باب ترتيب الأدلة والتعادل والتعارض والترجيح

328 paragraphs · vol. 5, p. 599

Page 2 of 9

  1. "وَ" أَمَّا "التَّرْجِيحُ" فَهُوَ "تَقْوِيَةُ إحْدَى الأَمَارَتَيْنِ عَلَى الأُخْرَى لِدَلِيلٍ" وَلا يَكُونُ إلاَّ مَعَ وُجُودِ التَّعَارُضِ. فَحَيْثُ انْتَفَى التَّعَارُضُ انْتَفَى التَّرْجِيحُ؛ لأَنَّهُ فَرْعُهُ٥، لا يَقَعُ إلاَّ مُرَتَّبًا عَلَى وُجُودِهِ.

    وَقَالَ ابْنُ مُفْلِحٍ: التَّرْجِيحُ هُوَ اقْتِرَانُ الأَمَارَةِ بِمَا تَقْوَى بِهِ عَلَى مُعَارِضِهَا، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: الْمُرَادُ بِوَصْفٍ، فَلا يُرَجَّحُ نَصٌّ، وَلا قِيَاسٌ بِمِثْلِهِ٦. انْتَهَى.

    vol. 5, p. 616
  2. ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّهُ لا تَعَارُضَ بِالْحَقِيقَةِ١ فِي حُجَجِ الشَّرْعِ، وَلِهَذَا٢ أَخَّرَ مَا أَمْكَنَ.

    قَالَ أَبُو بَكْرٍ الْخَلاَّلُ مِنْ أَئِمَّةِ أَصْحَابِنَا الْمُتَقَدِّمِينَ: لا يَجُوزُ أَنْ يُوجَدَ فِي الشَّرْعِ خَبَرَانِ مُتَعَارِضَانِ لَيْسَ مَعَ أَحَدِهِمَا تَرْجِيحٌ يُقَدَّمُ بِهِ، فَأَحَدُ الْمُتَعَارِضَيْنِ بَاطِلٌ: إمَّا لِكَذِبِ النَّاقِلِ أَوْ خَطَئِهِ٣ بِوَجْهٍ مَا٤ مِنْ النَّقْلِيَّاتِ، أَوْ خَطَإِ النَّاظِرِ٥ فِي النَّظَرِيَّاتِ، أَوْ لِبُطْلانِ حُكْمِهِ بِالنَّسْخِ٦. انْتَهَى.

    vol. 5, p. 618وَقَالَ إمَامُ الأَئِمَّةِ أَبُو بَكْرِ بْنُ خُزَيْمَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ: لا أَعْرِفُ١ حَدِيثَيْنِ صَحِيحَيْنِ مُتَضَادَّيْنِ. فَمَنْ كَانَ عِنْدَهُ شَيْءٌ مِنْهُ٢ فَلْيَأْتِنِي بِهِ لأُؤَلِّفَ بَيْنَهُمَا٣، وَكَانَ مِنْ أَحْسَنِ النَّاسِ كَلامًا فِي ذَلِكَ. نَقَلَهُ الْعِرَاقِيُّ فِي شَرْحِ الأَلْفِيَّةِ فِي الْحَدِيثِ٤.

    vol. 5, p. 617
  3. فَالتَّرْجِيحُ: فِعْلُ الْمُرَجِّحِ النَّاظِرِ فِي الدَّلِيلِ، وَهُوَ تَقْدِيمُ إحْدَى٥ الأَمَارَتَيْنِ الصَّالِحَتَيْنِ لِلإِفْضَاءِ إلَى مَعْرِفَةِ الْحُكْمِ، لاخْتِصَاصِ تِلْكَ الأَمَارَةِ بِقُوَّةٍ فِي الدَّلالَةِ، كَمَا لَوْ تَعَارَضَ الْكِتَابُ٦ وَالإِجْمَاعُ فِي حُكْمٍ، فَكُلٌّ مِنْهُمَا طَرِيقٌ يَصْلُحُ؛ لأَنْ يُعْرَفَ بِهِ الْحُكْمُ، لَكِنْ الإِجْمَاعُ اخْتَصَّ بِقُوَّةٍ عَلَى الْكِتَابِ مِنْ حَيْثُ الدَّلالَةُ.

  4. وَذَكَرَ أَبُو مُحَمَّدٍ الْبَغْدَادِيُّ عَنْ قَوْمٍ: مَنْعَ التَّرْجِيحِ مُطْلَقًا. قَالَ الطُّوفِيُّ: الْتِزَامُهُ٧ فِي الشَّهَادَةِ مُتَّجَهٌ ثُمَّ هِيَ آكَدُ٨.

  5. ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ الْعَمَلَ١ بِالرَّاجِحِ فِيمَا لَهُ مُرَجِّحٌ: هُوَ قَوْلُ جَمَاهِيرِ الْعُلَمَاءِ٢ سَوَاءٌ كَانَ الْمُرَجِّحُ مَعْلُومًا أَوْ مَظْنُونًا، حَتَّى إنَّ الْمُنْكِرِينَ لِلْقِيَاسِ عَمِلُوا بِالتَّرْجِيحِ فِي ظَوَاهِرِ الأَخْبَارِ٣.

    vol. 5, p. 619
  6. وَخَالَفَ أَبُو بَكْرِ بْنُ٤ الْبَاقِلاَّنِيِّ فِي جَوَازِ الْعَمَلِ بِالْمُرَجَّحِ٥ الْمَظْنُونِ٦. وَقَالَ: إنَّمَا أَقْبَلُ التَّرْجِيحَ بِالْمَقْطُوعِ بِهِ. كَتَقْدِيمِ النَّصِّ عَلَى الْقِيَاسِ، لا بِالأَوْصَافِ، وَلا الأَحْوَالِ، وَلا كَثْرَةِ الأَدِلَّةِ وَنَحْوِهَا، فَلا يَجِبُ الْعَمَلُ بِهِ، فَإِنَّ الأَصْلَ امْتِنَاعُ الْعَمَلِ بِالظَّنِّ٧.

  7. خَالَفْنَاهُ فِي١ الظُّنُونِ الْمُسْتَقِلَّةِ بِنَفْسِهَا٢؛ لإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ. فَيَبْقَى التَّرْجِيحُ عَلَى أَصْلِ الامْتِنَاعِ، لأَنَّهُ عَمَلٌ بِظَنٍّ لا يَسْتَقِلُّ بِنَفْسِهِ، وَرُدَّ قَوْلُهُ بِالإِجْمَاعِ عَلَى عَدَمِ٣ الْفَرْقِ بَيْنَ الْمُسْتَقِلِّ وَغَيْرِهِ.

    vol. 5, p. 620
  8. وَقَدْ رَجَّحَتْ٤ الصَّحَابَةُ قَوْلَ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا فِي الْتِقَاءِ الْخِتَانَيْنِ فَعَلْتُهُ أَنَا وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ٥ عَلَى مَا رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إنَّمَا الْمَاءُ مِنْ الْمَاءِ" ٦ لِكَوْنِهَا أَعْرَفَ بِذَلِكَ مِنْهُمْ٧.

    vol. 5, p. 621قَالَ الطُّوفِيُّ: وَلَيْسَ قَوْلُهُ بِشَيْءٍ؛ لأَنَّ الْعَمَلَ بِالأَرْجَحِ مُتَعَيِّنٌ عَقْلاً وَشَرْعًا، وَقَدْ عَمِلَتْ١ الصَّحَابَةُ بِالتَّرْجِيحِ مُجْمِعِينَ عَلَيْهِ، وَالتَّرْجِيحُ دَأْبُ الْعَقْلِ وَالشَّرْعِ. حَيْثُ احْتَاجَا٢ إلَيْهِ٣.

  9. "وَلا تَرْجِيحَ فِي الشَّهَادَةِ" لأَنَّ بَانَ الشَّهَادَةِ مَشُوبٌ بِالتَّعَبُّدِ، بِدَلِيلِ أَنَّ الشَّاهِدَ لَوْ أَبْدَلَ لَفْظَةَ " أَشْهَدُ " بِأَعْلَمُ، أَوْ أَتَيَقَّنُ، أَوْ أُخْبِرُ، أَوْ أُحَقِّقُ٤: لَمْ يُقْبَلْ، وَلا تُقْبَلُ شَهَادَةُ جَمْعٍ كَثِيرٍ مِنْ النِّسَاءِ عَلَى يَسِيرٍ مِنْ الْمَالِ، حَتَّى يَكُونَ مَعَهُنَّ رَجُلٌ، مَعَ أَنَّ شَهَادَةَ الْجَمْعِ الْكَثِيرِ مِنْ النِّسَاءِ يَجُوزُ أَنْ يَحْصُلَ٥ بِهِ الْعِلْمُ التَّوَاتُرِيُّ٦، وَمَا ذَاكَ إلاَّ لِثُبُوتِ التَّعَبُّدِ٧.

  10. "وَلا" تَرْجِيحَ١ أَيْضًا "فِي الْمَذَاهِبِ الْخَالِيَةِ عَنْ دَلِيلٍ" ؛ لأَنَّ التَّرْجِيحَ إنَّمَا هُوَ فِي الأَلْفَاظِ الْمَسْمُوعَةِ وَالْمَعَانِي الْمَعْقُولَةِ٢.

    vol. 5, p. 622
  11. وَأَصْلُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ: أَنَّ الْقَاضِيَ عَبْدَ الْجَبَّارِ قَالَ: إنَّ التَّرْجِيحَ لَهُ مَدْخَلٌ فِي الْمَذَاهِبِ بِحَيْثُ يُقَالُ مَثَلاً: مَذْهَبُ٣ الشَّافِعِيِّ أَرْجَحُ مِنْ مَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ، أَوْ نَحْوُ ذَلِكَ وَقَدْ خَالَفَ عَبْدُ الْجَبَّارِ غَيْرَهُ.

  12. وَحُجَّةُ عَبْدِ الْجَبَّارِ: أَنَّ الْمَذَاهِبَ آرَاءٌ، وَاعْتِقَادَاتٌ مُسْتَنِدَةٌ إلَى الأَدِلَّةِ، وَهِيَ تَتَفَاوَتُ فِي الْقُوَّةِ وَالضَّعْفِ، فَجَازَ دُخُولُ التَّرْجِيحِ فِيهَا كَالأَدِلَّةِ٤.

  13. وَاحْتَجَّ الْمَانِعُونَ لِمَا قَالَهُ٥ بِوُجُوهٍ:
  14. أَحَدُهَا: أَنَّ الْمَذَاهِبَ لِتَوَفُّرِ انْهِرَاعِ النَّاسِ إلَيْهَا٦، وَتَعْوِيلِهِمْ عَلَيْهَا. صَارَتْ٧ كَالشَّرَائِعِ وَالْمِلَلِ الْمُخْتَلِفَةِ، وَلا

    vol. 5, p. 623تَرْجِيحَ فِي الشَّرَائِعِ.

  15. وَقَدْ ضَعُفَ هَذَا الْوَجْهُ بِأَنَّ انْهِرَاعَ١ النَّاسِ إلَيْهَا لا يُخْرِجُهَا عَنْ كَوْنِهَا ظَنِّيَّةً تَقْبَلُ التَّرْجِيحَ، وَلا نُسَلِّمُ أَنَّهَا تُشْبِهُ الشَّرَائِعَ، وَإِنْ سَلَّمْنَا٢، فَلا٣ نُسَلِّمُ أَنَّ الشَّرَائِعَ لا تَقْبَلُ التَّرْجِيحَ، بِاعْتِبَارِ مَا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ مِنْ الْمَصَالِحِ وَالْمَحَاسِنِ، وَإِنْ كَانَ طَرِيقُ جَمِيعِهَا قَاطِعًا.

  16. الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهُ لَوْ كَانَ لِلتَّرْجِيحِ مَدْخَلٌ فِي الْمَذَاهِبِ لاضْطَرَبَ٤ النَّاسُ، وَلَمْ٥ يَسْتَقِرَّ أَحَدٌ عَلَى مَذْهَبٍ. فَلِذَلِكَ لَمْ يَكُنْ لِلتَّرْجِيحِ فِيهِ٦ مَدْخَلٌ كَالْبَيِّنَاتِ.

  17. وَهَذَا الْوَجْهُ أَيْضًا ضَعِيفٌ، وَاللاَّزِمُ مِنْهُ مُسْتَلْزَمٌ٧، وَكُلُّ مَنْ ظَهَرَ٨ لَهُ رُجْحَانُ مَذْهَبٍ وَجَبَ عَلَيْهِ الدُّخُولُ فِيهِ. كَمَا يَجِبُ عَلَى الْمُجْتَهِدِ الأَخْذُ بِأَرْجَحِ٩ الدَّلِيلَيْنِ١٠.

  18. الْوَجْهُ الثَّالِثُ: أَنَّ١ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الْمَذَاهِبِ لَيْسَ مُتَمَحِّضًا فِي الْخَطَإِ وَلا فِي الصَّوَابِ، بَلْ هُوَ مُصِيبٌ فِي بَعْضِ الْمَسَائِلِ، مُخْطِئٌ فِي بَعْضِهَا، وَعَلَى هَذَا: فَالْمَذْهَبَانِ لا يَقْبَلانِ التَّرْجِيحَ، لإِفْضَاءِ ذَلِكَ إلَى التَّرْجِيحِ بَيْنَ الْخَطَإِ وَالصَّوَابِ٢ فِي بَعْضِ الصُّوَرِ، أَوْ بَيْنَ خَطَأَيْنِ أَوْ٣ صَوَابَيْنِ، وَالْخَطَأُ لا مَدْخَلَ لِلتَّرْجِيحِ فِيهِ٤ اتِّفَاقًا.

    vol. 5, p. 624
  19. وَهَذَا الْوَجْهُ يُشِيرُ قَائِلُهُ فِيهِ إلَى أَنَّ النِّزَاعَ لَفْظِيٌّ، وَهُوَ أَنَّ٥ مَنْ نَفَى التَّرْجِيحَ فَإِنَّمَا أَرَادَ: لا يَصِحُّ تَرْجِيحُ مَجْمُوعِ٦ مَذْهَبٍ عَلَى مَجْمُوعِ مَذْهَبٍ آخَرَ. لِمَا ذُكِرَ، وَمَنْ أَثْبَتَ٧ التَّرْجِيحَ بَيْنَهُمَا٨: أَثْبَتَهُ بِاعْتِبَارِ مَسَائِلِهِمَا٩ الْجُزْئِيَّةِ، وَهُوَ صَحِيحٌ، إذْ يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ: مَذْهَبُ مَالِكٍ فِي أَنَّ الْمَاءَ الْمُسْتَعْمَلَ فِي رَفْعِ الْحَدَثِ طَهُورٌ أَرْجَحُ مِنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ فِي أَنَّهُ غَيْرُ طَهُورٍ، وَكَذَا فِي غَيْرِهَا مِنْ الْمَسَائِلِ١٠.

  20. "وَلا" تَرْجِيحَ أَيْضًا "بَيْنَ عِلَّتَيْنِ" ، "إلاَّ أَنْ تَكُونَ كُلُّ" وَاحِدَةٍ "مِنْهُمَا طَرِيقًا لِلْحُكْمِ١ مُنْفَرِدَةٍ" قَالَهُ٢ فِي التَّمْهِيدِ وَغَيْرِهِ: وَذَلِكَ لأَنَّهُ لا يَصِحُّ تَرْجِيحُ طَرِيقٍ عَلَى مَا لَيْسَ بِطَرِيقٍ٣.

    وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: يَقَعُ٤ التَّرْجِيحُ إنْ أَمْكَنَ كَوْنُهُ طَرِيقًا قَبْلَ ثُبُوتِهِ٥.

    vol. 5, p. 625
  21. "وَرُجْحَانُ الدَّلِيلِ: كَوْنُ الظَّنِّ الْمُسْتَفَادِ مِنْهُ أَقْوَى" مِنْ الظَّنِّ الْمُسْتَفَادِ مِنْ غَيْرِهِ٦. وَقَدْ٧ تَقَدَّمَ أَنَّ التَّرْجِيحَ: فِعْلُ الْمُرَجَّحِ، وَأَمَّا رُجْحَانُ الدَّلِيلِ: فَهُوَ صِفَةٌ٨ قَائِمَةٌ بِهِ٩، أَوْ مُضَافَةٌ إلَيْهِ، وَيَظْهَرُ هَذَا فِي التَّصْرِيفِ، تَقُولُ: رَجَّحْت الدَّلِيلَ تَرْجِيحًا،

    vol. 5, p. 626فَأَنَا مُرَجِّحٌ، وَالدَّلِيلُ مُرَجَّحٌ، وَتَقُولُ: رَجَحَ الدَّلِيلُ رُجْحَانًا، فَهُوَ رَاجِحٌ. فَأَسْنَدْت التَّرْجِيحَ إلَى نَفْسِك إسْنَادَ الْفِعْلِ إلَى الْفَاعِلِ، وَأَسْنَدْت الرُّجْحَانَ١ إلَى الدَّلِيلِ، فَلِذَلِكَ كَانَ التَّرْجِيحُ وَصْفَ الْمُسْتَدِلِّ. وَالرُّجْحَانُ وَصْفَ الدَّلِيلِ٢.

  22. وَلَمَّا أَهْمَلَ -أَوْ سَهَا- عَنْ هَذِهِ الطَّرِيقَةِ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ وَهِمَ فِي الْفَرْقِ بَيْنَ دَلالَةِ اللَّفْظِ وَالدَّلالَةِ بِاللَّفْظِ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا: أَنَّ دَلالَةَ اللَّفْظِ صِفَةٌ لَهُ. وَهِيَ٣ كَوْنُهُ بِحَيْثُ يُفِيدُ مُرَادَ الْمُتَكَلِّمِ بِهِ، أَوْ٤ إفَادَتُهُ مُرَادَ الْمُتَكَلِّمِ٥. كَأَنْ تَقُولَ٦: عَجِبْت مِنْ دَلالَةِ اللَّفْظِ، أَوْ٧ مِنْ أَنْ دَلَّ اللَّفْظُ. فَإِذَا فَسَّرْتهَا بِأَنْ٨ وَالْفِعْلِ الَّذِي يَنْحَلُّ إلَيْهِمَا: الْمَصْدَرُ. كَانَ الْفِعْلُ مُسْنَدًا إلَى اللَّفْظِ إسْنَادَ٩ الْفَاعِلِيَّةِ. وَالدَّلالَةُ١٠ بِاللَّفْظِ صِفَةُ الْمُتَكَلِّمِ وَفِعْلُهُ، وَهِيَ إفَادَةُ الْمُتَكَلِّمِ مِنْ اللَّفْظِ مَا أَرَادَ مِنْهُ؛ لأَنَّك تَقُولُ: عَجِبْت مِنْ دَلالَةِ فُلانٍ بِلَفْظِهِ،

    vol. 5, p. 627وَمِنْ أَنْ دَلَّ فُلانٌ بِلَفْظَةِ كَذَا، فَتَسْنُدُ ذَلِكَ إلَى فُلانٍ، وَهُوَ الْمُتَكَلِّمُ١، لا إلَى اللَّفْظِ.

  23. وَمِنْ أَمْثِلَةِ مَا الظَّنُّ الْمُسْتَفَادُ مِنْهُ أَقْوَى مِنْ غَيْرِهِ٢: الظَّنُّ الْمُسْتَفَادُ مِنْ قِيَاسِ الْعِلَّةِ، فَإِنَّهُ أَقْوَى مِنْ الظَّنِّ الْمُسْتَفَادِ٣ مِنْ قِيَاسِ الشَّبَهِ.

  24. "وَيَجِبُ تَقْدِيمُ الرَّاجِحِ" مِنْ الأَدِلَّةِ عَلَى الْمَرْجُوحِ مِنْهَا.

  25. "وَيَكُونُ" التَّرْجِيحُ "بَيْنَ" دَلِيلَيْنِ "مَنْقُولَيْنِ" كَنَصَّيْنِ "وَ" بَيْنَ "مَعْقُولَيْنِ" كَقِيَاسَيْنِ "وَ" بَيْنَ "مَنْقُولٍ وَمَعْقُولٍ" كَنَصٍّ، وَقِيَاسٍ، فَهَذِهِ ثَلاثَةُ أَقْسَامٍ.

  26. وَمَحَلُّ ذَلِكَ: عِنْدَ مَشْرُوعِيَّةِ الاجْتِهَادِ فِي التَّرْجِيحِ، وَهُوَ مَا إذَا كَانَ الدَّلِيلانِ ظَنِّيَّيْنِ، وَجُهِلَ أَسْبَقُهُمَا، وَتَعَذَّرَ الرُّجُوعُ إلَى غَيْرِهِمَا. لأَنَّ تَرْجِيحَاتِ الأَدِلَّةِ الظَّنِّيَّةِ مُوصِلَةٌ إلَى التَّصْدِيقَاتِ الشَّرْعِيَّةِ.

  27. أَمَّا٤ الْقِسْمُ "الأَوَّلُ" وَهُوَ الَّذِي بَيْنَ مَنْقُولَيْنِ، فَيَكُونُ "فِي السَّنَدِ وَالْمَتْنِ، وَمَدْلُولِ اللَّفْظِ وَأَمْرٍ خَارِجٍ" عَمَّا ذُكِرَ، فَهَذِهِ أَرْبَعَةُ أَنْوَاعٍ.

  28. أَمَّا وُقُوعُهُ فِي السَّنَدِ: فَلِكَوْنِهِ طَرِيقَ ثُبُوتِهِ، وَأَمَّا وُقُوعُهُ فِي الْمَتْنِ: فَبِاعْتِبَارِ مَرْتَبَةِ دَلالَتِهِ، وَأَمَّا وُقُوعُهُ فِي١ مَدْلُولِ اللَّفْظِ وَأَمْرٍ خَارِجٍ فَلِمَا٢ يَتَرَتَّبُ عَلَى اللَّفْظِ، وَمَا يَنْضَمُّ إلَيْهِ مِنْ أَمْرٍ خَارِجٍ مِنْ أَحَدِ الأَحْكَامِ الْخَمْسَةِ الْمَدْلُولِ عَلَيْهَا بِهِ.

    vol. 5, p. 628
  29. "فَالسَّنَدُ" وَهُوَ النَّوْعُ الأَوَّلُ، وَيَقَعُ التَّرْجِيحُ بِحَسَبِهِ فِي أَرْبَعَةِ أَشْيَاءَ:

    الشَّيْءُ الأَوَّلُ: الرَّاوِي، وَيَكُونُ فِي نَفْسِهِ وَفِي٣ تَزْكِيَتِهِ.

  30. فَبَدَأْنَا٤ بِمَا فِي نَفْسِهِ.

  31. ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ الَّذِي عَلَيْهِ الأَرْبَعَةُ وَالأَكْثَرُ: أَنَّ السَّنَدَ "يُرَجَّحُ بِالأَكْثَرِ رُوَاةً" وَهُوَ بِأَنْ تَكُونَ٥ رُوَاتُهُ أَكْثَرَ مِنْ رُوَاةِ غَيْرِهِ؛ لأَنَّ الْعَدَدَ الْكَثِيرَ أَبْعَدُ عَنْ٦ الْخَطَإِ مِنْ الْعَدَدِ الْقَلِيلِ؛ لأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الْكَثِيرِ يُفِيدُ ظَنًّا. فَإِذَا انْضَمَّ إلَى غَيْرِهِ قَوِيَ، فَيَكُونُ مُقَدَّمًا لِقُوَّةِ

    vol. 5, p. 629الظَّنِّ١، وَقَدْ رَجَّحَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَوْلَ ذِي الْيَدَيْنِ بِمُوَافَقَةِ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ لِمَا قَالَهُ٢، وَعَمِلَ بِذَلِكَ الصَّحَابَةُ بَعْدَهُ.

  32. وَمِنْ أَمْثِلَةِ ذَلِكَ: مَسْأَلَةُ رَفْعِ الْيَدَيْنِ فِي غَيْرِ تَكْبِيرَةِ الإِحْرَامِ عِنْدَ٣ رُكُوعٍ وَرَفْعٍ مِنْهُ، فَرَوَى إبْرَاهِيمُ عَنْ عَلْقَمَةَ٤ عَنْ ابْنِ

    vol. 5, p. 630مَسْعُودٍ: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ ١عِنْدَ تَكْبِيرَةِ الإِحْرَامِ ثُمَّ لا يَعُودُ٢، وَرَوَى ابْنُ عُمَرَ: أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ إذَا افْتَتَحَ الصَّلاةَ، وَإِذَا كَبَّرَ لِلرُّكُوعِ، وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ الرُّكُوعِ٣ وَرَوَاهُ٤ ابْنُ٥ عُمَرَ وَوَائِلُ٦

    vol. 5, p. 631ابْنُ حُجْرٍ١ وَأَبُو حُمَيْدٍ السَّاعِدِيُّ٢ فِي عَشَرَةٍ مِنْ الصَّحَابَةِ، مِنْهُمْ: أَبُو قَتَادَةَ وَأَبُو أُسَيْدٍ٣، وَسَهْلُ بْنُ سَعْدٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ، وَرَوَاهُ أَيْضًا أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعَلِيٌّ وَأَنَسٌ، وَجَابِرٌ، وَابْنُ

    vol. 5, p. 632الزُّبَيْرِ، وَأَبُو هُرَيْرَةَ١ وَجَمْعٌ غَيْرُهُمْ، بَلَغُوا ثَلاثَةً وَثَلاثِينَ صَحَابِيًّا٢.

  33. وَقَدَّمَ ابْنُ بُرْهَانٍ الأَوْثَقَ عَلَى الأَكْثَرِ. قَالَ الْمَجْدُ: وَهُوَ قِيَاسُ مَذْهَبِنَا٣.

  34. وَخَالَفَ الْكَرْخِيُّ وَغَيْرُهُ، فَقَالَ: لا يُرَجَّحُ بِالْكَثْرَةِ٤.

  35. وَذَكَرَهُ١ ابْنُ عَقِيلٍ عَنْ بَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ، وَنَقَلَهُ صَاحِبُ الْمِيزَانِ٢ مِنْ الْحَنَفِيَّةِ عَنْ أَكْثَرِ الْحَنَفِيَّةِ: أَنَّهُ٣ كَالشَّهَادَةِ وَالْفَتْوَى.

    vol. 5, p. 633
  36. وَرُدَّ قِيَاسُهُمْ عَلَى الشَّهَادَةِ بِأَنَّ عِنْدَ مَالِكٍ: الْكَثْرَةُ فِي الشُّهُودِ تُقَدَّمُ، وَهُوَ قَوْلٌ لَنَا، ثُمَّ الشَّهَادَةُ تَعَبُّدٌ، وَحُجَّةٌ مُتَّفَقٌ عَلَيْهَا، وَمُقَدَّرَةٌ شَرْعًا بِعَدَدٍ، وَلَمْ تُرَجَّحْ٤ الصَّحَابَةُ فِيهَا بِمِثْلِهِ٥.

  37. و١َقَالَ الْقَاضِي وَأَبُو الْخَطَّابِ: وَلَمْ يُرَجَّحْ فِيهَا بِالأَتْقَنِ الأَعْلَمِ.

    vol. 5, p. 634
  38. وَرُدَّ قِيَاسُهُمْ عَلَى الْفَتْوَى: بِأَنَّهُ لا يَقَعُ الْعِلْمُ بِهَا فَلَيْسَ طَرِيقُهَا الْخَبَرَ. إنَّمَا نَقِفُ عَلَى عِلْمِ الْمُفْتِي٢، وَقَدْ يَكُونُ الْوَاحِدُ أَعْلَمَ٣.

  39. ٤وَعِنْدَ أَحْمَدَ وَمَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ "أَوْ أَكْثَرَ أَدِلَّةً" فَإِنَّ كَثْرَةَ الأَدِلَّةِ تُفِيدُ تَقْوِيَةِ الظَّنِّ؛ لأَنَّ الظَّنَّيْنِ أَقْوَى مِنْ الظَّنِّ الْوَاحِدِ، لِكَوْنِ٥ الأَكْثَرِ أَدِلَّةً أَقْرَبَ إلَى الْقَطْعِ، فَيُرَجَّحُ بِذَلِكَ٦،

    vol. 5, p. 635خِلافًا لِلْحَنَفِيَّةِ١.

  40. "وَ" الثَّانِي مِنْ الْمُرَجِّحَاتِ: أَنْ يَكُونَ أَحَدُ الرَّاوِيَيْنِ رَاجِحًا عَلَى الآخَرِ فِي وَصْفٍ يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ صِدْقُهُ فَيُرَجَّحُ "بِالأَزْيَدِ ثِقَةً. وَبِفَطِنَةٍ، وَوَرَعٍ، وَعِلْمٍ، وَضَبْطٍ، وَلُغَةٍ، وَنَحْوٍ" فَكُلُّ وَصْفٍ مِنْ هَذِهِ الأَوْصَافِ يُرَجَّحُ بِهِ عَلَى مَنْ لَمْ يَبْلُغْهُ٢.