فصل في بيان معنى الحروف
226 paragraphs · vol. 1, p. 226
Page 6 of 6
- vol. 1, p. 277
وَاعْتُرِضَ عَلَيْهِ بِأَنَّ جَوَابَهَا قَدْ لا يَكُونُ مُمْتَنِعًا بِمَا رَوَاهُ أَبُو نُعَيْمٍ٢ فِي "الْحِلْيَةِ ": أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ فِي سَالِمٍ مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ٣: " إنَّهُ شَدِيدُ ٤ الْحُبِّ لِلَّهِ ٤ لَوْ كَانَ لا يَخَافُ اللَّهَ مَا عَصَاهُ" ٥.
- vol. 1, p. 278
وَأُجِيبَ عَنْهُ: بِأَنَّ لانْتِفَاءِ الْمَعْصِيَةِ سَبَبَيْنِ: الْمَحَبَّةَ وَالْخَوْفَ. فَلَوْ انْتَفَى الْخَوْفُ لَمْ تُوجَدْ الْمَعْصِيَةُ لِوُجُودِ الآخَرِ، وَهُوَ الْمَحَبَّةُ.
وَقَالَ سِيبَوَيْهِ: "إنَّهَا حَرْفٌ لِمَا كَانَ سَيَقَعُ لِوُقُوعِ غَيْرِهِ" ١، يَعْنِي أَنَّهَا تَقْتَضِي فِعْلاً مَاضِيًا كَانَ يُتَوَقَّعُ ثُبُوتُهُ لِثُبُوتِ غَيْرِهِ. وَالْمُتَوَقَّعُ غَيْرُ وَاقِعٍ. فَكَأَنَّهُ قَالَ: حَرْفٌ يَقْتَضِي فِعْلاً امْتَنَعَ لامْتِنَاعِ مَا كَانَ ثَبَتَ لِثُبُوتِهِ.
-
وَقِيلَ: إنَّهَا لِمُجَرَّدِ الرَّبْطِ، أَيْ إنَّمَا تَدُلُّ عَلَى التَّعْلِيقِ فِي الْمَاضِي كَمَا تَدُلُّ "إنْ" عَلَى التَّعْلِيقِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ، وَلا تَدُلُّ عَلَى امْتِنَاعِ شَرْطٍ وَلا جَوَابٍ.
-
وَقِيلَ: إنَّهَا حَرْفٌ يَقْتَضِي فِي الْمَاضِي امْتِنَاعَ مَا يَلِيهِ، وَاسْتِلْزَامَهُ لِتَالِيهِ، أَيْ تَقْتَضِي أَمْرَيْنِ:
- أَحَدُهُمَا: امْتِنَاعُ مَا يَلِيهِ، وَهُوَ شَرْطُهُ.
-
- وَالأَمْرُ الثَّانِي: كَوْنُ مَا يَلِيهِ مُسْتَلْزِمًا لِتَالِيهِ، وَهُوَ جَوَابُهُ، وَلا يَدُلُّ عَلَى امْتِنَاعِ الْجَوَابِ فِي نَفْسِ الأَمْرِ وَلا ثُبُوتِهِ. فَإِذَا قُلْت: "لَوْ قَامَ زَيْدٌ لَقَامَ٢ عَمْرٌو" . فَقِيَامُ زَيْدٍ مَحْكُومٌ٣ بِانْتِفَائِهِ فِي مَا مَضَى٤، وَيَكُونُ ثُبُوتُهُ مُسْتَلْزِمًا لِثُبُوتِ قِيَامِ عَمْرٍو، وَهَلْ لِعَمْرٍو قِيَامٌ أَوْ لا٥؟ لَيْسَ فِي الْكَلامِ تَعَرُّضٌ لَهُ.
-
وَصَحَّحَ هَذِهِ الْعِبَارَةَ السُّبْكِيُّ وَوَلَدُهُ التَّاجُ٦. وَهِيَ فِي بَعْضِ نُسَخِ "التَّسْهِيلِ" .
vol. 1, p. 279قَالَ الْمُرَادِيُّ١ فِي "شَرْحِ الأَلْفِيَّةِ" : "قَالَ فِي " شَرْحِ الْكَافِيَةِ "٢: الْعِبَارَةُ الْجَيِّدَةُ٣ فِي " لَوْ " أَنْ يُقَالَ: " حَرْفٌ يَدُلُّ عَلَى امْتِنَاعِ تَالٍ٤: يَلْزَمُ لِثُبُوتِهِ ثُبُوتُ تَالِيهِ ".
-
فَقِيَامُ٥ زَيْدٍ مِنْ قَوْلِك: "لَوْ قَامَ زَيْدٌ لَقَامَ عَمْرٌو "، مَحْكُومٌ بِانْتِفَائِهِ٦ فِيمَا مَضَى. وَكَوْنُهُ مُسْتَلْزِمًا ثُبُوتَهُ لِثُبُوتِ٧ قِيَامَ عَمْرٍو. وَهَلْ لِعَمْرٍو قِيَامٌ آخَرُ غَيْرُ اللاَّزِمِ عَنْ قِيَامِ٨ زَيْدٍ، أَوْ لَيْسَ لَهُ؟ لا تَعَرُّضَ٩ لِذَلِكَ، بَلْ الأَكْثَرُ كَوْنُ١٠ الأَوَّلِ. وَالثَّانِي غَيْرُ وَاقِعَيْنِ" ١١.
-
"وَ" تَأْتِي "لَوْ" "شَرْطًا لِـ" فِعْلٍ "مَاضٍ، فَيُصْرَفُ١٢ الْمُضَارِعُ إلَيْهِ" أَيْ إلَى الْمُضِيِّ١٣، عَكْسُ "إنْ" الشَّرْطِيَّةِ. فَإِنَّهَا تَصْرِفُ الْمَاضِيَ إلَى الاسْتِقْبَالِ.
- vol. 1, p. 280
وَأَنْكَرَ قَوْمٌ كَوْنَهَا حَرْفَ شَرْطٍ؛ ١ لأَنَّ الشَّرْطَ فِي الاسْتِقْبَالِ. وَ "لَوْ" لِلتَّعْلِيقِ فِي الْمَاضِي، وَذَكَرَ بَعْضُهُمْ أَنَّ النِّزَاعَ لَفْظِيٌّ، فَإِنْ أُرِيدَ بِالشَّرْطِ الرَّبْطُ الْمَعْنَوِيُّ الْحُكْمِيُّ فَهُوَ شَرْطٌ ١، وَإِنْ أُرِيدَ بِهِ مَا يَعْمَلُ فِي الْجُزْأَيْنِ فَلا.
-
"وَ" تَأْتِي شَرْطًا "لِمُسْتَقْبَلٍ قَلِيلاً، فَيُصْرَفُ الْمَاضِي إلَيْهِ" أَيْ إلَى الاسْتِقْبَالِ. نَحْوُ قَوْله تَعَالَى: {وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ} ٢ قَالَ جَمَاعَةٌ.
-
وَخَطَّأَهُمْ ابْنُ الْحَاجِّ٣ بِأَنَّك لا تَقُولُ: "لَوْ يَقُومُ زَيْدٌ فَعَمْرٌو مُنْطَلِقٌ" كَمَا تَقُولُ: "إنْ لا٤ يَقُمْ زَيْدٌ فَعَمْرٌو مُنْطَلِقٌ" .
-
وَكَذَا٥ قَالَ بَدْرُ الدِّينِ بْنُ مَالِكٍ: عِنْدِي أَنَّهَا لا تَكُونُ لِغَيْرِ الشَّرْطِ فِي الْمَاضِي وَلا حُجَّةَ فِيمَا تَمَسَّكُوا بِهِ لِصِحَّةِ حَمْلِهِ عَلَى الْمُضِيِّ٦.
-
"وَ" تَأْتِي أَيْضًا "لَوْ" ٧ "لِتَمَنٍّ" نَحْوُ: {فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً} ٨ أَيْ "فَلَيْتَ لَنَا كَرَّةً" . وَلِهَذَا نُصِبَ "فَنَكُونَ" .
- vol. 1, p. 281
وَهَلْ هِيَ امْتِنَاعِيَّةٌ أُشْرِبَتْ مَعْنَى التَّمَنِّي، أَوْ قِسْمٌ بِرَأْسِهِ، أَوْ هِيَ الْمَصْدَرِيَّةُ أَغْنَتْ عَنْ التَّمَنِّي؟ فِيهِ ثَلاثَةُ أَقْوَالٍ.
-
"وَ" تَأْتِي "لَوْ" ١ أَيْضًا لِـ "عَرْضٍ" نَحْوُ: "لَوْ تَنْزِلُ عِنْدَنَا٢، فَتُصِيبُ خَيْرًا" .
-
"وَ" تَأْتِي أَيْضًا لِ "تَحْضِيضٍ" نَحْوُ "لَوْ فَعَلْت كَذَا" ، أَيْ: افْعَلْ كَذَا.
-
وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا: أَنَّ الْعَرْضَ طَلَبٌ بِلِينٍ وَرِفْقٍ، وَالتَّحْضِيضُ: طَلَبٌ بِحَثٍّ.
-
"وَ" تَأْتِي أَيْضًا لِ "تَقْلِيلٍ" نَحْوُ قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "رُدُّوا السَّائِلَ، وَلَوْ بِظِلْفٍ مُحْرَقٍ" ٣ وَ "الْتَمِسْ وَلَوْ خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ" ٤ وَ "اتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ" ٥.
- vol. 1, p. 282
أَثْبَتَهُ ابْنُ هِشَامٍ الْخَضْرَاوِيُّ١ وَابْنُ السَّمْعَانِيِّ٢ فِي "الْقَوَاطِعِ" قَالَ الزَّرْكَشِيُّ٣، - شَارِحُ "جَمْعِ الْجَوَامِعِ" -: وَالْحَقُّ أَنَّهُ مُسْتَفَادٌ مِمَّا بَعْدَهَا. لا مِنْ الصِّيغَةِ.
-
"وَ" تَأْتِي أَيْضًا "لَوْ" لِمَعْنًى "مَصْدَرِيٍّ" أَثْبَتَهُ الْفَرَّاءُ وَالْفَارِسِيُّ وَالتَّبْرِيزِيُّ٤ وَأَبُو الْبَقَاءِ وَابْنُ مَالِكٍ وَغَيْرُهُمْ. وَعَلامَتُهَا٥: أَنْ يَصْلُحَ فِي مَوْضِعِهَا
vol. 1, p. 283"أَنْ" ، وَأَكْثَرُ وُقُوعِهَا بَعْدَ مَا يَدُلُّ عَلَى تَمَنٍّ، نَحْوُ قَوْله تَعَالَى: {يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ} ١.
-
وَأَنْكَرَ ذَلِكَ الأَكْثَرُ. وَقَالُوا: الآيَةُ وَنَحْوُهَا عَلَى٢ حَذْفِ مَفْعُولِ "يَوَدُّ" . وَجَوَابُ "لَوْ" أَيْ: يَوَدُّ أَحَدُهُمْ طُولَ الْعُمُرِ٣، لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ لَسُرَّ بِذَلِكَ.
- vol. 1, p. 284
"لَوْلا"
-
"لَوْلا" ١ حَرْفٌ يَقْتَضِي فِي جُمْلَةٍ اسْمِيَّةٍ امْتِنَاعَ جَوَابِهِ لِوُجُودِ شَرْطٍ " نَحْوُ: " لَوْلا زَيْدٌ لأَكْرَمْتُك "، أَيْ لَوْلا زَيْدٌ مَوْجُودٌ. فَامْتِنَاعُ الإِكْرَامِ لِوُجُودِ زَيْدٍ.
-
"وَ " تَقْتَضِي " فِي " جُمْلَةٍ " مُضَارِعَةٍ " أَيْ مُصَدَّرَةٍ بِفِعْلٍ مُضَارِعٍ " تَحْضِيضًا " نَحْوُ: {لَوْلا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ} ٢. فَهُوَ لِلتَّحْضِيضِ، وَهُوَ طَلَبٌ بِحَثٍّ.
-
"وَ " وَتَقْتَضِي فِي جُمْلَةٍ " مَاضِيَةٍ " أَيْ مُصَدَّرَةٍ بِفِعْلٍ مَاضٍ " تَوْبِيخًا " نَحْوُ: {لَوْلا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ} ٣.
-
"وَ " تَقْتَضِي أَيْضًا فِي الْجُمْلَةِ الْمَاضِيَةِ " عَرْضًا" نَحْوُ قَوْله تَعَالَى: {لَوْلا أَخَّرْتَنِي إلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ} ٤.