كتاب الشهادات
40 paragraphs · vol. 4, p. 369
- vol. 4, p. 369
تحمُّلُها وأداؤُها فرضُ عينٍ على من قَدَر عليه، بلا ضررٍ في بدنِه، أو عرضِه، أو مالِه، أو أهلِه، فيحرُم كتمانُها، ولا يَشهَدُ إلَّا بما علِمه
[كتاب الشهادات]
-
واحدُها شهادة، مشتقَّةٌ من المشاهدِة؛ لإخبارِ الشاهدِ عمَّا شاهدَه، أي: رآه.
-
ومِن ثَمَّ قيل لمحضَر الناس: مَشْهَد؛ لأنَّهم يرونَ فيه ما يحضرونَه.
-
وهي عُرْفًا: الإخبارُ بما عَلِمه بلفظ: أشهدُ، أو: شَهِدْتُ.
-
(تحمُّلُها) أي: الشهادةِ، فرضُ كفايةٍ، في غير حقِّ الله تعالى، فإذا قامَ به مَن يكفي، سَقَط عن غيره. فإنْ لم يوجد إلَّا من يكفي، تعيَّن عليه، ولو عبدًا، وليسَ لسيِّده منعُه.
-
(وأداؤها) أي: الشهادةِ (فرضُ عَيْنٍ على مَن) تحمَّلَ ودُعيَ إلى أداءٍ، و (قَدَر عليه، بلا ضررٍ في بدنِه أو عرضِه، أو مالهِ، أو أهله) وكانَ بدونِ مسافةِ قصرٍ، ولو عندَ سلْطانِ لا يخافُ ضرره؛ فإنْ كانَ عليه ضَرَرٌ في التحمُّل أو الأداءِ، في بدنِه أو غيرهِ مِمَّا ذُكرَ، لم يلزمْه.
-
(فيَحْرُمُ كتمانُها) بلا ضررٍ (ولا) يحلُّ أنْ (يَشهدَ) أحدٌ (إلَّا بما عَلِمه) لقولِ ابن عبَّاس: سُئِل النبي ﷺ عن الشهادةِ قال: "ترى الشمس" ؟، قال: "على مِثلِها فاشهدْ أو دَعْ" رواه الخلَّال في "جامعه" (١) .
-
والمرادُ العلمُ بأصلِ المُدرَكِ لا دوامُه؛ ولذلك يَشهدُ بالدَّين مع جواز دفعِه، وبالبيع والإجارة مع جوازِ الإقالةِ.
- vol. 4, p. 370
برؤيةٍ، أو سماعٍ، أو استفاضةٍ فيما يتعذَّرُ علمُه غالبًا بدونها، كنسبٍ، وموتٍ، ونكاحٍ، ومِلْكٍ مطلقٍ، ووقفٍ، ونحوه.
-
ومَنْ شهِد برضَاعٍ أو غيرِه، وصفَهُ، وبزنًى، ذَكَرَ مكانَه، وزمانَه، والمزنيِّ بها، ونحوه.
-
فصل
يُشترَطُ فيمَنْ تقبَلُ شهادتُه:
البلوغُ، فلا شهادةَ لصبيٍّ مطلقًا.
-
والعلمُ إمَّا (برؤيةٍ أو سَماعٍ) من مشهودٍ عليه، كعتقٍ، أو طلاقٍ، أو عقدٍ، فيلزمه أنْ يشهدَ بما سمعَ، ولو كان مستخفيًا حين تحمَّل (١) .
-
(أو) عَلمه بـ (استفاضةٍ فيما يتعذَّر علمُه غالبًا بدونِها، كنَسبٍ وموتٍ ونكاحٍ) عقدًا أو دوامًا (ومِلكٍ مُطلقٍ) بخلافِ قولِ شاهدٍ: مَلَكَهُ بالشراء. فلا يكفي فيه الاستفاضةُ (ووقفٍ ونحوِه) كعتقٍ، وخُلعٍ، وطلاقٍ. ولا يَشهَدُ بالاستفاضةِ إلَّا عن عددٍ يَقَعُ بهمُ العلم.
-
(ومَن شَهِدَ برضاعٍ أو غيرهِ، وصفَه) فمنْ شهد بعقدٍ، ذَكَرَ شروطه، ويَذكرُ في رَضاعٍ عددَ الرضعاتِ، وأنَّه شَرِبَ من ثديِها، أو من لبنٍ حُلِبَ منه.
-
(و) مَن شَهِد (بزنًى ذكَرَ مكانَه، وزمانَه) الذي وقع فيه الزِّنى (و) ذَكَرَ (المزنَّي بها ونحوه) بأَن يَذكُرَ كيفَ زنى بها، من كونهما نائمينِ أو جالسين، وأنَّه رأى ذكَره في فرجِها.
-
فصلٌ
(يُشترط فيمن تُقبل شهادتُه) ستَّةُ شروطٍ: أحدها: (البلوغُ، فلا) تُقبلُ (شهادة لصبيٍّ مطلقًا) أي: سواءٌ شَهِدَ على مثلِه، أَوْ لا.
- vol. 4, p. 371
والعقلُ، فلا تقبلُ من مجنونٍ ونحوِه، إلَّا من يُخَنَّق أحيانًا، إذا شَهِدَ في إفاقتِه.
-
والإسلامُ، فلا شهادةَ لكافرٍ إلَّا في الوصيةِ في صورةٍ خاصَّةٍ.
-
والكلامُ، فلا شهادةَ لأخرسَ، ولو فُهمَتْ إشارتُه، إلَّا إذا أدَّاها بخطِّه.
- والحفظُ، والعدالةُ، ويعتبرُ لهما شيئان:
-
(و) الثاني: (العقلُ، فلا تُقْبَلُ) شهادةٌ (من مجنونٍ ونحوه) كمعْتُوهٍ (إلَّا من يُخَنَّقُ أحيانًا) فتُقْبَلُ شهادتُه (إذا شَهِد) أي: تحمَّلَ وأدَّى (في) حال (إفاقتِه) لأنَّها شهادةٌ من عاقل.
-
(و) الثالثُ: (الإسلامُ) لقوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: ٢] (فلا شهادةَ لكافرٍ) ولو على مِثله (إلَّا في الوصيَّةِ في صورةٍ خاصَّةٍ) وهي: أنْ يشهدَ رجلان كتابيَّانِ عند عَدمِ مسلمٍ بوصيَّة ميِّت بسفرٍ، مسلمًا كان المُوصِي أو كافرًا، ويُحَلِّفُهما حاكمٌ وجوبًا بعدَ العَصْر (١) : لا نشتري به ثمنًا، ولو كان ذا قُرْبَى، وما خانا ولا حَرَّفا، وإنَّها لوصيةٌ، فإن عُثِر على أنَّهما استحقَّا إثمًا، فآخرانِ من أولياءِ المُوصي يحلفان بالله لشهادتُنا أحقِّ من شهادتِهما، ولقد خَانا وكتما. ويُقْضَى لهم.
-
(و) : الرابعُ: (الكلامُ) أي: كونُ الشاهدِ متكلِّمًا (فلا شهادةَ لأخرسَ، ولو) أَدَّاها بإشارتِهِ (٢) ، و (فُهمت إشارتُه) لأنَّ الشهادَة يُعتَبرُ فيها اليقينُ.
-
(إلَّا إذا أدَّاها) الأخرسُ (بخطِّه) فتُقبلُ؛ لدلالةِ الخطِّ على الألفاظ. (و) الخامس: (الحِفظُ) فلا تُقبَلُ من مُغَفَّلٍ، ومعروفٍ بكثرةِ سَهْوٍ وغَلَطٍ؛ لأنَّه لا تحصلُ الثقةُ بقوله.
-
(و) السَّادسُ: (العدالةُ) وهي لغةً: الاستقامةُ، من العدلِ، ضدُّ الجَور. وشرعًا: استواءُ أحوالِه في دينه، واعتدالُ أقوالِه وأفعاله. (ويُعتبر لها) أي: للعدالة (شيئان) :
vol. 4, p. 372صلاحُ الدِّيْنِ، بأداءِ الفرائضِ برواتبِها، واجتنابِ المحارمِ، فلا شهادةَ لفاسقٍ، بأنْ يأتيَ بكبيرةٍ، أو يُدْمِنَ على صغيرةٍ.
- أحدهما: (صلاحُ الدِّيْنِ) ويحصل ذلك (بـ) أمرين:
-
أحدهما: (أداءُ الفرائِض) أي: الصلواتِ الخمس، والجمعة، وكذا ما وَجَبَ من صومٍ، وحجٍّ، وزكاةٍ، ونحوِها. (برواتبِها) أي: بسُنَنِها (١) الراتبةِ؛ فلا تُقبَلُ ممَّن داومَ على تركِها؛ لأنَّ تهاونه بالسُّننِ يدلُّ على عدمِ محافظتِه على أسباب ديِنه.
-
(و) الثاني: (اجتنابُ المحارِمِ) بألا يأتي كبيرةً، ولا يُدمِنَ على صغيرةٍ.
-
والكبيرةُ: ما فيه حدٌّ في الدنيا، أو وعيدٌ (٢) في الآخرة، كأكلِ الرِّبا، ومالِ اليتيم، وشهادةِ الزور، وعقوقِ الوالدين.
-
والصغيرةُ: ما دونَ ذلك من المحرَّمات؛ كَسَبٍّ الناسِ بما دونِ القذْفِ، واستماعِ كلامِ النساءِ الأجانبِ على التلذُّذِ، والنظرِ المحرَّم.
-
والكذبُ صغيرةٌ إلَّا في شهادةِ زورٍ، وكَذِبٍ على نبيٍّ، ورَمْي فِتَنٍ، ونحوه، فكبيرةٌ. قال الإمام أحمد: ويُعرف الكذَّاب بخُلفِ المواعيدِ؛ نقله (٣) عبدِ الله.
-
ويجبُ كذبٌ لتخليصِ مسلمٍ مِنَ قَتْلِ.
-
(فلا شهادةَ لفاسقٍ بأنْ يأتي بكبيرةٍ أو يُدمِنَ على صغيرةٍ) سواءٌ كان فِسقُه بفعلٍ كزنى، أو باعتقادٍ، كتقليدٍ في خلْق القرآن، أو نفي الرؤيةِ، أو في الرَّفضِ، أو التجهُّم (٤) أو التَّجسيم، وما يعتقدُه الخوارجُ والقدَريَّةُ ونحوهم، ويكفرُ مجتهدُهُم الداعيةُ.
-
ومن تتبَّع الرُّخصَ من المذاهبِ فعَمِل بها، فسقَ.
- vol. 4, p. 373
الثاني: استعمالُ المروءة، وهو فعلُ ما يُجَمِّلُه ويُزَيِّنُه، وتركُ ما يدنِّسُه وَيَشينه.
-
وإذا أسلمَ الكافرُ، وَبلَغَ الصبيُّ، وعقلَ المجنونُ، وتابَ الفاسقُ قبل شهادتِه، قُبِلَتْ.
-
فصل
ولا تُقْبَلُ شهادةُ عمودَيِ النسبِ
(الثاني) مما يُعتَبرُ للعدالةِ: (استعمال المروءةِ) بوزن سُهُولة، أي: الإنسانيَّةِ (وهو) أي: استعمالُ المروءة: (فعلُ ما يُجَمِّلُه ويُزَيِّنه) عادةَ، كالسخاءِ، وحُسنِ الخُلقِ، وحُسنِ المجاورة (وتركُ ما يدنِّسه ويَشينُه) عادةً منَ الأمور الدَّنيَّة المُزرِيَةِ (١) به؛ فلا شهادةَ لمصافعٍ (٢) ، ومُتَمَسْخرٍ، ورقَّاصٍ، ومُغَنٍّ، وطُفيليٍّ، ومتزيٍّ بزيٍّ (٣) يُسخَرُ منه، ولا لمن يأكلُ بالسوقِ الأشياء إلَّا شيئًا (٤) يسيرًا، كلقمةٍ وتفاحةٍ، ولا لمن يمدُّ رجلَه بمجمَعِ الناسِ، أو ينامُ بين جالِسينَ ونحوِه.
-
(وإذا) زالتِ الموانعُ، بأنْ (أسلمَ الكافرُ، وبلَغَ الصبيُّ، وعقَلَ المجنونُ، وتابَ الفاسقُ، قبْلَ) أداءِ الفاسقِ (شهادَتَه، قُبلتْ) شهادةُ من ذُكِرَ لزوالِ المانع.
-
فإنْ شَهِدَ الفاسقُ فرُدَّتْ شهادتُه، ثُمَّ تابَ، وأعادَ تلكَ الشهادة بعينها، لم تُقبلْ للتُّهمةِ.
-
ولا تعتبرُ الحريَّةُ، فتُقبل شهادة عبدٍ وأمةٍ في كلِّ ما يُقبَل فيه حرٌّ وحرَّةٌ. وتقبل شهادةُ ذي صنعةٍ دنيئةٍ؛ كحجَّامٍ، وحَدَّادٍ، وزبَّالٍ.