باب سجود السهو
25 paragraphs · vol. 3, p. 115
- vol. 3, p. 115
يُشرَع لزيادةٍ ونقصٍ وشكٍّ، لا عمدًا في فرضٍ ونفلٍ، فمتى زادَ فعلًا من جنسِها قيامًا، أو قعودًا، أو ركوعًا، أو سجودًا، عمدًا، بطلت،
بابُ سجودِ السَّهْوِ
قال صاحبُ "المشارق" : السَّهو في الصَّلاة: النسيانُ فيها (١) .
-
(يُشْرَعُ) سجودُ السَّهْوِ، أي: يجبُ تارةً، ويُسَنُّ أخرى، على ما يأتي تفصيلُه (لزيادةٍ) في الصَّلاة (وَنَقصٍ) منها سَهْوًا (وشكٍّ) في بعض الصُّوَر، لا إذا كثر حتَّى صارَ كوسْوَاسٍ.
-
و (لا) يُشرَعُ سجودٌ، إذا زادَ أو نقصَ (عمدًا) لأنَّهُ يُضَافُ إلى السَّهوِ؛ فدَلَّ على اختصاصِه به، والشَّرعُ إنَّما وَرَدَ به فيه، كقولِه ﷺ : "إذا سَهَا أحدُكُم، فلْيَسجُدْ" (٢) فعَلَّق السجودَ على السَّهْو (في فَرْضٍ) متعلِّقٌ بـ "يُشرَع" (ونَقلٍ) لعمومٍ ما تقدَّم، سوى جنازةٍ، وسجود تلاوةٍ، وشُكْرٍ، وسَهْوٍ.
-
(فمتى زادَ) مصلٍّ في صلاتِه (فِعْلًا مِنْ جِنْسِها) أي: جنسِ الصَّلاة (قيامًا) في محلِّ قعودٍ (أو قعودًا) في محل قيامٍ -ولو قلَّ كجلسة الاستراحة- (أو ركوعًا، أو سجودًا، عمدًا، بطلتْ) صلاتُه إجماعًا. قاله في "الشرح" (٣)
- vol. 3, p. 116
وسهوًا، سَجَدَ له، وإن زاد ركعةً فأكثر سهوًا، سجد، ومتى ذَكَرَ، رجع، وتشهَّد إن لم يكن تشهَّد، وسَجَدَ وسلَّم،
(و) إنْ فَعَلَه (سهوًا، سَجَدَ له) لقولِه ﷺ في حديثِ ابنِ مسعود: "فإذا زادَ الرجلُ، أو نقصَ في صلاتهٍ، فلْيَسْجُدْ سجدتَيْن" رواه مسلم (١) .
-
ولو نوى القَصْرَ، فأتمَّ سَهْوًا، ففرضُه الركعتان، ويسجدُ للسَّهْوِ نَدْبًا. وإن قام فيها، أو سجدَ؛ إكرامًا لإنسان؛ بطلتْ (٢) (وإنْ زادَ ركعةً) كخامسةٍ في رباعيَّة، أو رابعةٍ في مغربٍ، أو ثالثةٍ في فجر (فأكثرَ) مِنْ ركعةٍ، كما لو زادَ ركعتَيْن، أو ثلاثًا (سَهْوًا) ولم يعلمْ حتَّى فرغَ ممَا زادَه (سَجَدَ) لما روى ابنُ مسعود: أن النَّبِيّ ﷺ صلَّى خَمْسًا، فلمَّا انفتلَ، قالوا: إنَّكَ صلَّيّتَ خمسًا، فانفتلَ، ثُمَّ سَجَدَ سجدتين، ثُمَّ سلَّم. متَّفقٌ عيه (٣) .
-
(ومتى ذكَر) أنَّه زادَ قَبْلَ فراغِه من الزيادة (رَجَعَ) في الحال وجوبًا، فجلسَ بغيرِ تكبيرٍ (٤) ؛ لأنَّه لو لم يجلسْ، لزادَ فيها عَمْدًا، وذلك يُبْطِلُها (وتَشَهَّد إنْ لم يكنْ تشهَّدَ، وسَجَدَ) للسَّهْو (وسلَّم) لتَكمُلَ صلاتُه، وإنْ كان قد تشهَّد، سجدَ للسَّهْوِ وسلَّم. وإن كان تشهَّد ولم يصلِّ على النَّبِيّ ﷺ ، صلَّى عليه، ثُمَّ سَجد للسَّهْو، ثُمَّ سلَّم.
-
وإنْ قام إلى ثالثةٍ نهارًا، وقَدْ نوى ركعتَيْن نفلًا، رجع إنْ شاءَ وسَجد للسَّهْوٍ، أو أتمَّها أربعًا ولا يسجد، وهو أفضلُ. وإن كان ليلًا، فكما لو قام (٥) إلى ثالثة في الفجر. نصَّ عليه.
- vol. 3, p. 117
وإن نبَّهه ثقتانِ، فلم يرجع، بطلت صلاتُه إن لم يتيقَّن صوابَ نفسِه، كمتَّبِعه عالمًا، دون مَن فارقَه، أو تَبِعَه ناسيًا، ولا يَعتدُّ بها مسبوقٌ. وعملٌ مستكثَر عرفًا متوالٍ من غيرِ جنسِ الصلاةِ، يُبطلُها عمدُه وسهوه
(وإن) سُهي على إمامٍ، فـ (نبَّهه) بتسبيحٍ، أو غيرِه (ثقتان) أي: عدلان، ضابطان - وظاهرُه: ولو امرأتين، سواءٌ شاركاه في العبادةِ، بأنْ كان إمامًا لهما، أوْ لا، ويلزم تنبيهُه- لَزِمَه الرجوعُ إليهما، سواءٌ سبَّحَا به إلى زيادةٍ، أو نقصٍ، وسواءٌ غَلَبَ على ظنِّه صوابُهما، أو خطؤُهما.
-
وإن أصرَّ (فلم يرجعْ، بطلتْ صلاتُه) لأنَّه تَرَكَ الواجبَ عَمْدًا (إنْ لم يتيقَّنْ صوابَ نفسِه) فإن تيقَّنه، لم يلزمْه (١) الرجوعُ إليهما؛ لأنَّ قولَهما إنَّما يفيدُ الظَّنَّ، واليقينُ مقدَّم عليه.
-
وإنِ اختلفَ عليه مَنْ ينبِّهه، سقط قولُهم، ويرجع منفردٌ إلى ثِقَتَينِ (كـ) بطلانِ صلاةِ (متَّبِعِه) أي: مأمومٍ تابَعَه في الزائدة (عالمًا) بزيادتِها، ذاكرًا لها (دون مَنْ فارقَه، أو تبعه ناسيًا) أو جاهلًا، فتصحُّ؛ للعذر (ولا يَعْتدُّ بها) أي: بالزائدة (مسبوقٌ) تابَعَه فيها ناسيًا، أو جاهلًا، سواءٌ دخل معه قبلَها، أو فيها.
-
(وعملٌ) في الصلاة (مستكثَرٌ عرفًا) فلا يتقيَّد بثلاثِ حَرَكاتٍ (متوالٍ) غيرُ مفرَّق (مِنْ غيرِ جِنْسِ الصَّلاةِ) كمشيٍ، ولُبسٍ، ولَفِّ عمامةٍ (يبطلُها) أي: الصلاةَ (عمدُه، وسهوه) وجهلُه؛ لأنَّه يقطعُ الموالاةَ بين الأركان، ومحل البُطلان: إنْ لم تكنْ ضرورةٌ، كخوفٍ، وهربٍ مِنْ عدوٍّ ونحوه، كما تقدَّم. وقوله: "وعملٌ" مبتدأ، و: "مستكثرٌ" صفةٌ له، و: "عرفًا" منصوبٌ بنزع الخافضِ، و: "متوالٍ" صفةٌ لـ "عمل" بعدَ صفة، و: "مِنْ غيرِ جِنْسِ الصَّلاةِ" حالٌ مِن الضمير في "متوالٍ" ، [وجملةُ "يبطُلها" خبرُ المبتدأ] (٢) .
- vol. 3, p. 118
ولا تَبطلُ بيسيرِ أكلٍ أو شربٍ سهوًا، ولا نفلٌ بيسيرِ شربٍ ولو عمدًا.
-
وعُلم منه: أنَّها لا تبطلُ بيسيرٍ، بلْ ولا يُشْرَعُ له سجودٌ، لكنْ يُكرَهُ عمدُه بلا حاجة.
-
(ولا تبطلُ) صلاةٌ (بيسيرِ أكلٍ، أو شُرْبٍ) عُرْفًا، (سهوًا) أو جَهْلًا؛ لعمومِ: "عُفِيَ لأُمَّتي عن الخطأ والنسيانِ" (١) . وعُلم منه: أنَّها تبطلُ بالكثير عُرفًا كغيرِها.
-
(ولا) يبطلُ (نفلٌ بيسيرِ شُرْبٍ ولو) كان (عمدًا) لما روي أن ابنَ الزُّبَير شَرِبَ في التَّطوُّع (٢) ، ولأنَّ مَدَّ النَّفْلِ، وإطالتَه مستحبَّة، فيحتاجُ معه إلى جُرعةِ ماءٍ، لدفع عَطَشٍ؛ فسُوِّغ فيه كالجلوس (٣) . وظاهرُه كـ "المنتهى" (٤) : أنَّ النَّفلَ يَبْطُلُ بيسيرِ أكلٍ عمدًا، خلافًا لـ "الإقناع" (٥) ، وأنَّ الفَرْضَ يبطلُ بيسيرِ أكل وشربٍ عمدًا. وبلعُ ذَوْبِ سُكَّرٍ ونحوِه بفمٍ، كأكل. ولا تبطلُ ببلعِ ما بين أسنانِه بلا مَضْغٍ (٦) . قال في "الإقناع" (٥) : إنْ جرى به ريقٌ (٧) . وفي "التنقيح" و "المنتهى" (٤) : ولو لمْ يَجْرِ به ريقٌ.
- vol. 3, p. 119
وإن أتى بقولٍ مشروعٍ في غيرِ موضعهِ، كقراءةٍ في ركوعٍ ونحوهِ، وتشهُّدٍ في قيامٍ، لم تَبطُل بعمِده، ونُدِبَ السجودُ لسهوِه. وإن سلَّم قَبْلَ إتمامِها عمدًا، بطلت، وسهوًا وذكر قريبًا، أتمَّها وسجَد.
-
وإن تكلَّم هنا، أو في صُلْبها،
(وإن أتى) مصلٍّ (بقولٍ مشروعٍ في غيرِ موضِعِه، كقراءةٍ في ركوعٍ ونحوِه) كسجودِ (وتشهُّدٍ في قيام) وقراءةِ سورةٍ في الأخيرتَيْن (لمْ تبطلْ بعمدِه) أي: تعمُّدِه؛ لأنَّه مشروعٌ فيها في الجملة (ونُدِبَ السجودُ لسَهْوِه) ولم يجبْ.
-
(وإنْ سلَّم قَبْلَ إتمامها) أي: الصلاةِ (عَمْدًا؛ بَطَلَتْ) لأنَّه تكلَّمَ فيها قَبْلَ إتمامها.
-
(و) إن سلَّم (سهوًا، وذَكَرَ قريبًا (١) ، أتمَّها) ولو انْحرف عن القبلةِ، أو خرجَ من المسجد (وسَجَدَ) للسَّهْوِ؛ لحديثِ عمران بنِ حُصين (٢) قال: سلَّم رسولُ الله ﷺ في ثلاثِ رَكَعَاتٍ من العصرِ، ثُمَّ قامَ، فدخَلَ الحُجْرَةَ، فقامَ رجلٌ بسيطُ اليَدَين (٣) فقال: أَقُصِرتِ الصلاةُ يا رسول الله؟ فخرج [مُغْضبًا] فصلَّى الرَّكعةَ التي تركَ، ثُمَّ سلَّم، ثُمَّ سَجَدَ سجدتَي السَّهْوِ، ثُمَّ سلَّمَ. رواه مسلم (٤) .
-
(وإنْ) لمْ يذكرْ قريبًا، بأن طال الزمنُ عرفًا، بطلت؛ لفواتِ الموالاةِ بين الأركان.
-
أو (تكلَّمَ هنا) أي: بعدَ أنْ سلَّم سهوًا (أو) تكلَّمَ (في صُلْبها) أي: في أثناء الصَّلاة، بطلت، سواءٌ كان إمامًا أو غيرَه، عَمْدًا أو سَهْوًا أو جَهْلًا، طائعًا أو مُكْرَهًا، فرضًا أو نفلًا، لمصْلَحَتِها أَوْلا، لتحذيرِ نحوِ ضريرٍ أَوْلا؛ لحديث: "إنَّ هذه الصَّلاةَ لا يصلُحُ
vol. 3, p. 120أو قَهْقَهَ، أو نَفَخَ، أو تَنَحْنَحَ بلا حاجةٍ ونحوه، فبانَ حرفانِ، بطلت.
-
فصل
وإن تَرَكَ ركنًا، فَذَكره بعد شروعِه في قراءةِ ركعةٍ أُخرى، بطلت المتروكُ ركنُها،
فيها شيءٌ من كلامِ النَّاسِ، إنَّما هي التَّسبيحُ، والتكبيرُ، وقراءة القرآن " رواه مسلم (١) .
-
وعنه (٢) : لا تبطلُ بيسيرٍ بعدَ سلامِهِ سَهْوًا لمصلحتها، ومشى عليه في "الإقناع " (٣) وغيرهِ؛ لقصَّةِ ذي اليدين (٤) .
-
(أو قَهْقَهَ) أي: رفعَ صوتَه بالضَّحِك (أو نَفَخَ) فبانَ حرفان (أو تَنَحْنَحَ بلا حاجةٍ) فبان حرفان (ونحوه) كما لو رَفَعَ صوتَه بالبكاء مِنْ غير خَشْيَةِ الله تعالى (فبانَ حرفانِ، بطلتْ) صلاتُه، فإن تَنَحْنَحَ لحاجةٍ، لم تبطل؛ لما روى أحمدُ وابنُ ماجه، عن عليٍّ، قال: "كان لي مدخلان من رسول الله ﷺ باللَّيل والنَّهار، فإذا دخلتُ عليه وهو يصلِّي، يتنحنحُ لي" (٥) . وإنْ غلبَه سُعَالٌ، أو عطاسٌ، أو تثاؤُبٌ ونحوه، لم يضرَّ، ولو بانَ حرفان.