حِضْتُمَا" ، وَإِمَّا بِدَعْوَى الإِضْمَارِ. وَتَقْدِيرُهُ: "إنْ حَاضَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْكُمَا حَيْضَةً" .
-
وَفِي الْمَسْأَلَةِ لأَصْحَابِنَا أَرْبَعَةُ أَوْجُهٍ:
أَحَدُهَا: سُلُوكُ الزِّيَادَةِ، وَيَصِيرُ التَّقْدِيرُ: "إنْ حِضْتُمَا فَأَنْتُمَا طَالِقَتَانِ" ، فَإِذَا طَعَنَتَا٤ فِي الْحَيْضِ طَلَقَتَا. وَهُوَ قَوْلُ الْقَاضِي أَبِي يَعْلَى وَغَيْرِهِ، وَهُوَ الْمَشْهُورُ فِي الْمَذْهَبِ.
-
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: سُلُوكُ النَّقْصِ، - وَهُوَ الإِضْمَارُ-، فَلا تَطْلُقُ وَاحِدَةٌ مِنْهُمَا حَتَّى تَحِيضَ كُلُّ وَاحِدَةٍ حَيْضَةً، وَيَكُونُ التَّقْدِيرُ كَمَا تَقَدَّمَ: "إنْ حَاضَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْكُمَا حَيْضَةً فَأَنْتُمَا طَالِقَتَانِ" . نَظِيرُهُ قَوْله تَعَالَى: {فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً} ٥ ٦ أَيْ اجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا٧ ثَمَانِينَ جَلْدَةً ٦ وَهُوَ قَوْلُ الْمُوَفَّقِ، وَالْمَجْدِ وَالشَّارِحِ وَابْنِ حَمْدَانَ وَغَيْرِهِمْ، وَهُوَ مُوَافِقٌ لِلْقَاعِدَةِ.
-
وَالْوَجْهُ الثَّالِثُ: يُطَلَّقَانِ بِحَيْضَةٍ مِنْ إحْدَاهُمَا، لأَنَّهُ لَمَّا تَعَذَّرَ وُجُودُ الْفِعْلِ مِنْهُمَا وَجَبَ إضَافَتُهُ إلَى إحْدَاهُمَا، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ
vol. 1, p. 198وَالْمَرْجَانُ} ١ وَإِنَّمَا يَخْرُجُ مِنْ أَحَدِهِمَا.
-
وَالْوَجْهُ الرَّابِعُ: لا يُطَلَّقَانِ بِحَالٍ، بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ لا يَقَعُ الطَّلاقُ الْمُعَلَّقُ "عَلَى الْمُحَالِ" ٢.