كتاب المناسك
35 paragraphs · vol. 3, p. 333
- vol. 3, p. 333
يجبُ الحجُّ والعمرةُ
[كتاب المناسك]
-
جمعُ مَنسَك -بفتح السِّين وكسرِها- وهو: التَّعَبُّدُ، يقال: تنسَّك: إذا تعبَّد. وغَلب إطلاقُها على متعبَّدات الحجِّ. والمنسكُ في الأصل، من النَّسِيكةِ وهي: الذَّبيحةُ.
-
(يجب الحجُّ) بفتح الحاء في الأشهَر، عكس شهر ذي الحجَّة.
-
وهو لغةً: القصدُ.
-
وشرعًا: قصدُ مكَّةَ لعملٍ مخصوصٍ في زمنٍ مخصوصٍ.
-
(والعمْرَةُ) وهي لغةً: الزيارة.
-
وشرعًا: زيارة البيت على وجهٍ مخصوصٍ (١) .
-
ووجوبهُما؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦] ، ولحديثِ عائشةَ: يا رسولَ الله هل على النِّساء من جهادٍ؟ قال: "نعم، عليهنَّ جهادٌ لا قتالَ فيه: الحجُّ والعمرةُ" رواه أحمدُ وابنُ ماجه بإسنادٍ صحيح (٢) . وإذا ثبتَ ذلك في النِّساءِ، فالرجالُ أَوْلَى.
-
والحجُّ أحدُ مباني الإسلامِ الخمس. وفَرْضُه (٣) سنَةَ تسعٍ من الهجرة.
-
وهو فرضُ كفايةٍ كلَّ عامٍ على من لا يجبُ عليه عينًا، نقله في "الآداب الكبرى" عن "الرعاية" ، وقال: هو خلافُ ظاهر قولِ الأصحاب. اهـ.
- vol. 3, p. 334
مرَّةً في العُمرِ
ويمكن أن يقال: من لا يجبُ عليه الحجُّ عينًا، بأنْ يكون أدَّى حَجَّةَ الإِسلام، فالحجُّ في حقِّه بعد ذلك فرضُ كفايةٍ؛ باعتبارِ اندراجهِ في عمومِ المخاطَبين بفرضِ الكفاية، فيَعزم كلَّ عامٍ على الحجِّ مع القُدرة لو لم يحجَّ غيرُه، وهو نفلٌ في حقِّه أيضًا باعتبار خصوصِه، فيُسنُّ له العزم على الحجِّ كلَّ عامٍ مع القُدرة. فزيدٌ مثلًا إذا كان أدَّى حَجَّة الإِسلام، ثمَّ رأى النَّاسَ تهيَّؤوا للخروج إلى الحجِّ، فعزَم على الخروج معهم، كان عزمُه وأخذُه في الأسباب على سبيلِ النَّفْليَّة ظاهرًا، ثمَّ إذا حجَّ الجميعُ، فمن كان منهم حجَّتُه حجَّةَ الإِسلام، فثوابُه ثوابُ فرضِ العَين، وغيرُه إن كانَ ممن دخلَ في عمومِ المخاطَبين بفرضِ الكفايةِ، أُثيبَ كلُّ فردٍ منهم ثوابَ فرضِ الكفايةِ؛ لاستوائِهم في مُطلَقِ أداءِ فرضِ الكفاية.
-
ومُلخَّصُ هذا: أنَّ الحجَّ في حقِّ هذا القسمِ عندَ التَّوجُّهِ إليه (١) فرضُ كفايةٍ على العُمومِ، نَفلٌ على الخصوص، وبعدَ فِعْل الحجِّ يتبيَّنُ أنَّهم قامُوا بفرضِ الكفاية، فيُثابون على الخصوصِ ثوابَ فرضِ الكفاية، ومثلُ هذا يأتي في الصَّلاةِ على الميِّتِ ونحوِها، فلا منافاةَ بينَ كلامِ "الرِّعايةِ" وغيرِها، لما علمتَ من ثبوتِ الاعتبارَيْن المذكورَين، وبهذا أيضًا يَندفعُ ما أوردَه الشَّيخُ خالد (٢) . والظَّاهرُ أيضًا سقوطُ فرضِ الكفايةِ بفرضِ العَينِ؛ لحصولِ المقصودِ مَعَ كونِه أعلى. هذا ما ظَهَر لي، ولم أرَهُ مسطورًا. وإذا تقرَّرَ ذلك، فيَجبُ الحجُّ والعمرةُ (مرَّةً) واحدةً (في العُمُر) ؛ لقوله ﷺ : "الحجُّ مرَّةً، فمن زادَ فهو متطوِّعٌ" رواه أحمد وغيره (٣) .
- vol. 3, p. 335
على مسلمٍ، حرٍّ، مكلَّفٍ، مستطيعٍ؛ بأنْ وجدَ زادًا ومركوبًا صالحَيْن لمثلِه
(على مسلمٍ حرٍّ مُكلَّفٍ مُستطيع) فالإِسلامُ والعقلُ شرطانِ للوجوبِ والصِّحةِ. والبلوغُ وكمالُ الحرِّيَّةِ شرطانِ للوجوبِ والإجزاءِ دونَ الصِّحةِ. والاستطاعةُ شَرطٌ للوجوبِ دونَ الإجزاء؛ فهذه (١) خمسةُ شروطٍ للحجِّ والعُمرةِ، قد جمعتُها بَبيتين، فقلتُ:
الحجُّ والعمرةُ واجبان … في العُمرِ مرَّةً بلا تواني
بشرطِ إسلامٍ كذا حرِّيَّهْ … عقلٍ بلوغٍ قُدرةٍ جَليَّهْ
وقولُه: بلا تواني. إشارةٌ إلى أنَّ وجوبَهما (٢) بالشُّروطِ المذكورةِ على الفورِ، فيأثمُ إنْ أخَّرَه بلا عُذْر؛ لقوله ﷺ : "تعجَّلوا إلى الحجِّ -يعني الفريضة- فإنَّ أحدَكم لا يدري ما يَعْرِضُ له" رواهُ أحمد (٣) . وقولُه: قدرةٍ جليَّه. إشارةٌ إلى الاستطاعةِ التي بيَّنها المصنِّفُ بقولِه: (بأن وَجدَ زادًا ومركوبًا) بآلتِهما (صالحَيْنِ لمثلِه) لما روَى الدَّارَقُطْنيُّ بإسناده (٤) عن أنسٍ، عن النبيِّ ﷺ في قولهِ عز وجل : ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل
vol. 3, p. 336بعدما يحتاجُه لنفسِه، وعياله، وقضاءِ دينه.
-
ويصحُّ من صغيرٍ
عمران: ٩٧]. قال: قيلَ: يا رسولَ اللهِ، ما السَّبيلُ؟ قال: "الزَّادُ والرَّاحلةُ" (١) . وكذا لو وَجَدَ ما يُحصِّلُ بهِ ذلك.
-
(بعدَما يحتاجُه (٢) لنفْسِه وعيالِه) مِنَ النَّفقاتِ الشَّرعيَّةِ، والحوائجِ الأصليَّةِ، منْ كُتُبٍ، ومسكنٍ، وخادمٍ، ولباسِ مثلهِ، وغطاءٍ، ووِطاءٍ ونحوِها، ولا يَصيرُ مُستطيعًا ببذلِ غيره له (و) بعدَ (قضاءِ دَيْنه) الحالِّ والمؤجَّلِ للهِ تعالى أو لآدميٍّ. ويعتبرُ أمنُ طريقٍ بلا خِفارةٍ (٣) يوجدُ فيها الماءُ والعَلفُ على المعتادِ، وسَعةُ وقتٍ يمكنُ السَّيرُ فيه على العادةِ.
-
(ويَصحُّ) فعلُ حجٍّ وَعُمْرةٍ (مِنْ صغيرٍ) نَفْلًا؛ لحديثِ ابنِ عبَّاس: أن امرأةً رفعَتْ
vol. 3, p. 337ولو دونَ التمييزِ، ويحْرِمُ عنه وليُّه، ومميِّز بإذنِه، ويفعلُ وليٌّ ما يعجزه، ومن رقيقٍ وإنْ بلغَ أو عَتَق (١) بعرفةَ ولم يكنْ سعى للحجِّ، أجزأ فرْضًا.
-
إلى النبيِّ ﷺ صبيًا، فقالت: أَلهذا حَجٌّ؟ قال: "نَعمْ، ولَكِ أجرٌ" رواه مسلم (٢) .
-
(ولو) كان الصَّغيرُ (دونَ) سِنِّ (التَّمييز) بأنْ لم يُتمَّ له سبعُ سِنين.
-
(ويُحرِمُ) بالحجِّ أو العُمرةِ (عنه) أي: عَمَّن لم يُميِّز (وليُّه) في مالِه ولو مُحرِمًا، أو لم يَحجَّ (و) يُحرِمُ (مميزٌ بإذنه) أي: الوليِّ (ويفعلُ وَليٌّ) أي: وليُّ صغيرٍ (ما يُعجزُهُ) مِنْ رمْيٍ وغيرِه، لكن يَبدأُ الوليُّ في رَمْيٍ بنفْسِه، ولا يُعتدُّ برميِ حلالٍ، ويُطافُ به لعَجْزٍ راكبًا أو مَحمولًا، وتُعتبرُ نيَّةُ طائفٍ بهِ، لا كونُهُ طافَ عن نَفْسه، ولا مُحرِمًا.
-
(و) يصحُّ حَجٌّ وعُمرةٌ (من رقيقٍ) نفلًا؛ لِعدمِ المانعِ، وَيلزمانِه بنَذْرِهِ، ولا يُحرِمُ بنفلٍ أو نَذرٍ لم يُؤذَنْ له فيه، ولا زوجةٌ بنفلِ، إلَّا بإذْنِ سَيِّدٍ وَزوجٍ، فإنْ عَقدَاه، فلهُما تحليلُهما، ولا يَمنعُها (٣) مِن حَجٌّ فَرضٍ كملتْ شُروطُه، ولكلِّ مِنْ أبوي حُرٍّ بالغٍ منعُه مِنْ إحرامٍ بنفلٍ، كفلِ جهادٍ، ولا يُحلِّلانه إنْ أَحرمَ.
-
(وإن بلَغَ) صغيرٌ (أو عتَقَ) رقيقٌ وهما مُحرِمانِ بحجٍّ (بعرفةَ) أي: وَهما فيها قبلَ الدَّفعِ أو بعدَه، إنْ عادَ مَنْ ذُكِرَ، فوقَفَ في وقْتِه (ولم يكنْ سعى للحَجِّ) بعدَ طوافٍ القُدومِ (أجزأَ) الحجُّ مَنْ ذُكِرَ (فرضًا) وكذا لو وجد ذلكَ في إحرامِ العُمرةِ قبلَ طوافِها، فيُجزئُ عن حَجَّة الإسلامِ وعُمرته، ويُعْتَدُّ بإحرامٍ ووقوفٍ موجودَين إذنْ، وما قبْلَه تَطوَّعٌ لم يَنقلبْ فرضًا. وقال بعضُهم: يَنعقدُ موقوفًا، فإذا زالَ الرِّقُّ، انقلبَ فرضًا.
- vol. 3, p. 338
ومنْ عجز لكِبَرٍ، أو مرضٍ لا يُرجى برؤُه ونحوِه، لزمه أنْ يقيمَ مَنْ يحجُّ ويعتمرُ عنه مِنْ بلدهِ وقربهِ، ويجزئُ ولو عوفيَ بعدَ إحرامِ نائبهِ.
-
وشُرِطَ لوجوبهِ على أنثى مَحْرَمٌ مِن زوجٍ، أو أبٍ، أو خالٍ ولو مِنْ رضاعٍ ونحوِه،
فإنْ كانَ الصَّغيرُ أو القِنُّ سعى بعدَ طوافِ القُدومِ قبلَ الوقوفِ، لم يُجزئْه الحجُّ ولو أعادَ السَّعْيَ؛ لأنَّه لا تُشرَعُ مجاوزةُ عددِه ولا تكرارُه، بخلافِ الوقوفِ، فإنَّه لا قَذرَ له محدودٌ، وتُشرَعُ استدامتُه. وكذا إنْ بلغَ أو عتَقَ في أثناءِ طوافِ العُمرةِ، لم تُجزئْه ولو أعادَه.
-
(ومَنْ عجزَ) عن السَّعْيِ إلى الحجِّ مع توفُّرِ الشُّروطِ المتقدِّمةِ (لِكِبَرٍ أو مرضٍ لا يُرجَى بُرؤهُ ونحوِه) كثِقلٍ لا يَقدرُ معه على ركوبٍ إلا بمشقَّةٍ شديدةٍ، أو كان نِضوَ الخِلقةِ (١) لا يَقدرُ ثُبوتًا على راحلةٍ، إلا بمشقَّةٍ غيرِ محتملَةٍ (لزمَهُ أنْ يقيمَ مَنْ يحجُّ وَيعتمرُ عنه) فورًا (مِنْ بلدِه) الذي وَجبا عليه فيه (وقُرِبه) أي: أو مِنْ مكانٍ قريبٍ مِنْ بلدِهِ، بأنْ يكونَ بينَهُ وبينه دونَ المسافةِ؛ لقول ابنِ عبَّاس: إنَّ امرأةً مِنْ خَثْعَم، قالت: يا رسولَ الله، إنَّ أبي أدرَكَتْهُ فريضةُ اللهِ تعالى في الحجِّ شيخًا كبيرًا لا يَستطيعُ أنْ يستوِيَ على الراحلةِ، أَفأحُجُّ عَنْه؛ قال: "حُجِّي عنه" متفق عليه (٢) .
-
(ويُجزئُ) الحجِّ أو العُمرةُ عن المَنُوب عنه إذنْ (ولو عُوفيَ بعدَ إحرامِ نائبهِ) قبلَ فراغِهِ منَ النُّسُكِ أو بعدَه؛ لأنَّه أتى بما أمرَ به، فخرجَ مِنَ العُهدةِ، ويَسقطانِ عَمَّن لمْ يجدْ نائبًا.
-
(وشُرطَ لوجوبِه) أي: الحجِّ، وكذا العُمرةِ (على أُنثى) وجودُ (مَحْرم) لها مسلمٍ مُكلِّفِ ولو عَبْدًا (مِنْ زوجٍ، أو أبٍ، أو خالٍ) لها، ونحوِه، ممَّنْ تحرُمُ عليه أبدًا؛ بنَسَبٍ أو سَبَبٍ مُباحٍ (ولو) كانَ المحرَمُ (مِنْ رضاعٍ ونحوِهِ) كمصاهرةٍ، بخلافِ مَنْ تحرُمُ عليه بسببٍ مُحرَّمٍ، كأمِّ المزنيِّ بها وبنتِها، وكذا أمِّ الموطوءَةِ بشُبهةٍ وبنتِها.
- vol. 3, p. 339
وحَرُمَ سفرُها بدونِه. وإنْ ماتَ مَنْ لزِمَه، استُنِيبَ عنه مِنْ تركتهِ.
-
والمُلاعِنُ ليسَ مَحْرمًا للملاعنةِ؛ لأنَّ تحريمَها عليه أبدًا عقوبة وتغليظٌ عليه، لا لحرمَتِها.
-
ونفقةُ المحرَمِ عليها؛ فيُشترطُ لها مِلكُ زادٍ وراحلةٍ لهما، ولا يلزمُه مع بذْلِها ذلك سفرٌ معها.
-
(وحَرُمَ سفرُها بدونه) أي: المحرَم؛ لحديثِ ابنِ عبَّاس: "لا تُسافرِ امرأةٌ إلَّا معَ مَحْرَمٍ، ولا يَدخل عليها رجلٌ إلا ومَعَها محرَمٌ" رواه أحمدُ بإسنادٍ صحيحٍ (١) .
-
ولا فرقَ بين الشَّابَّةِ والعجوزِ، وقصيرِ السَّفرِ وطويلهِ، فإنْ فعلَتْ، بأنْ حجَّتْ بدونِ محرَم، أجزأَ مع الحُرمةِ. ومَنْ أيِسَتْ مِنَ المحرمِ، استنابَتْ.
-
(وإنْ ماتَ مَنْ لزمَهُ) حَجٌّ أو عُمرةٌ (استُنيبَ عنه) وجوبًا (مِنْ تركَتِه) مِنْ رأسِ المالِ، أَوصَى بهِ، أَوْلا.
-
ويحجُّ النَّائبُ مِنْ حيثُ وَجبا على الميتِ؛ لأنَّ القَضاءَ يحكي الأداءَ؛ وذلكَ لما رَوى البُخاريُّ عنِ ابنِ عبَّاس: "أنَّ امرأةً قالت: إنَّ أُمَّي نَذرَتْ أنْ تحُجَّ، فلم تحجَّ حتَّى ماتَتْ، أفأحُجُّ عنها؟. قال: " نعم حُجِّي عنها، أرأيتِ لو كانَ على أمِّكِ دَيْنٌ، أَكنتِ قاضيتَه، اقضُوا اللهَ، فاللهُ أحقُّ بالوفاءِ" (٢) .
-
ويَسقطُ بحجٍّ أجنبيٍّ عنه، لا عن حيٍّ بلا إذنِه (٣) .
-
وإنْ ضاقَ مالهُ، حجَّ عنه مِنْ حيثُ بلغَ، وإنْ ماتَ في الطَّريقِ، حجَّ عنه مِنْ حيثُ ماتَ.