باب التقليد
63 paragraphs · vol. 5, p. 529
Page 1 of 2
- vol. 5, p. 529
...
-
"بَابٌ"
-
لَمَّا كَانَ التَّقْلِيدُ مُقَابِلاً لِلاجْتِهَادِ، وَانْتَهَى الْكَلامُ عَلَى أَحْكَامِ الاجْتِهَادِ شَرَعْنَا١ فِي الْكَلامِ عَلَى أَحْكَامِ التَّقْلِيدِ.
-
ثُمَّ "التَّقْلِيدُ لُغَةً: وَضْعُ الشَّيْءِ فِي٢ الْعُنُقِ" حَالَةَ٣ كَوْنِهِ "مُحِيطًا بِهِ" أَيْ٤: بِالْعُنُقِ، وَذَلِكَ الشَّيْءُ يُسَمَّى قِلادَةً. وَجَمْعُهَا قَلائِدُ٥.
-
"وَ" التَّقْلِيدُ "عُرْفًا" أَيْ: فِي عُرْفِ الأُصُولِيِّينَ "أَخْذُ مَذْهَبِ الْغَيْرِ" أَيْ: اعْتِقَادُ صِحَّتِهِ وَاتِّبَاعُهُ عَلَيْهِ "بِلا" أَيْ: مِنْ غَيْرِ "مَعْرِفَةِ
vol. 5, p. 530دَلِيلِهِ " أَيْ: دَلِيلِ مَذْهَبِ الْغَيْرِ الَّذِي اقْتَضَاهُ، وَأَوْجَبَ الْقَوْلَ بِهِ.
-
فَقَوْلُهُ: " أَخْذُ " جِنْسٌ. وَالْمُرَادُ بِهِ: اعْتِقَادُ ذَلِكَ، وَلَوْ لَمْ يَعْمَلْ بِهِ لِفِسْقٍ أَوْ غَيْرِ فِسْقٍ.
-
وَقَوْلُهُ " مَذْهَبِ " يَشْمَلُ١ مَا كَانَ قَوْلاً لَهُ أَوْ فِعْلاً. وَنِسْبَةُ الْمَذْهَبِ إلَى الْغَيْرِ يَخْرُجُ بِهِ مَا كَانَ مَعْلُومًا بِالضَّرُورَةِ، وَلا يَخْتَصُّ بِهِ ذَلِكَ الْغَيْرُ إذَا كَانَ٢ مِنْ أَقْوَالِهِ وَأَفْعَالِهِ الَّتِي لَيْسَ٣ لَهُ٤ فِيهَا اجْتِهَادٌ، فَإِنَّهَا لا تُسَمَّى مَذْهَبَهُ.
-
وَقَوْلُهُ " بِلا مَعْرِفَةِ دَلِيلِهِ " يَشْمَلُ٥ الْمُجْتَهِدَ إذَا لَمْ يَجْتَهِدْ وَلا٦ عَرَفَ الدَّلِيلَ، وَجَوَّزْنَا لَهُ التَّقْلِيدَ، فَإِنَّهُ حِينَئِذٍ كَالْعَامِّيِّ فِي أَخْذِهِ بِقَوْلِ الْغَيْرِ مِنْ غَيْرِ مَعْرِفَةِ دَلِيلِهِ٧.
-
فَيَخْرُجُ عَنْهُ الْمُجْتَهِدُ إذَا عَرَفَ الدَّلِيلَ، وَوَافَقَ اجْتِهَادُهُ اجْتِهَادَ مُجْتَهِدٍ آخَرَ، فَإِنَّهُ لا يُسَمَّى تَقْلِيدًا. كَمَا يُقَالُ: أَخَذَ الشَّافِعِيُّ بِمَذْهَبِ مَالِكٍ فِي كَذَا. وَأَخَذَ أَحْمَدُ بِمَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ فِي كَذَا.
- vol. 5, p. 531
وَإِنَّمَا خَرَجَ١ ذَلِكَ؛ لأَنَّهُ - وَإِنْ صَدَقَ عَلَيْهِ أَنَّهُ أَخَذَ بِقَوْلِ الْغَيْرِ - لَكِنَّهُ مَعَ مَعْرِفَةِ دَلِيلِهِ حَقَّ الْمَعْرِفَةِ فَمَا أُخِذَ حَقِيقَةً إلاَّ مِنْ الدَّلِيلِ٢ لا مِنْ الْمُجْتَهِدِ، فَيَكُونُ إطْلاقُ الأَخْذِ بِمَذْهَبِهِ فِيهِ تَجَوُّزٌ.
-
وَعَبَّرَ الآمِدِيُّ وَابْنُ الْحَاجِبِ بِقَوْلِهِمَا " بِغَيْرِ حُجَّةٍ " ٣ وَهُوَ يَقْتَضِي أَنَّ أَخْذَ الْقَوْلِ مِمَّنْ قَوْلُهُ حُجَّةٌ لا يُسَمَّى تَقْلِيدًا وَمَثَّلا ذَلِكَ بِأَخْذِ الْعَامِّيِّ بِقَوْلِ مِثْلِهِ، وَأَخْذِ الْمُجْتَهِدِ بِقَوْلِ مِثْلِهِ فِي حُكْمٍ شَرْعِيٍّ٤ وَحَيْثُ تَقَرَّرَ أَنَّ التَّقْلِيدَ أَخْذُ مَذْهَبِ الْغَيْرِ بِلا مَعْرِفَةِ دَلِيلِهِ "فَالرُّجُوعُ إلَى قَوْلِهِ٥ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَإِلَى الْمُفْتِي، وَ" إلَى "الإِجْمَاعِ، وَ" رُجُوعُ "الْقَاضِي إلَى الْعُدُولِ: لَيْسَ بِتَقْلِيدٍ،
vol. 5, p. 532وَلَوْ سُمِّيَ تَقْلِيدًا لَسَاغَ١" ذَلِكَ٢.
-
وَفِي الْمُقْنِعِ: الْمَشْهُورُ أَنَّ أَخْذَهُ بِقَوْلِ الْمُفْتِي تَقْلِيدٌ، وَهُوَ أَظْهَرُ، وَقَدَّمَهُ فِي آدَابِ الْمُفْتِي٣ فِي٤ الإِجْمَاعِ أَيْضًا، وَقِيلَ: وَالْقَاضِي.
-
٥وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ فِي الْمُسَوَّدَةِ: وَالتَّقْلِيدُ قَبُولُ الْقَوْلِ بِغَيْرِ دَلِيلٍ، فَلَيْسَ الْمَصِيرُ إلَى الإِجْمَاعِ تَقْلِيدًا؛ لأَنَّ الإِجْمَاعَ دَلِيلٌ وَكَذَلِكَ٦ يُقْبَلُ٧ قَوْلُ الرَّسُولِ٨ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ،
vol. 5, p. 533وَلا يُقَالُ: تَقْلِيدًا١، بِخِلافِ فَتْوَى٢ الْفَقِيهِ، وَذَكَرَ فِي ضِمْنِ مَسْأَلَةِ التَّقْلِيدِ: أَنَّ الرُّجُوعَ إلَى قَوْلِ الصَّحَابِيِّ لَيْسَ بِتَقْلِيدٍ؛ لأَنَّهُ حُجَّةٌ، وَقَالَ فِيهَا: لَمَّا جَازَ تَقْلِيدُ الصَّحَابَةِ٣ لَزِمَهُ ذَلِكَ، وَلَمْ يَجُزْ٤ لَهُ مُخَالَفَتُهُ، بِخِلافِ الأَعْلَمِ، وَقَدْ قَالَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ أَبِي الْحَارِثِ٥ " مَنْ قَلَّدَ فِي٦ الْخَبَرِ: رَجَوْت أَنْ يَسْلَمَ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى " فَقَدْ أَطْلَقَ اسْمَ التَّقْلِيدِ عَلَى مَنْ صَارَ إلَى الْخَبَرِ، وَإِنْ كَانَ حُجَّةً فِي نَفْسِهِ٧. انْتَهَى.
-
"وَيَحْرُمُ" التَّقْلِيدُ "فِي مَعْرِفَةِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، وَ" فِي "التَّوْحِيدِ وَالرِّسَالَةِ" عِنْدَ أَحْمَدَ وَالأَكْثَرِ، وَذَكَرَهُ أَبُو الْخَطَّابِ عَنْ عَامَّةِ الْعُلَمَاءِ، وَذَكَرَ غَيْرُهُ٨ أَنَّهُ قَوْلُ الْجُمْهُورِ٩.
- vol. 5, p. 534
وَأَجَازَهُ جَمْعٌ قَالَ بَعْضُهُمْ: وَلَوْ بِطَرِيقٍ فَاسِدٍ.
قَالَ ابْنُ مُفْلِحٍ: وَأَجَازَهُ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ لإِجْمَاعِ السَّلَفِ عَلَى قَبُولِ الشَّهَادَتَيْنِ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يُقَالَ لِقَائِلِهِمَا: هَلْ نَظَرْت؟ وَسَمِعَهُ ابْنُ عَقِيلٍ مِنْ أَبِي الْقَاسِمِ بْنِ١ التَّبَّانِ٢ الْمُعْتَزِلِيِّ، وَأَنَّهُ يَكْفِي بِطَرِيقٍ فَاسِدٍ.
قَالَ هَذَا الْمُعْتَزِلِيُّ: إذَا عَرَفَ اللَّهَ وَصَدَّقَ رُسُلَهُ٣، وَسَكَنَ قَلْبُهُ إلَى ذَلِكَ وَاطْمَأَنَّ بِهِ: فَلا عَلَيْنَا مِنْ الطَّرِيقِ: تَقْلِيدًا كَانَ، أَوْ نَظَرًا، أَوْ اسْتِدْلالاً٤.
- vol. 5, p. 535
وَأَطْلَقَ الْحَلْوَانِيُّ وَغَيْرُهُ - يَعْنِي مِنْ أَصْحَابِنَا - مَنْعَ التَّقْلِيدِ فِي أُصُولِ الدِّينِ، وَقَالَهُ الْبَصْرِيُّ وَالْقَرَافِيُّ: فِي أُصُولِ الْفِقْهِ أَيْضًا١. انْتَهَى.
قَالَ ابْنُ قَاضِي الْجَبَلِ فِي أُصُولِهِ، قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: الْقِيَاسُ النَّقْلِيُّ حُجَّةٌ يَجِبُ الْعَمَلُ بِهِ، وَيَجِبُ النَّظَرُ وَالاسْتِدْلالُ بِهِ بَعْدَ وُرُودِ الشَّرْعِ. وَلا يَجُوزُ التَّقْلِيدُ. وَقَدْ نُقِلَ عَنْ٢ أَحْمَدَ الاحْتِجَاجُ بِدَلائِلِ الْعُقُولِ، وَبِهَذَا قَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ٣ الْفُقَهَاءِ الْمُتَكَلِّمِينَ مِنْ أَهْلِ الإِثْبَاتِ، وَذَهَبَتْ الْمُعْتَزِلَةُ إلَى وُجُوبِ النَّظَرِ، وَالاسْتِدْلالِ قَبْلَ الشَّرْعِ وَلَمَّا وَرَدَ بِهِ الشَّرْعُ كَانَ تَوْكِيدًا٤.
-
وَذَهَبَ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ، وَأَهْلِ الظَّاهِرِ إلَى أَنَّ حُجَجَ
vol. 5, p. 536الْعُقُولِ بَاطِلَةٌ، وَالنَّظَرُ حَرَامٌ، وَالتَّقْلِيدُ وَاجِبٌ١.
وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: الْقِيَاسُ الْعَقْلِيُّ وَالاسْتِدْلالُ: طَرِيقٌ لإِثْبَاتِ الأَحْكَامِ الْعَقْلِيَّةِ. نَصَّ عَلَيْهِ الإِمَامُ أَحْمَدُ وَبِهِ قَالَ عَامَّةُ الْفُقَهَاءِ.
قُلْت: كَلامُ أَحْمَدَ فِي الاحْتِجَاجِ بِأَدِلَّةٍ عَقْلِيَّةٍ كَثِيرٌ، وَقَدْ ذَكَرَ كَثِيرًا فِي كِتَابِهِ " الرَّدِّ عَلَى الزَّنَادِقَةِ وَالْجَهْمِيَّةِ " ٢ فَمَذْهَبُ أَحْمَدَ: الْقَوْلُ٣ بِالْقِيَاسِ٤ الْعَقْلِيِّ وَالشَّرْعِيِّ. انْتَهَى كَلامُ ابْنِ قَاضِي الْجَبَلِ.
-
وَاسْتَدَلَّ لِتَحْرِيمِ التَّقْلِيدِ - الَّذِي هُوَ الصَّحِيحُ بِأَمْرِهِ - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى بِالتَّدَبُّرِ وَالتَّفَكُّرِ وَالنَّظَرِ وَفِي صَحِيحِ ابْنِ حِبَّانَ لَمَّا نَزَلَ فِي آلِ عِمْرَانَ: {إنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ ٥
vol. 5, p. 537وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ} - الآيَاتُ١ قَالَ٢: "وَيْلٌ لِمَنْ قَرَأَهُنَّ وَلَمْ يَتَدَبَّرْهُنَّ، وَيْلٌ لَهُ وَيْلٌ لَهُ" ٣ وَبِالإِجْمَاعِ٤ عَلَى وُجُوبِ مَعْرِفَةِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى وَلا تَحْصُلُ بِتَقْلِيدٍ، لِجَوَازِ كَذِبِ الْمُخْبِرِ، وَاسْتِحَالَةِ حُصُولِهِ. كَمَنْ قَلَّدَ فِي حُدُوثِ٥ الْعَالَمِ، وَكَمَنْ قَلَّدَ فِي قِدَمِهِ؛ وَلأَنَّ التَّقْلِيدَ لَوْ أَفَادَ عِلْمًا٦: فَإِمَّا بِالضَّرُورَةِ وَهُوَ بَاطِلٌ. وَإِمَّا بِالنَّظَرِ فَيَسْتَلْزِمُ الدَّلِيلُ وَالأَصْلُ عَدَمَهُ٧، وَالْعِلْمُ يَحْصُلُ بِالنَّظَرِ، وَاحْتِمَالُ الْخَطَإِ لِعَدَمِ تَمَامِ مُرَاعَاةِ الْقَانُونِ الصَّحِيحِ، وَ٨لأَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ذَمَّ التَّقْلِيدَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {إنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ} ٩ وَهِيَ فِيمَا يُطْلَبُ الْعِلْمُ بِهِ فَلا يَلْزَمُ الْفُرُوعَ، وَلأَنَّهُ١٠ يَلْزَمُ الشَّارِعَ؛ لِقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: {فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إلَهَ إلاَّ اللَّهُ} ١١ فَيَلْزَمُنَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى:
vol. 5, p. 538{وَاتَّبِعُوهُ} ١.
-
"وَ" يَحْرُمُ التَّقْلِيدُ أَيْضًا٢ فِي "أَرْكَانِ الإِسْلامِ الْخَمْسِ، وَنَحْوِهَا مِمَّا تَوَاتَرَ وَاشْتَهَرَ" ٣.
قَالَ ابْنُ مُفْلِحٍ: لا يَجُوزُ لِلْعَامِّيِّ التَّقْلِيدُ فِي أَرْكَانِ الإِسْلامِ وَنَحْوِهَا مِمَّا تَوَاتَرَ وَاشْتَهَرَ ذَكَرَهُ الْقَاضِي وَذَكَرَهُ أَبُو الْخَطَّابِ وَابْنُ عَقِيلٍ إجْمَاعًا؛ لِتَسَاوِي النَّاسِ فِي طَرِيقِهَا، وَإِلاَّ لَزِمَهُ مَا٤ سَاغَ فِيهِ اجْتِهَادٌ أَوْ لا، عِنْدَنَا وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالأَكْثَرِ.
-
وَمَنَعَهُ قَوْمٌ مِنْ الْمُعْتَزِلَةِ الْبَغْدَادِيِّينَ٥، مَا لَمْ تَتَبَيَّنْ لَهُ صِحَّةُ اجْتِهَادِهِ بِدَلِيلِهِ. وَذَكَرَهُ ابْنُ بُرْهَانٍ عَنْ الْجُبَّائِيِّ وَعَنْهُ كَقَوْلِنَا.
-
وَمَنَعَهُ أَبُو عَلِيٍّ الشَّافِعِيُّ٦ فِيمَا لا يَسُوغُ فِيهِ اجْتِهَادٌ وَبَعْضُهُمْ فِي الْمَسَائِلِ الظَّاهِرَةِ.
- vol. 5, p. 539
وَاخْتَارَ الآمِدِيُّ لُزُومَهُ فِي الْجَمِيعِ، وَذَكَرَهُ عَنْ مُحَقِّقِي الأُصُولِيِّينَ١. انْتَهَى٢.
-
"وَيَلْزَمُ" التَّقْلِيدُ "غَيْرَ٣ مُجْتَهِدٍ٤ فِي غَيْرِ ذَلِكَ" أَيْ: غَيْرِ مَا تَقَدَّمَ.
قَالَ الْمُوَفَّقُ فِي الرَّوْضَةِ: وَأَمَّا التَّقْلِيدُ فِي الْفُرُوعِ: فَهُوَ جَائِزٌ إجْمَاعًا، وَذَهَبَ بَعْضُ الْقَدَرِيَّةِ إلَى أَنَّ الْعَامَّةَ يَلْزَمُهُمْ النَّظَرُ فِي الدَّلِيلِ٥.
-
وَاسْتَدَلَّ لِجَوَازِ التَّقْلِيدِ فِي غَيْرِ مَا تَقَدَّمَ: بِقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى:
vol. 5, p. 540{فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ} ١ وَهُوَ عَامٌّ؛ لِتَكَرُّرِهِ بِتَكَرُّرِ٢ الشَّرْطِ، وَعِلَّةُ الأَمْرِ بِالسُّؤَالِ: الْجَهْلُ وَأَيْضًا الإِجْمَاعُ، فَإِنَّ الْعَوَامَّ يُقَلِّدُونَ الْعُلَمَاءَ مِنْ غَيْرِ إبْدَاءِ مُسْتَنَدٍ مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ، وَأَيْضًا يُؤَدِّي إلَى خَرَابِ الدُّنْيَا بِتَرْكِ الْمَعَائِشِ وَالصَّنَائِعِ. وَلا يَلْزَمُ فِي٣ التَّوْحِيدِ وَالرِّسَالَةِ لِيُسْرِهِ٤ وَقِلَّتِهِ، وَدَلِيلُهُ الْعَقْلُ.
قَالَ الْمُخَالِفُ: وَرَدَ عَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "طَلَبُ الْعِلْمِ فَرِيضَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ" ٥.
-
رُدَّ لَمْ يَصِحَّ٦، ثُمَّ الْمُرَادُ طَلَبُهُ الشَّرْعِيُّ، فَتَقْلِيدُ الْعَامِّيِّ الْمُفْتِيَ
vol. 5, p. 541مِنْهُ فَإِنَّ الْعِلْمَ لَمْ١ يَجِبْ عِنْدَ أَحَدٍ، بَلْ النَّظَرُ٢.
-
"وَلَهُ" أَيْ: لِلْعَامِّيِّ "اسْتِفْتَاءُ مَنْ عَرَفَهُ عَالِمًا عَدْلاً، وَلَوْ" كَانَ الَّذِي عَرَفَهُ بِالْعِلْمِ وَالْعَدَالَةِ "عَبْدًا، وَأُنْثَى، وَأَخْرَسَ" وَتُعْلَمُ فُتْيَاهُ "بِإِشَارَةٍ مَفْهُومَةٍ وَكِتَابَةٍ" ؛ لأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ الاسْتِفْتَاءِ: سُؤَالُ الْعَالِمِ الْعَدْلِ. وَهَذَا كَذَلِكَ٣.
- vol. 5, p. 542
"أَوْ رَآهُ" يَعْنِي أَنَّ١ لِلْعَامِّيِّ أَيْضًا: اسْتِفْتَاءَ مَنْ رَآهُ "مُنْتَصِبًا" لِلإِفْتَاءِ وَالتَّدْرِيسِ "مُعَظَّمًا" عِنْدَ النَّاسِ، فَإِنَّ كَوْنَهُ كَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى عِلْمِهِ، وَأَنَّهُ أَهْلٌ٢ لِلإِفْتَاءِ٣، وَلا يَجُوزُ الاسْتِفْتَاءُ فِي ضِدِّ ذَلِكَ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ، ٤وَذَكَرَهُ الآمِدِيُّ اتِّفَاقًا٥، وَهَذَا بِالنِّسْبَةِ إلَى نَفْسِهِ.
-
وَأَمَّا بِالنِّسْبَةِ إلَى الإِخْبَارِ: فَهُوَ مَا أُشِيرَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ "وَيَكْفِيهِ قَوْلُ عَدْلٍ خَبِيرٍ" عِنْدَ ابْنِ عَقِيلٍ وَالْمُوَفَّقِ وَأَبِي إِسْحَاقَ الشِّيرَازِيِّ
vol. 5, p. 543وَجَمْعٍ١.
قَالَ النَّوَوِيُّ: وَهُوَ٢ مَحْمُولٌ عَلَى مَنْ عِنْدَهُ مَعْرِفَةٌ يُمَيِّزُ بِهَا التَّلْبِيسَ٣ مِنْ غَيْرِهِ٤.
-
وَعِنْدَ الْبَاقِلاَّنِيِّ: لا بُدَّ مِنْ عَدْلَيْنِ٥.
-
وَاعْتَبَرَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ وَابْنُ الصَّلاحِ: الاسْتِفَاضَةَ بِأَنَّهُ أَهْلٌ لِلْفُتْيَا٦. وَرَجَّحَهُ النَّوَوِيُّ فِي الرَّوْضَةِ٧، وَنَقَلَهُ عَنْ أَصْحَابِهِمْ٨.
-
فَعَلَيْهِ لا يُكْتَفَى بِوَاحِدٍ، وَلا بِاثْنَيْنِ، وَلا مُجَرَّدِ اعْتِزَائِهِ إلَى الْعِلْمِ، وَلَوْ بِمَنْصِبِ٩ تَدْرِيسٍ أَوْ غَيْرِهِ.
- vol. 5, p. 544
"وَيَلْزَمُ وَلِيَّ الأَمْرِ" عِنْدَ الأَكْثَرِ "مَنْعُ مَنْ لَمْ يُعْرَفْ بِعِلْمٍ، أَوْ جُهِلَ حَالُهُ" مِنْ الْفُتْيَا١.
قَالَ رَبِيعَةُ: بَعْضُ مَنْ يُفْتِي أَحَقُّ بِالسِّجْنِ مِنْ السُّرَّاقِ٢. انْتَهَى.
-
وَلأَنَّ الأَصْلَ، وَالظَّاهِرَ الْجَهْلُ، فَالظَّاهِرُ: أَنَّهُ مِنْهُ وَلا يَلْزَمُ الْجَهْلُ بِالْعَدَالَةِ؛ لأَنَّا نَمْنَعُهُ، وَنَقُولُ: لا يُقْبَلُ مَنْ جُهِلَتْ عَدَالَتُهُ. وَقَالَ فِي الْمُغْنِي: إنَّ مَنْ شَهِدَ مَعَ ظُهُورِ فِسْقِهِ لَمْ يُعَزَّرْ؛ لأَنَّهُ لا يُمْنَعُ صِدْقُهُ٣، وَكَلامُهُ هُوَ، وَغَيْرُهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لا يَحْرُمُ أَدَاءُ فَاسِقٍ مُطْلَقًا.
-
"وَلا تَصِحُّ" الْفُتْيَا "مِنْ مَسْتُورِ الْحَالِ" .
قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ فِي الْوَاضِحِ: صِفَةُ مَنْ تَسُوغُ فَتْوَاهُ الْعَدَالَةُ.
قَالَ فِي شَرْحِ التَّحْرِيرِ: وَكَذَا أَطْلَقَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا، وَغَيْرُهُمْ٤.
- vol. 5, p. 545
"وَيُفْتِي فَاسِقٌ نَفْسَهُ" عِنْدَ أَصْحَابِنَا، وَالشَّافِعِيَّةِ وَجَمْعٍ؛ لأَنَّهُ لَيْسَ بِأَمِينٍ عَلَى مَا يَقُولُ١.
وَقَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ فِي إعْلامِ الْمُوَقِّعِينَ: قُلْت الصَّوَابُ جَوَازُ اسْتِفْتَاءِ الْفَاسِقِ، إلاَّ أَنْ يَكُونَ مُعْلِنًا بِفِسْقِهِ، دَاعِيًا إلَى بِدْعَتِهِ. فَحُكْمُ اسْتِفْتَائِهِ حُكْمُ إمَامَتِهِ وَشَهَادَتِهِ٢. انْتَهَى.
-
وَقَالَ٣ الطُّوفِيُّ وَغَيْرُهُ: وَلا يُشْتَرَطُ٤ عَدَالَتُهُ فِي اجْتِهَادِهِ، بَلْ فِي قَبُولِ فُتْيَاهُ وَخَبَرِهِ، وَهُوَ٥ مُوَافِقٌ لِقَوْلِ الأَصْحَابِ.
-
"وَتَصِحُّ" الْفُتْيَا "مِنْ حَاكِمٍ ٦" عَلَى الصَّحِيحِ، وَيَكُونُ كَغَيْرِهِ فِيهَا٧.
-
وَقِيلَ: لا يُفْتَى الْحَاكِمُ قَالَ الْقَاضِي شُرَيْحٌ: أَنَا٨ أَقْضِي
vol. 5, p. 546لَكُمْ وَلا أُفْتِي.
-
وَقِيلَ: يُفْتِي فِيمَا لا١ يَتَعَلَّقُ بِالأَحْكَامِ، كَالطَّهَارَةِ وَالصَّلاةِ وَنَحْوِهِمَا.
-
وَلَيْسَتْ فُتْيَا الْحَاكِمِ بِحُكْمٍ عَلَى الصَّحِيحِ٢.
قَالَ فِي إعْلامِ الْمُوَقِّعِينَ: فُتْيَا الْحَاكِمِ لَيْسَتْ حُكْمًا مِنْهُ، وَلَوْ٣ حَكَمَ غَيْرُهُ بِغَيْرِ مَا أَفْتَى بِهِ٤: لَمْ يَكُنْ نَقْضًا لِحُكْمِهِ. وَلا هِيَ كَالْحُكْمِ، وَلِهَذَا يَجُوزُ أَنْ يُفْتِيَ لِلْحَاضِرِ وَالْغَائِبِ، وَمَنْ يَجُوزُ حُكْمُهُ لَهُ، وَمَنْ لا يَجُوزُ٥. انتهى.