فصل في أنواع المجاز
94 paragraphs · vol. 1, p. 157
Page 1 of 3
- vol. 1, p. 157
...
- [النَّوْعُ] الأَوَّلُ إطْلاقُ السَّبَبِ عَلَى الْمُسَبَّبِ
- وَهُوَ أَرْبَعَةُ أَقْسَامٍ١:
-
الْقِسْمُ الأَوَّلُ: الْقَابِلِيُّ، وَهُوَ الْمُشَارُ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ "بِسَبَبٍ قَابِلِيٍّ" أَيْ عَنْ مُسَبَّبٍ، وَهُوَ تَسْمِيَةُ الشَّيْءِ بِاسْمِ قَابِلِهِ٢، كَقَوْلِهِمْ: "سَالَ الْوَادِي" ، وَالأَصْلُ: سَالَ الْمَاءُ فِي الْوَادِي، لَكِنْ لَمَّا كَانَ الْوَادِي سَبَبًا قَابِلاً لِسَيَلانِ الْمَاءِ فِيهِ، صَارَ الْمَاءُ مِنْ حَيْثُ الْقَابِلِيَّةُ كَالْمُسَبَّبِ٣ لَهُ. فَوُضِعَ لَفْظُ الْوَادِي مَوْضِعَهُ.
-
الْقِسْمُ الثَّانِي: السَّبَبُ الصُّورِيُّ،٤ وَهُوَ الْمُشَارُ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ "وَصُورِيٌّ" أَيْ وَبِسَبَبٍ ٥ صُورِيٍّ ٤، كَقَوْلِهِمْ: "هَذِهِ صُورَةُ الأَمْرِ وَالْحَالُ٦" ، أَيْ حَقِيقَتُهُ٧.
- vol. 1, p. 158
الْقِسْمُ الثَّالِثُ: السَّبَبُ الْفَاعِلِيُّ، وَهُوَ الْمُشَارُ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: "وَفَاعِلِيٍّ" أَيْ وَبِسَبَبٍ١ فَاعِلِيٍّ، كَقَوْلِهِمْ: "نَزَلَ السَّحَابُ" ، أَيْ الْمَطَرُ، لَكِنَّ فَاعِلِيَّتَهُ بِاعْتِبَارِ الْعَادَةِ٢ كَمَا تَقُولُ: "أَحْرَقَتْ النَّارُ" ، وَكَقَوْلِهِمْ لِلْمَطَرِ: سَمَاءٌ، لأَنَّ السَّمَاءَ فَاعِلٌ٣ مَجَازِيٌّ لِلْمَطَرِ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِمْ: "أَمْطَرَتْ السَّمَاءُ" ، وَقَالَ الشَّاعِرُ:
إذَا نَزَلَ السَّمَاءُ بِأَرْضِ قَوْمٍ ... رَعَيْنَاهُ وَإِنْ كَانُوا غِضَابَا٤
أَيْ الْمَطَرُ.
-
الْقِسْمُ الرَّابِعُ: الْغَائِيُّ٥، وَهُوَ الْمُشَارُ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ "وَغَائِيٌّ" أَيْ: وَيُتَجَوَّزُ بِسَبَبٍ غَائِيٍّ "عَنْ مُسَبَّبٍ" كَتَسْمِيَةِ الْعَصِيرِ خَمْرًا، وَالْحَدِيدِ خَاتَمًا، وَالْعَقْدِ نِكَاحًا لأَنَّهُ غَايَتُهُ.
- vol. 1, p. 159
النَّوْعُ١ الثَّانِي
إطْلاقُ الْعِلَّةِ عَلَى الْمَعْلُولِ
وَهُوَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ "وَبِعِلَّةٍ" أَيْ عَنْ مَعْلُولٍ كَمَا يَأْتِي فِي الْمَتْنِ، كَقَوْلِهِمْ: "رَأَيْت اللَّهَ فِي كُلِّ شَيْءٍ" ؛ لأَنَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى مُوجِدُ كُلِّ شَيْءٍ وَعِلَّتُهُ، فَأُطْلِقَ لَفْظُهُ عَلَيْهِ. وَمَعْنَاهُ: رَأَيْت كُلَّ شَيْءٍ. فَاسْتَدْلَلْت بِهِ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى.
-
النَّوْعُ الثَّالِثُ
إطْلاقُ اللاَّزِمِ عَلَى الْمَلْزُومِ
وَهُوَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ "وَلازِمٍ" أَيْ وَيُتَجَوَّزُ بِلازِمٍ عَنْ مَلْزُومٍ، كَتَسْمِيَةِ السَّقْفِ جِدَارًا٢، وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ٣:
قَوْمٌ إذَا حَارَبُوا شَدُّوا مَآزِرَهُمْ ... دُونَ النِّسَاءِ وَلَوْ بَاتَتْ بِأَطْهَارِ
يُرِيدُ بِشَدِّ الإِزَارِ: الاعْتِزَالَ عَنْ النِّسَاءِ. وَمِنْهُ إطْلاقُ الْمَسِّ عَلَى الْجِمَاعِ غَالِبًا، ٤ لأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ الْجِمَاعُ بِحَائِلٍ ٤.
- vol. 1, p. 160
النَّوْعُ الرَّابِعُ
إطْلاقُ١ الأَثَرِ عَلَى الْمُؤَثِّرِ
وَهُوَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ "وَأَثَرٍ" أَيْ عَنْ مُؤَثِّرٍ، كَتَسْمِيَةِ مَلَكِ الْمَوْتِ مَوْتًا، وَكَقَوْلِ الشَّاعِرِ يَصِفُ ظَبْيَةً٢:
فَإِنَّمَا هِيَ إقْبَالٌ وَإِدْبَارُ
النَّوْعُ الْخَامِسُ
إطْلاقُ الْمَحَلِّ عَلَى الْحَالِّ
وَهُوَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ "وَمَحَلٍّ" أَيْ عَنْ حَالٍّ، كَقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلْعَبَّاسِ٣ "لا يَفْضُضْ اللَّهُ فَاك٤" أَيْ: أَسْنَانَك، إذْ الْفَمُ مَحَلُّ الأَسْنَانِ. وَكَتَسْمِيَةِ الْمَالِ
vol. 1, p. 161كِيسًا، كَقَوْلِهِمْ١: "هَاتِ الْكِيسَ" ، وَالْمُرَادُ: الْمَالُ الَّذِي فِيهِ٢.
-
النَّوْعُ السَّادِسُ
إطْلاقُ الْكُلِّ عَلَى الْبَعْضِ
وَهُوَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ "وَكُلٍّ" أَيْ عَنْ بَعْضٍ٣. وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى: {يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ} ٤ أَيْ أَنَامِلَهُمْ٥.
- vol. 1, p. 162
النَّوْعُ السَّابِعُ
إطْلاقُ الْمُتَعَلِّقِ - بِكَسْرِ اللاَّمِ - عَلَى الْمُتَعَلَّقِ – بِفَتْحِهَا -
وَالْمُرَادُ التَّعَلُّقُ الْحَاصِلُ بَيْنَ١ الْمَصْدَرِ وَاسْمِ الْفَاعِلِ وَاسْمِ الْمَفْعُولِ. فَشَمِلَ سِتَّةَ أَقْسَامٍ٢ وَهُوَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ "وَمُتَعَلِّقٍ" بِكَسْرِ اللاَّمِ، أَيْ عَنْ مُتَعَلَّقٍ، بِفَتْحِهَا.
-
الْقِسْمُ الأَوَّلُ - مِنْ السِّتَّةِ-: إطْلاقُ الْمَصْدَرِ عَلَى اسْمِ الْمَفْعُولِ، وَمِنْ ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى: {هَذَا خَلْقُ اللَّهِ} ٣ أَيْ مَخْلُوقُهُ.
-
الثَّانِي: عَكْسُهُ، وَهُوَ إطْلاقُ اسْمِ الْمَفْعُولِ عَلَى الْمَصْدَرِ. وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى: {بِأَيِّكُمْ الْمَفْتُونُ} ٤ أَيْ الْفِتْنَةُ.
-
الْقِسْمُ الثَّالِثُ: إطْلاقُ الْمَصْدَرِ عَلَى اسْمِ٥ الْفَاعِلِ. كَقَوْلِهِمْ: "رَجُلٌ عَدْلٌ" أَيْ عَادِلٌ.
-
الرَّابِعُ: عَكْسُهُ. وَهُوَ إطْلاقُ اسْمِ الْفَاعِلِ عَلَى الْمَصْدَرِ. كَقَوْلِهِمْ: "قُمْ قَائِمًا" ٦، وَكَقَوْلِهِمْ: "يَخْشَى اللاَّئِمَةَ" يَعْنِي اللَّوْمَ.
- vol. 1, p. 163
الْقِسْمُ الْخَامِسُ: إطْلاقُ اسْمِ الْفَاعِلِ عَلَى [اسْمِ] الْمَفْعُولِ. وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى: {مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ} ١ أَيْ مَدْفُوقٍ، و {عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ} ٢. أَيْ مَرْضِيَّةٍ.
-
السَّادِسُ: عَكْسُهُ، إطْلاقُ٣ اسْمِ الْمَفْعُولِ عَلَى اسْمِ٤ الْفَاعِلِ. وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى {حِجَابًا مَسْتُورًا} ٥ أَيْ سَاتِرًا.
-
إذَا تَقَرَّرَ هَذَا: فَقَوْلُهُ "عَنْ مَعْلُولٍ" مُتَمِّمٌ لِقَوْلِهِ "بِعِلَّةٍ" وَرَاجِعٌ إلَيْهِ. فَإِذَا قُدِّرَ كُلٌّ مِنْ ذَلِكَ بِإِزَاءِ مَا هُوَ رَاجِعٌ إلَيْهِ كَانَ الْكَلامُ: وَيُتَجَوَّزُ بِعِلَّةٍ عَنْ مَعْلُولِ "وَ" لازِمٍ عَنْ "مَلْزُومٍ، وَ" أَثَرٍ عَنْ "مُؤَثِّرٍ، وَ" مَحَلٍّ عَنْ "حَالٍّ، وَ" كُلٍّ عَنْ "بَعْضٍ، وَ" مُتَعَلِّقٍ - بِكَسْرِ اللاَّمِ - عَنْ "مُتَعَلَّقٍ" بِفَتْحِهَا.
-
النَّوْعُ الثَّامِنُ
إطْلاقُ مَا بِالْقُوَّةِ عَلَى مَا بِالْفِعْلِ٦
وَهُوَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ "وَبِمَا بِالْقُوَّةِ عَنْ مَا بِالْفِعْلِ" كَتَسْمِيَةِ الْخَمْرِ فِي الدَّنِّ
vol. 1, p. 164مُسْكِرًا. وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ" ١ لأَنَّ فِيهِ قُوَّةَ الإِسْكَارِ.
-
وَيَدْخُلُ فِي قَوْلِهِ "وَبِالْعَكْسِ فِي الْكُلِّ" :
النَّوْعُ التَّاسِعُ
وَهُوَ إطْلاقُ الْمُسَبَّبِ عَلَى السَّبَبِ
كَإِطْلاقِ الْمَوْتِ عَلَى الْمَرَضِ الشَّدِيدِ٢.
-
وَالنَّوْعُ الْعَاشِرُ
وَهُوَ إطْلاقُ الْمَعْلُولِ عَلَى الْعِلَّةِ ٣
وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى: {إذَا قَضَى أَمْرًا} ٤ أَيْ إذَا أَرَادَ أَنْ يَقْضِيَ أَمْرًا، فَالْقَضَاءُ مَعْلُولُ الإِرَادَةِ. وَمِنْهُ أَيْضًا قَوْله تَعَالَى: {وَإِنْ حَكَمْت فَاحْكُمْ} ٥ أَيْ إذَا أَرَدْت أَنْ تَحْكُمَ.
- vol. 1, p. 165
وَالنَّوْعُ الْحَادِيَ عَشَرَ
وَهُوَ إطْلاقُ الْمَلْزُومِ عَلَى اللاَّزِمِ
كَتَسْمِيَةِ الْعِلْمِ حَيَاةً١. وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى: {أَمْ أَنْزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا فَهُوَ يَتَكَلَّمُ} ٢ أَيْ بُرْهَانًا فَهُوَ يَدُلُّهُمْ. سُمِّيَتْ الدَّلالَةُ٣ كَلامًا، لأَنَّهَا مِنْ لَوَازِمِهِ وَمِنْهُ قَوْلُ الْحُكَمَاءِ: "كُلُّ صَامِتٍ نَاطِقٌ بِمُوجِدِهِ" . أَيْ الصَّنْعَةُ فِيهِ تَدُلُّ عَلَى مُحْدِثِهِ. فَكَأَنَّهُ يَنْطِقُ٤.
-
وَالنَّوْعُ الثَّانِي عَشَرَ
وَهُوَ إطْلاقُ الْمُؤَثِّرِ عَلَى الأَثَرِ
كَقَوْلِ الْقَائِلِ: "رَأَيْت اللَّهَ" ، وَ "مَا أَرَى فِي الْوُجُودِ إلاَّ اللَّهَ تَعَالَى" ، يُرِيدُ آثَارَهُ. وَالدَّلالَةَ عَلَيْهِ فِي الْعَالَمِ، وَكَقَوْلِهِمْ فِي الأُمُورِ الْمُهِمَّةِ: "هَذِهِ إرَادَةُ اللَّهِ تَعَالَى" ، أَيْ مُرَادُهُ النَّاشِئُ عَنْ إرَادَتِهِ.
-
وَالنَّوْعُ الثَّالِثَ عَشَرَ
وَهُوَ إطْلاقُ الْحَالِ عَلَى الْمَحَلِّ
كَتَسْمِيَةِ الْكِيسِ مَالاً وَالْكَأْسِ خَمْرًا٥. وَمِنْهُ {وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} ٦ أَيْ فِي الْجَنَّةِ؛ لأَنَّهَا مَحَلُّ الرَّحْمَةِ.
- vol. 1, p. 166
وَالنَّوْعُ الرَّابِعَ عَشَرَ
وَهُوَ إطْلاقُ الْبَعْضِ عَلَى الْكُلِّ١
وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى: {فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ} ٢ وَالْعِتْقُ إنَّمَا هُوَ لِلْكُلِّ. وَمِنْهُ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "عَلَى الْيَدِ مَا أَخَذَتْ حَتَّى تُؤَدِّيَهُ" ٣ فَالْمُرَادُ صَاحِبُ الْيَدِ بِكَمَالِهِ، وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى: {كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إلاَّ وَجْهَهُ} ٤.
-
وَالنَّوْعُ الْخَامِسَ عَشَرَ
وَهُوَ إطْلاقُ الْمُتَعَلَّقِ - بِفَتْحِ اللاَّمِ- عَلَى الْمُتَعَلِّقِ - بِكَسْرِهَا-
كَقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "تَحِيضِي فِي عِلْمِ اللَّهِ سِتًّا أَوْ سَبْعًا" ٥ فَإِنَّ التَّقْدِيرَ: تَحِيضِي سِتًّا أَوْ سَبْعًا. وَهُوَ مَعْلُومُ اللَّهِ تَعَالَى٦.
- vol. 1, p. 167
وَالنَّوْعُ السَّادِسَ عَشَرَ
وَهُوَ إطْلاقُ مَا بِالْفِعْلِ عَلَى مَا بِالْقُوَّةِ١
كَتَسْمِيَةِ الإِنْسَانِ الْحَقِيقِيِّ نُطْفَةً. وَهَذَا آخِرُ مَا دَخَلَ تَحْتَ قَوْلِهِ "وَبِالْعَكْسِ فِي الْكُلِّ" .
-
وَالنَّوْعُ السَّابِعَ عَشَرَ
أَنْ يُتَجَوَّزَ "بِاعْتِبَارِ وَصْفٍ زَائِلٍ"
-
كَإِطْلاقِ الْعَبْدِ عَلَى الْعَتِيقِ٢. وَمِنْهُ {وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ} ٣ عِنْدَ الأَكْثَرِ، وَمِثْلُهُ قَوْله تَعَالَى: {وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ} ٤ وَقَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "أَيُّمَا رَجُلٍ وَجَدَ مَالَهُ عِنْدَ رَجُلٍ قَدْ أَفْلَسَ فَصَاحِبُ الْمَتَاعِ أَحَقُّ بِمَتَاعِهِ" ٥.
قَالَ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ: "الَّذِي كَانَ صَاحِبُ الْمَتَاعِ، وَاَلَّتِي٦ كَانَتْ
vol. 1, p. 168أَرْضُهُمْ: وَاَللاَّتِي١ كُنَّ أَزْوَاجًا، وَهُوَ مَجَازٌ مُسْتَعْمَلٌ يَجْرِي مَجْرَى الْحَقِيقَةِ. وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ: دَرْبُ فُلانٍ، وَقَطِيعَةُ٢ فُلانٍ، وَنَهْرُ فُلانٍ "٣.
-
وَمَحَلُّ صِحَّةِ الإِطْلاقِ بِاعْتِبَارِ وَصْفٍ زَائِلٍ إذَا "لَمْ يَلْتَبِسْ٤ حَالَ الإِطْلاقِ بِضِدِّهِ " أَيْ بِضِدِّ الْوَصْفِ الزَّائِلِ. فَلا يُقَالُ لِلشَّيْخِ طِفْلٌ، بِاعْتِبَارِ مَا كَانَ، وَلا لِلثَّوْبِ الْمَصْبُوغِ أَبْيَضُ بِاعْتِبَارِ مَا كَانَ.
-
النَّوْعُ الثَّامِنَ عَشَرَ
أَنْ يُتَجَوَّزَ بِوَصْفٍ يَؤُولُ٥ قَطْعًا، أَوْ ظَنًّا
وَهُوَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ "أَوْ آيِلٍ " أَيْ الْوَصْفِ " قَطْعًا " كَإِطْلاقِ الْمَيِّتِ عَلَى الْحَيِّ وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى: {إنَّك مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ} ٦.
-
"أَوْ " آيِلٍ " ظَنًّا " كَإِطْلاقِ الْخَمْرِ عَلَى الْعَصِيرِ " بِفِعْلٍ " مُتَعَلِّقٌ بِآيِلٍ، أَيْ بِوَصْفٍ آيِلٍ بِفِعْلٍ، كَإِطْلاقِ الْخَمْرِ عَلَى الْعِنَبِ بِاعْتِبَارِ أَيْلُولَتِهِ بِعَصْرِ الْعَصَّارِ٧. " أَوْ قُوَّةٍ" يَعْنِي: أَوْ وَصْفٍ آيِلٍ بِالْقُوَّةِ دُونَ
vol. 1, p. 169الْفِعْلِ، كَإِطْلاقِ الْمُسْكِرِ عَلَى الْخَمْرِ، بِاعْتِبَارِ أَيْلُولَيةِ١ الْخَمْرِ إلَى الإِسْكَارِ٢.
-
وَعُلِمَ مِمَّا تَقَدَّمَ: أَنَّهُ لا يَتَجَوَّزُ بِوَصْفٍ آيِلٍ شَكًّا، كَالْعَبْدِ، فَإِنَّهُ لا يُطْلَقُ عَلَيْهِ حُرٌّ مَعَ احْتِمَالِ عِتْقِهِ وَعَدَمِهِ٣.
-
"وَ" النَّوْعُ التَّاسِعَ عَشَرَ
أَنْ يَكُونَ الْكَلامُ مَجَازًا بِاعْتِبَارِ "زِيَادَةٍ" ٤
وَذَكَرُوا أَنَّ مِنْهُ قَوْله تَعَالَى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} ٥. قَالُوا: إنَّ الْكَافَ زَائِدَةٌ، وَأَنَّ٦ الْمَعْنَى لَيْسَ مِثْلَهُ. وَقِيلَ: الزَّائِدُ "مِثْلُ" أَيْ٧: لَيْسَ كَهُوَ شَيْءٌ.
vol. 1, p. 170قَالُوا: وَإِنَّمَا حُكِمَ بِزِيَادَةِ أَحَدِهِمَا لِئَلاَّ يَلْزَمَ أَنْ يَكُونَ لِلَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى مِثْلٌ، وَهُوَ مُنَزَّهٌ عَنْ ذَلِكَ، لأَنَّ نَفْيَ مِثْلِ الْمِثْلِ يَقْتَضِي ثُبُوتَ مِثْلٍ، وَهُوَ مُحَالٌ، أَوْ يَلْزَمُ نَفْيُ الذَّاتِ؛ لأَنَّ مِثْلَ١ مِثْلِ الشَّيْءِ هُوَ ذَلِكَ الشَّيْءُ، وَثُبُوتُهُ وَاجِبٌ فَتَعَيَّنَ أَنْ لا يُرَادَ نَفْيُ ذَلِكَ إمَّا بِزِيَادَةِ الْكَافِ، أَوْ بِزِيَادَةِ "مِثْلِ" .
قَالَ ابْنُ جِنِّي٢: "كُلُّ حَرْفٍ زِيدَ فِي الْكَلامِ٣ الْعَرَبِيِّ، فَهُوَ قَائِمٌ مَقَامَ إعَادَةِ الْجُمْلَةِ مَرَّةً أُخْرَى" ٤. فَيَكُونُ مَعْنَى الآيَةِ: لَيْسَ مِثْلَهُ شَيْءٌ –مَرَّتَيْنِ- لِلتَّأْكِيدِ.
-
وَقَدْ ادَّعَى كَثِيرٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ عَدَمَ الزِّيَادَةِ وَالتَّخَلُّصَ مِنْ الْمَحْذُورِ بِغَيْرِ ذَلِكَ، وَلا سِيَّمَا عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهُ لا يُطْلَقُ فِي٥ الْقُرْآنِ وَلا فِي السُّنَّةِ زَائِدٌ. وَذَلِكَ مِنْ وُجُوهٍ:
أَحَدُهَا: أَنَّ سَلْبَ الْمَعْنَى عَنْ الْمَعْدُومِ٦ جَائِزٌ كَسَلْبِ الْكِتَابَةِ عَنْ ابْنِ
vol. 1, p. 171فُلانٍ الَّذِي هُوَ مَعْدُومٌ، وَلا يَلْزَمُ مِنْ نَفْيِ الْمِثْلِ ١ عَنْ الْمِثْلِ ١ ثُبُوتُ الْمِثْلِ.
-
الثَّانِي: أَنَّ الْمُرَادَ هُنَا بِلَفْظِ "الْمِثْلِ" الصِّفَةُ٢ كَالْمَثَلِ – بِفَتْحَتَيْنِ - كَمَا ٣ فِي قَوْله تَعَالَى: "٣ {مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ} ٤. فَالتَّقْدِيرُ: لَيْسَ كَصِفَتِهِ شَيْءٌ.
قَالَ الرَّاغِبُ٥: "الْمِثْلُ هُنَا بِمَعْنَى الصِّفَةِ ٢، وَمَعْنَاهُ: لَيْسَ كَصِفَتِهِ صِفَةٌ "٦.
قَالَ فِي "الْبَدْرِ الْمُنِيرِ ": " مِثْلُ: يُوصَفُ بِهِ الْمُذَكَّرُ وَالْمُؤَنَّثُ وَالْجَمْعُ وَخَرَّجَ بَعْضُهُمْ عَلَى هَذَا قَوْله تَعَالَى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} أَيْ لَيْسَ كَوَصْفِهِ
vol. 1, p. 172شَيْءٌ١، وَقَالَ: هُوَ أَوْلَى مِنْ الْقَوْلِ بِزِيَادَتِهَا٢؛ لأَنَّهَا عَلَى خِلافِ الأَصْلِ"٣.
-
الثَّالِثُ: أَنَّ الْمُرَادَ بِمِثْلِهِ٤ ذَاتُهُ٥، كَقَوْلِك: مِثْلُك لا يَبْخَلُ، أَيْ: أَنْتَ لا تَبْخَلُ٦.
قَالَ الشَّاعِرُ٧:
وَلَمْ أَقُلْ مِثْلَك أَعْنِي بِهِ ... غَيْرَك٨ يَا فَرْدُ٩ بِلا مُشْبِهِ
- وَقَوْلُهُ:
-
أَيُّهَا الْعَاذِلُ دَعْ١٠ مِنْ١١ عَذْلِكَا ... مِثْلِي لا يُصْغِي إلَى مِثْلِكَا
vol. 1, p. 173وَقَدْ١ قَالَ تَعَالَى: {فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدْ اهْتَدَوْا} ٢ أَيْ بِاَلَّذِي٣ آمَنْتُمْ بِهِ؛ لأَنَّ إيمَانَهُمْ لا مِثْلَ لَهُ. وَهَذَا اخْتِيَارُ ابْنِ عَبْدِ السَّلامِ٤ فَالتَّقْدِيرُ فِي الآيَةِ: لَيْسَ كَذَاتِهِ شَيْءٌ، بَلْ هَذَا النَّوْعُ مِنْ الْكِنَايَةِ أَبْلَغُ مِنْ التَّصْرِيحِ٥، لِتَضَمُّنِهِ إثْبَاتَ الشَّيْءِ بِدَلِيلِهِ.
قَالَ فِي "الْبَدْرِ الْمُنِيرِ" ٦: "وَقِيلَ: الْمَعْنَى لَيْسَ كَذَاتِهِ شَيْءٌ. كَمَا يُقَالُ: مِثْلُك مَنْ يَعْرِفُ الْجَمِيلَ، وَمِثْلُك لا يَفْعَلُ كَذَا، أَيْ أَنْتَ تَكُونُ كَذَا. وَعَلَيْهِ قَوْله تَعَالَى: {كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ} ٧ [أَيْ كَمَنْ هُوَ" ٨] .