كتاب الجنايات

41 paragraphs · vol. 4, p. 289

Page 1 of 2

  1. القتلُ عمدٌ (١) : يختصُّ القودُ به، بشرطِ القَصْدِ والمكافأةِ. وشِبْهُ عَمْدٍ. وخطأٌ: فيهما الدِّيةُ على العاقلةِ، والكفارةُ في مالِ قاتلٍ. فمَنْ قتل معصومًا بما يَغلبُ على الظَّنِّ موتُه به بمحدَّدٍ، أو حَجَرٍ كبير، أو سُمٍّ،

    [كتاب الجنايات]

    vol. 4, p. 289
  2. جمعُ جِناية. وهي لغةً: التَّعدِّي على بدنٍ، أو مالٍ، أو عِرْض.

  3. واصطلاحًا: التعدِّي على البدن بما يوجبُ قصاصًا أو مالًا. ومَنْ قَتَل مسلمًا عمدًا عُدوانًا، فسَق، وأمرُه إلى الله؛ إنْ شاء غَفَرَ له، وتوبتُه مقبولةٌ.

  4. ثمَّ (القتلُ) ثلاثهُ أضْرُب: (عمدٌ: يختصُّ القَوَدُ به، بشرطِ القَصْدِ) أي: قصدِ الجاني للجنايةِ (و) بشرطِ (المكافأةِ) بين القاتلِ والمقتول، بأنْ يكونا مسلمَين أو كافرين.

  5. (و) الضَّرْبُ الثاني: (شِبْهُ عَمْد.

  6. و) الثالثُ: (خطأٌ) يجبُ (فيهما الدِّيةُ على العاقلةِ) أي: عاقلةِ القاتلِ؛ لقوله تعالى: ﴿وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ [النساء: ٩٢] . (و) يجبُ فيهما أيضًا (الكفارةُ في مالِ قاتلٍ) لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: ٩٢] .

  7. فالقتلُ العمدُ: أنْ يَقصدَ مَن يعلمُه آدميًّا معصومًا فيقتلُه بما يَغلب على الظنِّ موتُه به، فلا قصاصَ إنْ لم يَقصدْ قَتْلَه، ولا إنْ قصَده بما لا يَقتلُ غالبًا. وإلى هذا أشار بقوله: (فمن قَتل معصومًا بما يغلبُ على الظِّنِّ موتُه به) مِثل أنْ يَجْرَحَه (بمحدَّدٍ) وهو مالَه حدٌّ ينفُذُ به في البدن، كسكِّينٍ وشَوكةٍ، فعليه القَوَد (أو) ضربه بـ (حَجَرٍ كبيرٍ) ونحوه (أو) قتلَه بـ (سُمٍّ) يَقتلُ غالبًا لا يعلمُ به المسمومُ، فعليه القَوَد.

  8. أو سِحْرٍ يقتلُ غالبًا، أو ألقاه مِنْ شاهقٍ، أو في نارٍ، أو في ماء يُغْرِقُه ونحو ذلك، أو شَهِدَ عليه بما يوجبُ قتلَه، ثمَّ رَجَعَ، وقال: عَمَدتُ. فعليه القَوَدُ.

    vol. 4, p. 290
  9. وإن ضَرَبَه قَصْدًا بما لا يقتلِ غالبًا في غيرِ مَقْتَلٍ، كحجرٍ صغيرٍ وسوطٍ، فشبهُ عَمْدٍ، وإنْ رَمَى صَيْدًا أو غرَضًا، فأصاب آدميًّا لم يقصدْه، أو انقلبَ نائمٌ ونحوه على آدميٍّ فقَتَلَه، فخطأ، كعَمْدِ صغيرٍ ومجنونٍ.

  10. وتُقتلُ الجماعةُ بواحدٍ،

    (أو) قتلَه بـ (سِحْرٍ يقتلُ غالبًا) فعليه القَوَد. (أو ألقاه من شاهقٍ) أي: محلٍّ عالٍ، فيموت، فعليه القَوَدُ (أو) ألقاهُ (في نارٍ) تَحرِقُه (أو ماءٍ يُغرِقُه) ولا يمكنُه التخلُّص منهما، لعجز أو كثرة (ونحو ذلك) كما لو خَنقَه بحبلٍ، فعليه القَوَد (أو شَهِدَ عليه بما يوجبُ قَتلَه) مِن زنًى، أو رِدَّة لا تُقبلُ معها التَّوبة (ثمَّ رَجَعَ) عن شهادتِه بعد قَتْلِه (وقال) الشاهدُ: (عَمَدتُ) (١) قَتْلَه (فعليه القَوَدُ) بهذا كلِّه؛ لأنَّه توصَّل إلى قَتلِه بما يقتلُه غالبًا.

  11. وأما شِبْهُ العَمْد: فهو أنْ يَقصدَ جنايةً لا تَقتلُ غالبًا، ولم يَجْرَحه بها. وإلى ذلك أشار بقوله: (وإن ضربه قَصْدًا بما لا يَقتلُ غالبًا في غيرِ مَقتَلٍ، كحجرٍ صغيرٍ، وسَوْطٍ) وعصًا (فشِبْهُ عمدٍ) .

  12. وأما الخطأ: فهو أنْ يفعلَ مالَه فعلُه، فيؤدِّي إلى قَتلِ آدميٍّ معصومٍ. وإلى هذا أشار بقوله: (وإن رمَى صيدًا أو غَرضًا، فأصاب آدميًّا) معصومًا (لم يَقصدْه) فقتله (أو انقلبَ) وهو (نائمٌ ونحوه) كمغمًى عليه (على آدميٍّ) معصوم (فقتله، فـ) ذلك القتلُ (خطأ، كعَمْدِ صغيرٍ ومجنونٍ) لأنَّه لا قَصْدَ لهما؛ فهما كالمكلَّفِ المخطئ.

  13. (وتُقتلَ الجماعةُ) الاثنان فأكثرُ (بـ) شخصٍ (واحدٍ) إنْ صَلَح فعلُ كلِّ واحدٍ لقتلِه، وإلَّا، فلا قصاص ما لم يتواطؤوا عليه.

  14. فإنْ سَقَطَ (١) القَودُ، فديةٌ فقط.

    vol. 4, p. 291
  15. ومَنْ أَكْره مكَلَّفًا على قَتْلِ مكافئِه، فالقودُ أو الدِّيَةُ عليهما، وإنْ أمَرَ به غيرَ مكلَّف، أو مَنْ يجهلُ تحريمَه، أو أمر به سلطانٌ ظلمًا مَنْ جَهِلَ ظُلْمَه فيه، فالقود أو الدِّيةُ على الآمِر.

  16. وإنْ عَلِمَ المكلَّفُ المأمورُ تحريمَه، ضَمِنَ

    (فإنْ سقَط القَوَدُ) بعفوٍ عن القاتلين (فـ) عليهم (دِيَةٌ فقط) أي (٢) : لا أكثرَ من ديةٍ واحدةٍ؛ لأنَّ القتلَ واحدٌ؛ فلا يلزمُ به أكثرُ من ديةٍ، كما لو قتلوه خطأً.

  17. (ومَنْ أَكَرَه مكلَّفًا على قَتل) معيَّن (مكافِئه) فقتلَه (فالقَوَدُ) إنْ لم يعفُ وليُّه (أو الدِّيةُ) إنْ عفا (عليهما) أي: على القاتل ومَنْ أكْرَهَه؛ لأنَّ القاتلَ قصدَ استبقاءَ نفسِه بقتلِ غيرِه، ومكرِهُه تسبَّب إلى القتل بما يُفضِي إليه غالبًا.

  18. (وإنْ أَمَرَ) مكلَّفٌ (به) أي: بالقتل (غيرَ مكلَّفٍ) لصِغَرٍ أو جنونٍ، فالقَوَدُ أو الدِّيةُ على الآمر؛ لأنَّ المأمورَ آلةٌ لا يمكنُ إيجابُ القصاص عليه؛ فوجَب على المتسبِّب.

  19. (أو) أمر مكلَّفٌ بالقتل (مَن) أي: مكلَّفًا (يجهلُ تحريمَه) أي: القَتلِ، كمَنْ نشأ بغيرِ بلدِ الإِسلام ولو عبدًا للآمِرِ، فالقصاصُ أو الدِّيةُ على الآمِرِ؛ لما تقدَّم.

  20. (أو أَمَرَ به) أي: بالقتلِ (سلطانٌ) حالَ كونِ القَتل (ظلمًا مَن) أي: مكلفًا (جَهِلَ) المأمورُ (ظُلْمَه) أي: السلطانِ (فيه) أي: في القَتْل، بأن لم يعرفِ المأمورُ أنَّ المقتولَ لم يستحقَّ القتلَ، فقتل المأمور (فالقَوَد) إنْ لم يعفُ مستحقُّه (أو الدِّيةُ) إنْ عفا عنه (على الآمِرِ) بالقتل دونَ المباشِرِ؛ لأنَّه معذورٌ؛ لوجوبِ طاعةِ الإمامِ في غيرِ المعصية، والظاهرُ أنَّ الإمامَ لا يأمُرُ إلا بالحقِّ.

  21. (وإن عَلم المكلَّفُ المأمورُ) بالقتلِ (تحريمَه) سلطانًا كان الآمرُ أو غيرَه (ضَمن) المأمورُ.

  22. وحدَه، وأُدِّب آمِرُه.

    vol. 4, p. 292
  23. ولا قصاصَ بقَتْلِ غيرِ مكافئٍ، فلا يُقتلُ حرٌّ بمَنْ فيه رِقٌّ، ولا مسلمٌ بكافرٍ،

    (وحدَه) بالقَوَدِ أو الدِّيةِ؛ لمباشرته القَتْلَ بلا عُذْرٍ؛ لقوله ﷺ : "لا طاعةَ لمخلوقٍ في معصيةِ الخالقِ" (١) . (وأُدِّب آمرُه) بما يراه الإمامُ مِنْ ضربٍ أو حَبْسٍ. ومَن دفَع إلى غيرِ مكلَّفٍ آلةَ قَتل ولم يأمرْه به، فقتَل، لم يلزم الدَّافَع شيءٌ.

  24. (و) يُشترط لوجوبِ القصاص أربعةُ شروطٍ:
  25. أحدُها: عِصمةُ مقتولٍ، فلو قتَل حربيًّا، أو مرتَدًّا، أو زانيًا محصَنًا، ولو قبلَ ثبوتِه عندَ حاكمٍ، لم يَضمنْ بقصاصٍ ولا ديةٍ.

  26. الثاني: كوْنُ قاتلٍ بالغًا عاقلًا، فلا قِصاصَ على صغيرٍ، ومجنونٍ، ومعتوهٍ.

  27. الثالث: المكافأةُ بين المقتولِ وقاتلِه، فـ (لا قصاصَ بقتلِ غيرِ مكافئٍ) أي: غير مساوٍ في دِين، وحرِّيَّةِ، أو رِقٍّ، بألَّا يفضل القاتلُ المقتولَ بإسلامٍ، أو حرِّيَّةٍ، أو ملكٍ (فلا يُقتل حرٌّ بمَنْ فيه رِقٌّ) لحديثِ أحمدَ عن عليٍّ: "من السُّنة أنْ لا يُقتل حرٌّ بعَبدٍ" رواه الدارقطني (٢) . (ولا) يُقتل (مسلمٌ) حرٌّ أو عبدٌ (بكافرٍ) كتابيٍّ أو مجوسيٍّ، ذمِّيٍّ أو معاهَد؛ لقوله ﷺ : "لا يُقتلُ مسلم بكافرٍ" رواه البخاريُّ وأبو داود (٣) .

  28. ويُقْتلُ ذكرٌ بأنثى، ولا يُقتلُ أبٌ ولا أمٌّ ولا جدٌّ ولا جدَّةٌ بولدٍ وإنْ سَفَلَ، ويُقْتلُ بكلٍّ منهم.

    vol. 4, p. 293
  29. ويُحبسُ جانٍ إنْ كان

    (ويُقتلُ ذَكَرٌ بأنثى) وعكسُه، ومكلَّف بغيرِ مكلَّف.

  30. الرابع: عدمُ الوِلادةِ، كما أشار إلى ذلك بقوله: (ولا يُقتَلُ أبٌ ولا أمٌّ ولا جَدٌّ ولا جدَّة بولدٍ وإن سفَل) لقوله ﷺ : "لا يُقتل والدٌ بولدِه" (١) . قال ابنُ عبد البر (٢) : هو حديثٌ مشهورٌ عندَ أهلِ العِلْمِ بالحجاز والعِراق، مستفيضٌ عندهم. (ويُقتل) الولدُ (بكلٍّ منهم) أي: جميعِ أصولِه؛ لعمومِ قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ﴾ [البقرة: ١٧٨] .

  31. ويشترطُ لاستيفاءِ القصاص ثلاثةُ شروط:
  32. أحدها: كونُ مستحقِّه مكلَّفًا. فإنْ كان مستحقٌّ القصاصِ أو بعضُ مستحقِّه صبيًّا أو مجنونًا، لم يستوفِه لهما أبٌ ونحوه، وإلى هذا أشار بقوله: (ويُحبسُ جَانٍ إنْ كان

    vol. 4, p. 294في الورثةِ غيرُ مكلَّف حتَّى يكلَّفَ ويطالب.

  33. وليس لبَعْضِهم أنْ ينفردَ به. ولا يُستوفَى من حامِلٍ حتَّى تضعَ وتَسْقِيَه اللِّبَأ، ولا في طرَفٍ حتَّى تضعَ،

    في الورثة غيرُ مكلَّف) لصغرٍ أو جنونٍ (حتَّى يُكلَّف) صغيرٌ ببلوغٍ، ومجنونٌ بإفاقةٍ (ويطالب) بعدَ تكليفِه؛ لأنَّ معاويةَ حبَس هُدْبَةَ بن خَشْرَم (١) في قصاصٍ حتَّى بلغَ ابنُ القتيل. وكان ذلك في عصر الصَّحابةِ ولم يُنكَر. وإن احتاج لنفقةٍ، فلولِيٍّ مجنونٍ فقط العفو إلى الدِّية.

  34. الثاني: اتِّفاقُ جميعُ الورثةِ على استيفائِه، وإلى هذا أشار بقوله: (وليس لبعضِهم أنْ يَنفرِدَ به) لأنَّه يكونُ مستوفيًا لحقِّ غيرِه بغيرِ إذنِه، ولا ولايةَ له عليه، فينتظر قدومُ غائب ونحوه.

  35. الثالث: أنْ يؤمَنَ في استيفاءٍ أنْ يتعدَّى إلى غيرِ جانٍ؛ لقوله تعالى: ﴿فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ﴾ [الإسراء: ٣٣] ، وإلى هذا أشار بقولِه: (ولا يُستوفَى من حاملٍ) وجب عليها القِصاصُ، أو على حائلٍ فحمَلت (حتَّى تضَعَ) الولدَ (وتَسْقِيَه اللِّبَأ (٢) ) لأنَّ قتْلَ الحامِلِ يتعدَّى إلى الجنين، وقتْلَها قبلَ أنْ تسقِيَه اللِّبأ يضرُّه (٣) ؛ لأنَّه في الغالب لا يعيش إلَّا به، ثمَّ بعدَ سَقْيهِ اللِّبأ إنْ وجِدَ مَنْ يُرضعُه، قُتِلتْ، وإلَّا، تُركت حتَّى تَفْطِمَه.

  36. (ولا) يُستوفى من حاملٍ (في طرَفٍ) كيدٍ أو رِجْلٍ (حتَّى تضعَ) وإنْ لم تَسقِه اللِّبَأ

    vol. 4, p. 295وكذا حدٌّ.

  37. ولا يستوفَى قصاصٌ إلَّا بحضرةِ إمامٍ أو نائبِه بآلةٍ ماضيةٍ بضَرْبِ عُنُقِه.

  38. فصل

    يجبُ بعَمْدٍ القَوَدُ أو الدِّيةُ، فيخيَّرُ الوليُّ (١) بينهما، وعَفْوه مجانًا أفضلُ.

  39. (وكذا حَدٌّ) فإذا زنَتْ محصَنةٌ حاملٌ أو حائلٌ فحَملت، لم تُرجم حتَّى تضعَ وتسقيَه اللَّبأ، ويوجدَ من يرضعه. وتُحَدُّ بجلدٍ عند وَضْعٍ.

  40. (ولا) يجوزُ أنْ (يُستوفَى قصاصٌ إلَّا بحضرةِ إمامٍ أو نائبهِ) لافتقاره إلى اجتهادهِ وخوفِ الحَيْف (٢) .