فصل في بيان معنى الحروف
226 paragraphs · vol. 1, p. 226
Page 1 of 6
- vol. 1, p. 226
...
-
"الْحُرُوفُ" أَيْ هَذَا فَصْلُ بَيَانِ مَعْنَى الْحُرُوفِ.
قَالَ الْقَاضِي عَضُدُ الدِّينِ: "قَدْ قَالَ النُّحَاةُ: إنَّ الْحَرْفَ لا يَسْتَقِلُّ بِالْمَعْنَى١. وَعَلَيْهِ إشْكَالٌ. فَتَقَرَّرَ الْمُرَادُ أَوَّلاً، وَالإِشَارَةُ إلَى الإِشْكَالِ ثَانِيًا، وَحَلُّهُ ثَالِثًا.
-
أَمَّا تَقْرِيرُهُ: فَهُوَ أَنَّ نَحْوَ "مِنْ " وَ " إلَى " مَشْرُوطٌ فِي وَضْعِهَا دَالَّةٌ٢ عَلَى مَعْنَاهَا الإِفْرَادِيِّ، وَهُوَ الابْتِدَاءُ وَالانْتِهَاءُ. وَذِكْرُ مُتَعَلَّقِهَا مِنْ دَارٍ أَوْ سُوقٍ أَوْ غَيْرِهِمَا، مِمَّا يَدْخُلُ عَلَيْهِ الْحَرْفُ، وَمِنْهُ الابْتِدَاءُ، وَإِلَيْهِ الانْتِهَاءُ. وَالاسْمُ نَحْوُ " الابْتِدَاءِ " وَ " الانْتِهَاءِ "، وَالْفِعْلُ نَحْوُ " ابْتَدَأَ " وَ " انْتَهَى " غَيْرُ مَشْرُوطٍ فِيهِ ذَلِكَ.
-
وَأَمَّا الإِشْكَالُ: فَهُوَ أَنَّ نَحْوَ: ذُو، وَأُولُو٣، وأُولاتُ٤، وَقَيْدٌ، وَقَيْسٌ٥، وَقَابَ، وَأَيْ، وَبَعْضُ، وَكُلُّ، وَفَوْقَ، وَتَحْتَ، وَأَمَامَ، وَقُدَّامَ، وَخَلْفَ، وَوَرَاءَ ... مِمَّا لا يُحْصَى كَذَلِكَ، إذْ لَمْ يُجَوِّزْ الْوَاضِعُ اسْتِعْمَالَهَا إلاَّ بِمُتَعَلِّقَاتِهَا. فَكَانَ يَجِبُ كَوْنُهَا حُرُوفًا. وَإِنَّهَا أَسْمَاءٌ.
-
وَأَمَّا الْحَلُّ: فَهُوَ أَنَّهَا - وَإِنْ لَمْ يَتَّفِقْ اسْتِعْمَالُهَا إلاَّ كَذَلِكَ، لأَمْرٍ مَا عَرَضَ-. فَغَيْرُ٦ مَشْرُوطٍ فِي وَضْعِهَا [دَالَّةٌ] ٧ ذَلِكَ لِمَا عُلِمَ أَنَّ "ذُو" بِمَعْنَى
vol. 1, p. 227صَاحِبٍ، وَيُفْهَمُ مِنْهُ عِنْدَ الإِفْرَادِ ذَلِكَ، وَلَكِنَّ وَضْعَهُ لَهُ لِغَرَضٍ مَا، وَهُوَ التَّوَصُّلُ بِهِ إلَى الْوَصْفِ بِأَسْمَاءِ الأَجْنَاسِ، فِي نَحْوِ: زَيْدٌ ذُو مَالٍ، وَذُو فَرَسٍ، فَوَضْعُهُ لِيُتَوَصَّلَ بِهِ إلَى ذَلِكَ هُوَ الَّذِي اقْتَضَى ذِكْرَ الْمُضَافِ إلَيْهِ. لا أَنَّهُ١ لَوْ ذُكِرَ دُونَهُ لَمْ يَدُلَّ عَلَى مَعْنَاهُ نَعَمْ لَمْ يَحْصُلْ الْغَرَضُ مِنْ وَضْعِهِ! وَالْفَرْقُ بَيْنَ عَدَمِ فَهْمِ الْمَعْنَى، وَبَيْنَ عَدَمِ فَائِدَةِ٢ الْوَضْعِ مَعَ فَهْمِ الْمَعْنَى ظَاهِرٌ.
-
وَكَذَلِكَ "فَوْقَ" وُضِعَ لِمَكَانٍ لَهُ عُلُوٌّ. وَيُفْهَمُ مِنْهُ عِنْدَ الانْفِرَادِ٣ ذَلِكَ، وَلَكِنَّ وَضْعَهُ لَهُ لِيُتَوَصَّلَ [بِهِ] ٤ إلَى عُلْوٍ خَاصٍّ، اقْتَضَى ذِكْرَ الْمُضَافِ إلَيْهِ وَكَذَلِكَ بَاقِي٥ الأَلْفَاظِ "٦.
-
"وَإِذْ قَدْ تَحَقَّقَ ذَلِكَ فَنَقُولُ: الْحَرْفُ مَا٧ وُضِعَ بِاعْتِبَارِ مَعْنًى عَامٍّ، وَهُوَ نَوْعٌ مِنْ النِّسْبَةِ كَالابْتِدَاءِ٨ وَالانْتِهَاءِ، لِكُلِّ ابْتِدَاءٍ أَوْ انْتِهَاءٍ مُعَيَّنٍ بِخُصُوصِهِ.
-
وَالنِّسْبَةُ لا تَتَعَيَّنُ إلاَّ بِالْمَنْسُوبِ إلَيْهِ. فَالابْتِدَاءُ الَّذِي لِلْبَصْرَةِ يَتَعَيَّنُ٩ بِالْبَصْرَةِ. وَالانْتِهَاءُ الَّذِي لِلْكُوفَةِ يَتَعَيَّنُ١٠ بِالْكُوفَةِ، فَمَا١١ لَمْ يُذْكَرْ
vol. 1, p. 228مُتَعَلَّقُهُ، لا يَتَحَصَّلُ فَرْدٌ مِنْ ذَلِكَ النَّوْعِ الَّذِي١ هُوَ مَدْلُولُ الْحَرْفِ، لا فِي الْعَقْلِ وَلا فِي الْخَارِجِ، وَإِنَّمَا يَتَحَصَّلُ بِالْمَنْسُوبِ إلَيْهِ، فَيَتَعَقَّلُ بِتَعَقُّلِهِ٢، بِخِلافِ مَا وُضِعَ لِلنَّوْعِ بِعَيْنِهِ٣ كَالابْتِدَاءِ وَالانْتِهَاءِ.
[وَ] ٤ بِخِلافِ مَا وُضِعَ لِذَاتٍ مَا بِاعْتِبَارِ نِسْبَةٍ. نَحْوُ "ذُو" وَ "فَوْقَ" وَ "عَلَى" ، وَ "عَنْ" ، وَ "الْكَافِ" إذَا أُرِيدَ بِهَا٥ عُلُوٌّ وَتَجَاوُزٌ وَشَبَهٌ٦ مُطْلَقًا. فَهُوَ كَالابْتِدَاءِ [وَالانْتِهَاءِ] ٧ ... ٨ ". اهـ.
-
وَالْمُرَادُ بِالْحُرُوفِ هُنَا: "مَا يَحْتَاجُ الْفَقِيهُ إلَى مَعْرِفَتِهِ مِنْ مَعَانِي الأَلْفَاظِ الْمُفْرَدَةِ "، لا الْحَرْفِ الَّذِي هُوَ قَسِيمُ الاسْمِ وَالْفِعْلِ، لأَنَّهُ قَدْ ذُكِرَ مَعَهَا أَسْمَاءٌ. كَـ " إِذَا " وَ " إِذْ"، وَأُطْلِقَ عَلَيْهَا لَفْظُ الْحُرُوفِ تَغْلِيبًا بِاعْتِبَارِ الأَكْثَرِ.
- vol. 1, p. 229
"الْوَاوُ"
-
"الْوَاوُ الْعَاطِفَةُ" تَكُونُ "لِمُطْلَقِ الْجَمْعِ" أَيْ: الْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ بَيْنَ التَّرْتِيبِ وَالْمَعِيَّةِ. عِنْدَ الأَئِمَّةِ الأَرْبَعَةِ وَأَكْثَرِ النُّحَاةِ١.
-
وَهِيَ تَارَةً تَعْطِفُ الشَّيْءَ عَلَى صَاحِبِهِ٢، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَصْحَابَ السَّفِينَةِ} ٣ وَعَلَى سَابِقِهِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وَإِبْرَاهِيمَ} ٤ وَعَلَى٥ لاحِقِهِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {٦ كَذَلِكَ يُوحِي ٦ إلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِك} ٧.
-
فَعَلَى هَذَا إذَا قِيلَ "قَامَ٨ زَيْدٌ وَعَمْرٌو" احْتَمَلَ ثَلاثَةَ٩ مَعَانٍ:
vol. 1, p. 230الْمَعِيَّةَ – ١ عِنْدَ الأَئِمَّةِ الأَرْبَعَةِ وَأَكْثَرِ النُّحَاةِ ١ - وَالتَّرْتِيبَ، وَعَدَمَهُ.
قَالَ ابْنُ مَالِكٍ: "وَكَوْنُهَا لِلْمَعِيَّةِ رَاجِحٌ، وَلِلتَّرْتِيبِ كَثِيرٌ، وَلِعَكْسِهِ قَلِيلٌ" ٢.
-
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بَيْنَ مُتَعَاطِفَيْهَا تَفَاوُتٌ أَوْ تَرَاخٍ نَحْوَ {إنَّا رَادُّوهُ إلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنْ الْمُرْسَلِينَ} ٣.
-
وَالتَّعْبِيرُ بِكَوْنِهَا لِمُطْلَقِ الْجَمْعِ، - كَمَا فِي الْمَتْنِ-: هُوَ الصَّحِيحُ. وَأَمَّا مَنْ عَبَّرَ بِكَوْنِهَا لِلْجَمْعِ الْمُطْلَقِ٤، فَلَيْسَ بِوَافٍ بِالْمُرَادِ؛ لأَنَّ الْمُطْلَقَ هُوَ الَّذِي لَمْ يُقَيَّدْ بِشَيْءٍ، فَيَدْخُلُ فِيهِ صُورَةٌ وَاحِدَةٌ، وَهُوَ قَوْلُنَا مَثَلاً: "قَامَ زَيْدٌ وَعَمْرٌو" فَلا يَدْخُلُ فِيهِ الْقَيْدُ بِالْمَعِيَّةِ، وَلا بِالتَّقْدِيمِ، وَلا بِالتَّأْخِيرِ لِخُرُوجِهَا بِالتَّقْيِيدِ عَنْ الإِطْلاقِ. وَأَمَّا مُطْلَقُ الْجَمْعِ: فَمَعْنَاهُ: أَيُّ جَمْعٍ كَانَ. فَحِينَئِذٍ تَدْخُلُ فِيهِ الصُّوَرُ كُلُّهَا.
-
وَمِمَّا يُشْبِهُ ذَلِكَ: مُطْلَقُ الأَمْرِ، وَالأَمْرُ الْمُطْلَقُ، فَإِذَا قُلْت "الأَمْرُ الْمُطْلَقُ" فَقَدْ أَدْخَلْت اللاَّمَ عَلَى الأَمْرِ، وَهِيَ تُفِيدُ الْعُمُومَ وَالشُّمُولَ، ثُمَّ وَصَفْته بَعْدَ ذَلِكَ بِالإِطْلاقِ٥، بِمَعْنَى أَنَّهُ لَمْ يُقَيَّدْ بِقَيْدٍ يُوجِبُ تَخْصِيصَهُ مِنْ شَرْطٍ أَوْ صِفَةٍ أَوْ غَيْرِهِمَا. فَهُوَ عَامٌّ فِي كُلِّ فَرْدٍ مِنْ الأَفْرَادِ الَّتِي هَذَا شَأْنُهَا. وَأَمَّا مُطْلَقُ الأَمْرِ: فَالإِضَافَةُ فِيهِ لَيْسَتْ لِلْعُمُومِ، بَلْ لِلتَّمْيِيزِ. فَهُوَ قَدْرٌ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ مُطْلَقٍ لا عَامٌّ، فَيَصْدُقُ بِفَرْدٍ مِنْ أَفْرَادِهِ.
- vol. 1, p. 231
وَعَلَى هَذَا: فَمُطْلَقُ الْبَيْعِ يَنْقَسِمُ إلَى جَائِزٍ وَغَيْرِهِ. وَالْبَيْعُ الْمُطْلَقُ لِلْجَائِزِ فَقَطْ، وَالأَمْرُ الْمُطْلَقُ لِلْوُجُوبِ، وَمُطْلَقُ الأَمْرِ يَنْقَسِمُ إلَى وَاجِبٍ وَمَنْدُوبٍ، وَالْمَاءُ الْمُطْلَقُ طَهُورٌ، وَمُطْلَقُ الْمَاءِ يَنْقَسِمُ إلَى طَهُورٍ وَغَيْرِهِ. وَالْمِلْكُ الْمُطْلَقُ هُوَ الَّذِي يَثْبُتُ لِلْحُرِّ، وَمُطْلَقُ الْمِلْكِ يَثْبُتُ لِلْحُرِّ وَالْعَبْدِ.
-
فَإِذَا قِيلَ: الْعَبْدُ هَلْ يَمْلِكُ أَوْ لا؟ كَانَ الصَّوَابُ إثْبَاتَ مُطْلَقِ الْمِلْكِ لَهُ دُونَ الْمِلْكِ الْمُطْلَقِ.
-
وَإِذَا قِيلَ: الْفَاسِقُ مُؤْمِنٌ أَوْ غَيْرُ مُؤْمِنٍ؟ فَهُوَ عَلَى هَذَا التَّفْصِيلِ.
-
وَبِهَذَا التَّحْقِيقِ يَزُولُ الإِشْكَالُ فِي مَسْأَلَةِ الْمَنْدُوبِ. هَلْ هُوَ مَأْمُورٌ بِهِ أَمْ لا؟ وَفِي مَسْأَلَةِ الْفَاسِقِ: الْمُسْلِمِ١ هَلْ هُوَ مُؤْمِنٌ أَمْ لا؟
-
"وَتَأْتِي" الْوَاوُ "بِمَعْنَى مَعَ" كَقَوْلِهِمْ: "جَاءَ الْبَرْدُ وَالطَّيَالِسَةَ" ، وَنَحْوِهِ مِنْ الْمَفْعُولِ مَعَهُ٢.
-
"وَ" تَأْتِي بِمَعْنَى "أَوْ" كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنْ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ} ٣ وَقَوْلِهِ: {أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ} ٤.
-
"وَ" تَأْتِي بِمَعْنَى "رُبَّ" كَقَوْلِهِ٥:
- وَبَلْدَةٍ لَيْسَ بِهَا أَنِيسُ
- وَقَوْلِ الآخَرِ:
-
وَنَارٍ لَوْ نَفَخَتْ بِهَا أَضَاءَتْ ... وَلَكِنْ أَنْتَ تَنْفُخُ فِي رَمَادِ
"وَ" تَأْتِي الْوَاوُ "لِقَسَمٍ" كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَالْفَجْرِ وَلَيَالٍ عَشْرٍ وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ وَاللَّيْلِ إذَا يَسْرِ} ١.
-
"وَ" تَأْتِي "لاسْتِئْنَافٍ" وَهُوَ كَثِيرٌ٢.
-
"وَ" تَأْتِي لِ "حَالٍ" أَيْ: بِمَعْنَى الْحَالِ. نَحْوُ "جَاءَ زَيْدٌ٣ وَالشَّمْسُ طَالِعَةٌ" ، "جَاءَ زَيْدٌ وَهُوَ يَضْحَكُ" .
- vol. 1, p. 233
"الْفَاءُ"
-
"الْفَاءُ الْعَاطِفَةُ" ١ تَكُونُ "لِتَرْتِيبٍ" وَهُوَ قِسْمَانِ:
- مَعْنَوِيٌّ كَـ "قَامَ زَيْدٌ فَعَمْرٌو" .
-
- وَذِكْرِيٌّ: وَهُوَ عَطْفُ مُفَصَّلٍ عَلَى مُجْمَلٍ هُوَ هُوَ فِي الْمَعْنَى كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ} ٢ {فَتُوبُوا إلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ} ٣ {فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ} ٤ {فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً} ٥ {وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي} ٦ وَتَقُولُ: "تَوَضَّأَ فَغَسَلَ وَجْهَهُ" . وَتَقُول: "قَالَ فَأَحْسَنَ" ، "وَخَطَبَ فَأَوْجَزَ" ، "وَأَعْطَى فَأَجْزَلَ" .
-
"وَ" تَأْتِي الْفَاءُ أَيْضًا لِـ "تَعْقِيبٍ" وَهُوَ كَوْنُ الثَّانِي بَعْدَ الأَوَّلِ بِغَيْرِ٧ مُهْلَةٍ. فَكَأَنَّ الثَّانِيَ أَخَذَ بِعَقِبِ الأَوَّلِ فِي الْجُمْلَةِ "كُلٌّ بِحَسَبِهِ عُرْفًا" يَعْنِي أَنَّ التَّعْقِيبَ يَكُونُ فِي كُلِّ شَيْءٍ بِحَسَبِهِ. تَقُولُ: "تَزَوَّجَ فُلانٌ فَوُلِدَ لَهُ"
- vol. 1, p. 234
إذَا لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا إلاَّ مُدَّةُ الْحَمْلِ وَإِنْ طَالَتْ. وَقَطَعَ بِهِ ابْنُ هِشَامٍ١ فِي "مُغْنِي اللَّبِيبِ" ٢.
-
وَنَقَلَ الرَّازِيّ وَأَتْبَاعُهُ. الإِجْمَاعَ: أَنَّهَا لِلتَّرْتِيبِ وَالتَّعْقِيبِ، لَكِنْ قَالَ الْفَرَّاءُ: إنَّهَا لا تَدُلُّ عَلَى التَّرْتِيبِ، بَلْ تُسْتَعْمَلُ فِي انْتِفَائِهِ. كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتًا} ٣ ٤ مَعَ أَنَّ مَجِيءَ الْبَأْسِ مُقَدَّمٌ عَلَى الإِهْلاكِ٥.
-
وَأُجِيبَ بِأَنَّهَا لِلتَّرْتِيبِ الذِّكْرِيِّ، أَوْ فِيهِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ: "أَرَدْنَا إهْلاكَهَا فَجَاءَهَا بَأْسُنَا" ٤. وَمِثْلُهُ: {فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاَللَّهِ} ٦.
-
"وَتَأْتِي" الْفَاءُ أَيْضًا "سَبَبِيَّةٌ" وَهُوَ كَثِيرٌ ٧ فِي عَطْفِ الْجُمَلِ ٧، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ} ٨ {فَتَلَقَّى آدَم مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ} ٩، وَكَذَا فِي عَطْفِ الصِّفَاتِ. كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {لآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ مِنْ الْحَمِيمِ} ١٠.
- vol. 1, p. 235
"وَ" تَأْتِي أَيْضًا "رَابِطَةً" لِلْجَوَابِ. وَذَلِكَ فِي سِتِّ مَسَائِلَ:
الأُولَى١: أَنْ يَكُونَ الْجَوَابُ جُمْلَةً اسْمِيَّةً. كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَإِنْ يَمْسَسْك بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} ٢ وَقَوْلِهِ: {إنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُك وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّك أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} ٣.
-
الثَّانِيَةُ: أَنْ تَكُونَ فِعْلِيَّةً، وَهِيَ الَّتِي فِعْلُهَا جَامِدٌ نَحْوُ: {إنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْك مَالاً وَوَلَدًا فَعَسَى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ} ٤ {إنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ} ٥ {وَمَنْ يَكُنْ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا فَسَاءَ قَرِينًا} ٦ {وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنْ اللَّهِ فِي شَيْءٍ} ٧.
-
الثَّالِثَةُ: أَنْ يَكُونَ فِعْلُهَا إنْشَاءً نَحْوُ: {إنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي} ٨ {فَإِنْ شَهِدُوا فَلا تَشْهَدْ مَعَهُمْ} ٩ {قُلْ أَرَأَيْتُمْ إنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ} ١٠ فِيهِ أَمْرَانِ: الاسْمِيَّةُ، وَالإِنْشَاءُ.
-
الرَّابِعَةُ: أَنْ يَكُونَ فِعْلُهَا مَاضِيًا لَفْظًا وَمَعْنًى. إمَّا حَقِيقَةً نَحْوَ: {إنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ} ١١، {إنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ
vol. 1, p. 236وَهُوَ مِنْ الْكَاذِبِينَ} ١، وَإِمَّا مَجَازًا نَحْوَ: {وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ} ٢، نَزَلَ هَذَا الْفِعْلُ لِتَحَقُّقِ وُقُوعِهِ مَنْزِلَةَ مَا قَدْ وَقَعَ.