فصل في الأشتقاق
82 paragraphs · vol. 1, p. 204
Page 2 of 3
- vol. 1, p. 213
وَكَذَلِكَ الْعَيُّوقُ١ وَالسَّمَّاكُ٢. قَالَهُ الْعَضُدُ٣.
-
وَكَأَنَّ عَدَمُ الاطِّرَادِ، لِكَوْنِ التَّسْمِيَةِ لا لِهَذَا الْمَعْنَى فَقَطْ، بَلْ لِمُصَاحَبَتِهِ٤ لَهُ، وَفَرْقٌ بَيْنَ تَسْمِيَةِ الْعَيْنِ٥ لِوُجُودِ الْمُشْتَقِّ مِنْهُ فِيهِ، - وَهُوَ الاطِّرَادِيُّ -، أَوْ لِوُجُودِهِ فِيهِ. وَهُوَ مَا لا يَطَّرِدُ٦.
-
"وَإِطْلاقُهُ" أَيْ: إطْلاقُ الْوَصْفِ الْمُشْتَقِّ عَلَى شَيْءٍ "قَبْلَ وُجُودِ الصِّفَةِ" أَيْ قَبْلَ قِيَامِ الْوَصْفِ "الْمُشْتَقِّ مِنْهَا" بِذَلِكَ الشَّيْءِ "مَجَازٌ" وَحُكِيَ إجْمَاعًا "إنْ أُرِيدَ الْفِعْلُ" ٧ كَقَوْلِنَا مَثَلاً: "زَيْدٌ بَائِعٌ" ، قَبْلَ وُجُودِ الْبَيْعِ مِنْهُ.
-
وَهُوَ "حَقِيقَةٌ إنْ أُرِيدَتْ٨ الصِّفَةُ" الْمُشَبَّهَةُ بِاسْمِ الْفَاعِلِ "كَسَيْفٍ قَطُوعٍ
vol. 1, p. 214وَنَحْوِهِ١ "، كَخُبْزٍ مُشْبِعٍ، وَخَمْرٍ مُسْكِرٍ وَمَاءٍ مُرْوٍ٢.
-
"فَأَمَّا صِفَاتُ اللَّهِ تَعَالَى فَقَدِيمَةٌ وَحَقِيقَةٌ " عِنْدَ أَحْمَدَ وَأَصْحَابِهِ. وَأَكْثَرِ أَهْلِ السُّنَّةِ٣.
-
قَالَ الْحَافِظُ أَبُو الْفَضْلِ بْنُ حَجَرٍ٤ فِي "شَرْحِ الْبُخَارِيِّ ": " اخْتَلَفُوا هَلْ صِفَةُ الْفِعْلِ قَدِيمَةٌ أَوْ حَادِثَةٌ؟ فَقَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ السَّلَفِ، - مِنْهُمْ أَبُو حَنِيفَةَ-: هِيَ قَدِيمَةٌ. وَقَالَ آخَرُونَ، - مِنْهُمْ ابْنُ كُلاَّبٍ وَالأَشْعَرِيُّ-: هِيَ حَادِثَةٌ، لِئَلاَّ [يَلْزَمَ أَنْ] ٥ يَكُونَ الْمَخْلُوقُ قَدِيمًا.
-
وَأَجَابَ الأَوَّلُونَ٦: بِأَنَّهُ يُوجَدُ فِي الأَزَلِ صِفَةُ الْخَلْقِ، وَلا مَخْلُوقَ. فَأَجَابَ الأَشْعَرِيُّ: بِأَنَّهُ لا يَكُونُ خَلْقٌ وَلا مَخْلُوقٌ، كَمَا لا يَكُونُ ضَارِبٌ وَلا مَضْرُوبٌ. فَأَلْزَمُوهُ بِحُدُوثِ صِفَاتِهِ، فَيَلْزَمُ حُلُولُ الْحَوَادِثِ بِاَللَّهِ تَعَالَى. فَأَجَابَ: بِأَنَّ هَذِهِ الصِّفَاتِ لا تُحْدِثُ فِي الذَّاتِ شَيْئًا جَدِيدًا.
-
فَتُعُقِّبَ٧ بِأَنَّهُ يَلْزَمُ أَنْ لا يُسَمَّى فِي الأَزَلِ خَالِقًا وَلا رَازِقًا. وَكَلامُ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى قَدِيمٌ وَقَدْ ثَبَتَ فِيهِ أَنَّهُ الْخَالِقُ الرَّازِقُ.
- vol. 1, p. 215
فَانْفَصَلَ بَعْضُ الأَشْعَرِيَّةِ بِأَنَّ إطْلاقَ ذَلِكَ إنَّمَا هُوَ بِطَرِيقِ الْمَجَازِ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِعَدَمِ التَّسْمِيَةِ عَدَمَهَا بِطَرِيقِ الْحَقِيقَةِ. وَلَمْ يَرْتَضِهِ بَعْضُهُمْ، بَلْ قَالَ - وَهُوَ الْمَنْقُولُ عَنْ الأَشْعَرِيِّ نَفْسِهِ-: إنَّ الأَسَامِيَ جَارِيَةٌ مَجْرَى الأَعْلامِ، وَالْعَلَمُ لَيْسَ بِحَقِيقَةٍ وَلا مَجَازٍ فِي اللُّغَةِ، وَأَمَّا فِي الشَّرْعِ: فَلَفْظُ الْخَالِقِ وَالرَّازِقِ صَادِقٌ عَلَيْهِ تَعَالَى بِالْحَقِيقَةِ الشَّرْعِيَّةِ، وَالْبَحْثُ إنَّمَا هُوَ فِيهَا، لا فِي الْحَقِيقَةِ اللُّغَوِيَّةِ.
-
فَأَلْزَمُوهُ١: بِتَجْوِيزِ إطْلاقِ اسْمِ الْفَاعِلِ عَلَى مَنْ لَمْ يَقُمْ بِهِ الْفِعْلُ فَأَجَابَ: بِأَنَّ الإِطْلاقَ هُنَا شَرْعِيٌّ لا لُغَوِيٌّ "٢. انْتَهَى كَلامُ الْحَافِظِ.
وَقَالَ: "تَصَرُّفُ الْبُخَارِيِّ٣ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ٤ يَقْتَضِي ٥ مُوَافَقَةَ الْقَوْلِ ٥ الأَوَّلِ. وَالصَّائِرُ إلَيْهِ يَسْلَمُ٦ مِنْ الْوُقُوعِ فِي مَسْأَلَةِ حَوَادِثَ لا أَوَّلَ لَهَا"٧.
- vol. 1, p. 216
وَنَفَتْ١ الْمُعْتَزِلَةُ جَمِيعَ الصِّفَاتِ وَقَالُوا: إمَّا أَنْ تَكُونَ حَادِثَةً. فَيَلْزَمُ قِيَامُ الْحَوَادِثِ بِذَاتِهِ تَعَالَى، وَإِمَّا أَنْ تَكُونَ قَدِيمَةً فَيَلْزَمُ تَعَدُّدُ الْقُدَمَاءِ. وَهُوَ كُفْرٌ٢.
-
"وَأُجِيبَ عَنْ ذَلِكَ بِأَنَّا لا نُسَلِّمُ تَغَايُرَ الذَّاتِ مَعَ الصِّفَاتِ، وَلا الصِّفَاتِ بَعْضِهَا مَعَ الْبَعْضِ، لِيَثْبُتَ التَّعَدُّدُ. فَإِنَّ الْغَيْرَيْنِ هُمَا اللَّذَانِ يُمْكِنُ انْفِكَاكُ أَحَدِهِمَا عَنْ الآخَرِ بِمَكَانٍ أَوْ زَمَانٍ٣، أَوْ بِوُجُودٍ٤ وَعَدَمٍ، أَوْهَمَا ذَاتَانِ لَيْسَتْ إحْدَاهُمَا الأُخْرَى ٥ وَتَفْسِيرُهُمَا بِالشَّيْئَيْنِ، أَوْ ٥ الْمَوْجُودَيْنِ، أَوْ الاثْنَيْنِ فَاسِدٌ، لأَنَّ " الْغَيْرَ " مِنْ الأَسْمَاءِ الإِضَافِيَّةِ، وَلا إشْعَارَ فِي هَذَا التَّفْسِيرِ بِذَلِكَ" . قَالَهُ فِي "شَرْحِ الْمَقَاصِدِ" ٦.
-
"وَ" اللَّفْظُ "الْمُشْتَقُّ حَالَ وُجُودِ الصِّفَةِ" أَيْ قِيَامِهَا بِالْمَوْصُوفِ. كَقَوْلِنَا لِمَنْ يَضْرِبُ حَالَ وُجُودِ الضَّرْبِ مِنْهُ: ضَارِبٌ "حَقِيقَةً" إجْمَاعًا.
-
"وَبَعْدَ انْقِضَائِهَا" أَيْ انْقِضَاءِ وُجُودِ الصِّفَةِ، وَهُوَ الْفَرَاغُ مِنْ الضَّرْبِ "مَجَازٌ" عِنْدَ الْقَاضِي، وَابْنِ عَقِيلٍ، وَالْحَنَفِيَّةِ، وَالرَّازِيِّ وَأَتْبَاعِهِ، بِاعْتِبَارِ مَا كَانَ.
-
وَعِنْدَ ابْنِ حَمْدَانَ وَغَيْرِهِ وَحُكِيَ عَنْ أَكْثَرِ الْحَنَفِيَّةِ٧، - وَاخْتَارَهُ أَبُو الطَّيِّبِ٨- أَنَّهُ حَقِيقَةٌ عَقِبَ الْفِعْلِ.
vol. 1, p. 217وَقَالَ الْقَاضِي أَيْضًا وَأَبُو الْخَطَّابِ، وَجَمْعٌ: إنْ لَمْ يُمْكِنْ بَقَاءُ الْمَعْنَى، كَالْمَصَادِرِ السَّيَّالَةِ، - كَالْكَلامِ وَالتَّحَرُّكِ وَنَحْوِهِمَا-، فَحَقِيقَةٌ، وَإِلاَّ فَمَجَازٌ، كَالْقِيَامِ وَنَحْوِهِ١.
-
وَاحْتَجَّ لِمَا فِي الْمَتْنِ، بِأَنَّهُ٢ يَصِحُّ نَفْيُهُ، فَيَصْدُقُ بَعْدَ انْقِضَائِهَا: أَنَّهُ٣ لَيْسَ بِضَارِبٍ فِي الْحَالِ٤، وَالسَّلْبُ الْمُطْلَقُ جُزْءُ الْمُقَيَّدِ٥.
-
وَأَمَّا إطْلاقُ الْمُؤْمِنِ عَلَى الْمَيِّتِ فَحَقِيقَةٌ؛ لأَنَّ الإِيمَانَ لا يُفَارِقُهُ بِالْمَوْتِ. قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: "وَهَذِهِ هِيَ مَسْأَلَةُ النُّبُوَّةِ٦، وَلا تَزُولُ بِالْمَوْتِ. وَبِسَبَبِهَا جَرَتْ الْمِحْنَةُ عَلَى الأَشْعَرِيَّةِ فِي زَمَنِ مَلِكِ خُرَاسَانَ مَحْمُودِ٧ بْنِ سُبُكْتِكِينَ٨ [وَالْقَاضِي وَسَائِرِ أَهْلِ السُّنَّةِ أَنْكَرُوا عَلَيْهِمْ
vol. 1, p. 218هَذَا] ١، حَتَّى صَنَّفَ الْبَيْهَقِيُّ٢ "حَيَاةَ الأَنْبِيَاءِ فِي قُبُورِهِمْ" ..٣ ".
- وَيُسْتَثْنَى مِنْ مَحَلِّ الْخِلافِ ثَلاثُ مَسَائِلَ٤:
-
الأُولَى: لَوْ طَرَأَ عَلَى الْمَحَلِّ وَصْفٌ وُجُودِيٌّ يُنَاقِضُ الأَوَّلَ، كَتَسْمِيَةِ الْيَقْظَانِ نَائِمًا - بِاعْتِبَارِ٥ نَوْمٍ سَابِقٍ-، فَمَجَازٌ إجْمَاعًا.
-
الثَّانِيَةُ: لَوْ مَنَعَ مَانِعٌ مِنْ خَارِجٍ مِنْ إطْلاقِهِ، فَلا حَقِيقَةَ وَلا مَجَازَ، كَإِطْلاقِ الْكَافِرِ عَلَى مَنْ أَسْلَمَ بِاعْتِبَارِ كُفْرٍ سَابِقٍ، وَالْمَنْعُ مِنْ ذَلِكَ، لِمَا فِيهِ مِنْ إهَانَةِ الْمُسْلِمِ وَالإِخْلالِ بِتَعْظِيمِهِ.
-
الثَّالِثَةُ٦: قَالَ الْقَرَافِيُّ٧: "مَحَلُّ الْخِلافِ: إذَا كَانَ الْمُشْتَقُّ مَحْكُومًا بِهِ كَزَيْدٍ مُشْرِكٌ٨، أَوْ سَارِقٌ، أَمَّا إذَا ٩ كَانَ تَعَلُّقُ ٩ الْحُكْمِ، - وَهُوَ الْمَحْكُومُ عَلَيْهِ - كَـ {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا} ١٠ {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ
vol. 1, p. 219فَاقْطَعُوا} ١ فَهُوَ٢ حَقِيقَةٌ مُطْلَقَاً٣ فِيمَنْ اتَّصَفَ٤ بِهِ فِي الْمَاضِي وَالْحَالِ وَالاسْتِقْبَالِ، إذَا لَوْ كَانَ مَجَازًا: لَكَانَ مَنْ زَنَى، أَوْ سَرَقَ بَعْدَ زَمَانِ نُزُولِ الآيَةِ "زَانِيًا مَجَازًا" ٥، وَالْخِطَابُ لا يَكُونُ مَجَازًا فَلا يَدْخُلُ فِيهَا؛ لأَنَّ الأَصْلَ عَدَمُ٦ الْمَجَازِ، وَلا قَائِلَ بِذَلِكَ٧ ".
-
"وَشَرْطُهُ " أَيْ: شَرْطُ الْمُشْتَقِّ، سَوَاءٌ كَانَ اسْمًا أَوْ فِعْلاً " صِدْقُ أَصْلِهِ" وَهُوَ الْمُشْتَقُّ مِنْهُ [عَلَيْهِ] خِلافًا لِلْجُبَّائِيَّةِ، لإِطْلاقِهِمْ الْعَالِمَ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَإِنْكَارِ حُصُولِ الْعِلْمِ لَهُ.
-
وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ ذَكَرَهَا الأُصُولِيُّونَ لِيَرُدُّوا عَلَى الْمُعْتَزِلَةِ، فَإِنَّهُمْ ذَهَبُوا٨ إلَى مَسْأَلَةٍ خَالَفَتْ هَذِهِ الْقَاعِدَةَ. فَإِنَّ أَبَا عَلِيٍّ الْجُبَّائِيَّ٩ وَابْنَهُ أَبَا هَاشِمٍ١٠ ذَهَبُوا١١ إلَى نَفْيِ الْعِلْمِ عَنْهُ تَعَالَى. وَكَذَلِكَ الصِّفَاتُ الَّتِي أَثْبَتَهَا أَئِمَّةُ الإِسْلامِ.
- vol. 1, p. 220
لَكِنْ قَالَ الْبِرْمَاوِيُّ: تَحْرِيرُ النَّقْلِ عَنْ أَبِي عَلِيٍّ وَابْنِهِ - كَمَا صَرَّحَا بِهِ فِي كُتُبِهِمَا الأُصُولِيَّةِ- أَنَّهُمَا يَقُولانِ: إنَّ الْعَالَمِيَّةَ بِعِلْمٍ، لَكِنَّ عِلْمَ اللَّهِ تَعَالَى عَيْنُ ذَاتِهِ، لا أَنَّهُ عَالِمٌ بِدُونِ عِلْمٍ، كَمَا اُشْتُهِرَ فِي النَّقْلِ عَنْهُمَا وَكَذَا الْقَوْلُ فِي بَقِيَّةِ الصِّفَاتِ. وَأَمَّا أَهْلُ السُّنَّةِ فَيُعَلِّلُونَ الْعَالِمَ بِوُجُودِ عِلْمٍ قَدِيمٍ قَائِمٍ بِذَاتِهِ، وَكَذَا فِي الْبَاقِي١.
-
"وَكُلُّ اسْمِ مَعْنًى قَائِمٌ بِمَحَلٍّ يَجِبُ أَنْ يُشْتَقَّ لِمَحَلِّهِ مِنْهُ" أَيْ مِنْ ذَلِكَ الْمَعْنَى "اسْمُ فَاعِلٍ" ٢.
-
وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مِنْ أُصُولِ حُجَجِ السَّلَفِ وَالأَئِمَّةِ. فَإِنَّهُ مِنْ الْمَعْلُومِ فِي فِطَرِ٣ الْخَلْقِ: أَنَّ الصِّفَةَ إذَا قَامَتْ بِمَحَلٍّ اتَّصَفَ بِهَا ذَلِكَ الْمَحَلُّ لا غَيْرُهُ فَإِذَا قَامَ الْعِلْمُ بِمَحَلٍّ كَانَ هُوَ الْعَالِمُ بِهِ لا غَيْرُهُ، وَكَذَلِكَ إذَا قَامَتْ الْقُدْرَةُ أَوْ الْحَيَاةُ أَوْ غَيْرُ ذَلِكَ مِنْ الصِّفَاتِ، وَلا خِلافَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ أَهْلِ السُّنَّةِ.
-
وَخَالَفَ فِي ذَلِكَ الْمُعْتَزِلَةُ، فَسَمَّوْا اللَّهَ تَعَالَى مُتَكَلِّمًا بِكَلامِ خَلْقِهِ فِي جِسْمٍ. وَلَمْ يُسَمُّوا ذَلِكَ الْجِسْمَ مُتَكَلِّمًا.
-
دَلِيلُ أَهْلِ السُّنَّةِ: الاسْتِقْرَاءُ، فَإِنَّ لُغَةَ الْعَرَبَ اُسْتُقْرِئَتْ فَلَمْ يُوجَدْ فِيهَا اسْمُ فَاعِلٍ مُطْلَقٌ عَلَى شَيْءٍ إلاَّ وَالْمَعْنَى الْمُشْتَقُّ مِنْهُ قَائِمٌ بِهِ، وَهُوَ يُفِيدُ الْقَطْعَ بِذَلِكَ.
-
"وَ" الْمُشْتَقُّ مِثْلُ "أَبْيَضَ وَنَحْوِهِ" كَأَسْوَدَ وَضَارِبٍ وَمَضْرُوبٍ "يَدُلُّ عَلَى
vol. 1, p. 221ذَاتٍ مُتَّصِفَةٍ بِبَيَاضٍ " أَوْ سَوَادٍ أَوْ وُجُودِ ضَرْبٍ " لا " عَلَى ١ خُصُوصِيَّتِهَا بِهِ ١ أَيْ لا عَلَى أَنَّهَا مُخْتَصَّةٌ بِذَلِكَ الْوَصْفِ٢.
-
ثُمَّ إنْ عُلِمَ مِنْهُ شَيْءٌ فَهُوَ عَلَى طَرِيقِ الالْتِزَامِ، لا بِاعْتِبَارِ كَوْنِهِ جُزْءًا مِنْ مُسَمَّاهُ. وَاَلَّذِي يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ: أَنَّ قَوْلَنَا "إنَّ الأَبْيَضَ جِسْمٌ " مُسْتَقِيمٌ، وَلَوْ دَلَّ الأَسْوَدُ عَلَى خُصُوصِ الاسْمِ، لَكَانَ غَيْرَ مُسْتَقِيمٍ؛ لأَنَّهُ حِينَئِذٍ يَكُونُ مَعْنَاهُ: " الْجِسْمُ ذُو السَّوَادِ " جِسْمٌ، وَهُوَ غَيْرُ مُسْتَقِيمٍ، لِلُّزُومِ التَّكْرَارِ بِلا فَائِدَةٍ.
-
وَمَا أَحْسَنَ مَا قَرَّرَهُ بَعْضُهُمْ بِقَوْلِهِ: "الْمُشْتَقُّ لا إشْعَارَ لَهُ بِخُصُوصِيَّةِ الذَّاتِ ". فَالأَسْوَدُ - مَثَلاً- ذَاتٌ لَهَا سَوَادٌ، وَلا يَدُلُّ عَلَى حَيَوَانٍ، وَلا غَيْرِهِ. وَالْحَيَوَانُ: ذَاتٌ لَهَا حَيَاةٌ، لا خُصُوصُ إنْسَانٍ وَلا غَيْرِهِ.
-
"وَالْخَلْقُ غَيْرُ الْمَخْلُوقِ، وَهُوَ " أَيْ الْخَلْقُ " فِعْلُ الرَّبِّ تَعَالَى قَائِمٌ بِهِ، مُغَايِرٌ لِصِفَةِ الْقُدْرَةِ " وَهَذَا الصَّحِيحُ عِنْدَ أَكْثَرِ أَصْحَابِنَا وَالْقَاضِي أَخِيرًا، وَأَئِمَّةِ الشَّافِعِيَّةِ وَأَهْلِ الأَثَرِ.
قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: "الْخَلْقُ فِعْلُ اللَّهِ تَعَالَى الْقَائِمُ بِهِ، وَالْمَخْلُوقَاتُ الْمُنْفَصِلَةُ عَنْهُ، وَحَكَاهُ الْبَغَوِيّ٣ عَنْ أَهْلِ السُّنَّةِ، وَنَقَلَهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ الْعُلَمَاءِ مُطْلَقًا، فَقَالَ: قَالَ عُلَمَاءُ السَّلَفِ: إنَّ خَلْقَ الرَّبِّ تَعَالَى لِلْعَالَمِ لَيْسَ هُوَ
vol. 1, p. 222الْمَخْلُوقُ، بَلْ فِعْلُهُ الْقَائِمُ بِهِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ. انْتَهَى. ذَكَرَهُ فِي كِتَابِ "خَلْقِ أَفْعَالِ الْعِبَادِ" ١، وَهُوَ قَوْلُ الْكَرَّامِيَّةِ، وَكَثِيرٍ مِنْ الْمُعْتَزِلَةِ "٢.
-
وَعِنْدَ الْقَاضِي أَوَّلاً٣ وَابْنِ عَقِيلٍ، وَابْنِ الزَّاغُونِيِّ٤، وَالأَشْعَرِيَّةِ، وَأَكْثَرِ الْمُعْتَزِلَةِ: أَنَّ الْخَلْقَ الْمَخْلُوقُ.
قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: "ذَهَبَ هَؤُلاءِ إلَى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَيْسَ لَهُ صِفَةٌ ذَاتِيَّةٌ مِنْ أَفْعَالِهِ وَإِنَّمَا الْخَلْقُ هُوَ الْمَخْلُوقُ، أَوْ مُجَرَّدُ نِسْبَةٍ، أَوْ إضَافَةٍ، وَعِنْدَ هَؤُلاءِ: حَالُ الذَّاتِ الَّتِي تَخْلُقُ وَتَرْزُقُ وَلا تَخْلُقُ وَلا تَرْزُقُ سَوَاءٌ٥". انْتَهَى.
-
وَالرَّبُّ لا يُوصَفُ بِمَا هُوَ مَخْلُوقٌ لَهُ، وَإِنَّمَا يُوصَفُ بِمَا هُوَ قَائِمٌ بِهِ.
- vol. 1, p. 223
"فَائِدَةٌ"
-
"تَثْبُتُ اللُّغَةُ قِيَاسًا فِيمَا" أَيْ فِي لَفْظٍ "وُضِعَ لِمَعْنًى دَارَ مَعَهُ" أَيْ مَعَ اللَّفْظِ "وُجُودًا وَعَدَمًا" ، "كَخَمْرٍ لِنَبِيذٍ" لِتَخْمِيرِ الْعَقْلِ "وَنَحْوِهِ" كَسَارِقٍ لِنَبَّاشٍ، لأَخْذٍ١ خُفْيَةً، وَزَانٍ لِلاَّئِطِ، لِلْوَطْءِ الْمُحَرَّمِ، وَعَلَى هَذَا أَكْثَرُ أَصْحَابِنَا، وَابْنُ سُرَيْجٍ٢، وَأَبُو إِسْحَاقَ الشِّيرَازِيُّ وَالْفَخْرُ الرَّازِيّ، وَغَيْرُهُمْ.
-
وَنَقَلَهُ الأُسْتَاذُ أَبُو مَنْصُورٍ٣ عَنْ نَصِّ الشَّافِعِيِّ، فَإِنَّهُ قَالَ فِي الشُّفْعَةِ: إنَّ الشَّرِيكَ جَارٌ قِيَاسًا عَلَى تَسْمِيَةِ امْرَأَةِ الرَّجُلِ جَارُهُ٤. وَكَذَا قَالَ ابْنُ فُورَكٍ٥: إنَّهُ الظَّاهِرُ مِنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ، أَنَّهُ٦ قَالَ: الشَّرِيكُ جَارٌ.
- vol. 1, p. 224
وَقِيلَ: لا تَثْبُتُ قِيَاسًا مُطْلَقًا. اخْتَارَهُ أَبُو الْخَطَّابِ، وَالصَّيْرَفِيُّ١، وَأَبُو بَكْرٍ الْبَاقِلاَّنِيُّ فِي "التَّقْرِيبِ" .
-
وَفَائِدَةُ الْخِلافِ: أَنَّ الْمُثْبِتَ لِلْقِيَاسِ فِي اللُّغَةِ يَسْتَغْنِي عَنْ٢ الْقِيَاسِ الشَّرْعِيِّ. فَيَكُونُ إيجَابُ الْحَدِّ عَلَى شَارِبِ النَّبِيذِ، وَالْقَطْعِ عَلَى النَّبَّاشِ بِالنَّصِّ، وَمَنْ أَنْكَرَ الْقِيَاسَ فِي اللُّغَةِ جَعَلَ ثُبُوتَ ذَلِكَ بِالشَّرْعِ٣.
-
"وَالإِجْمَاعُ عَلَى مَنْعِهِ" أَيْ: مَنْعِ الْقِيَاسِ "فِي عَلَمٍ وَلَقَبٍ وَصِفَةٍ. وَكَذَا مِثْلُ إنْسَانٍ وَرَجُلٍ٤، وَرَفْعِ فَاعِلٍ" ٥.
قَالَ ابْنُ مُفْلِحٍ فِي "أُصُولِهِ" : "الإِجْمَاعُ عَلَى مَنْعِهِ فِي الأَعْلامِ وَالأَلْقَابِ، وَذَكَرَهُ جَمَاعَةٌ، مِنْهُمْ: ابْنُ عَقِيلٍ لِوَضْعِهِمَا لِغَيْرِ مَعْنًى جَامِعٍ وَالْقِيَاسُ فَرْعُهُ.