٥٤٠ - شد الرحل لزيارة قبر النبي - صلى الله عليه وسلم -

27 paragraphs · vol. 1, p. 363

  1. - قال ابن عبدالهادي ــ بعد كلام سابق ــ: ( ... فانظر إلى كلام هذا المعترض (٢) المتضمن لرد النقل الصحيح بالرأي الفاسد، واجمع بينه وبين ما حكاه عن شيخ الإسلام من الافتراء العظيم، والإفك المبين، والكذب الصراح، وهو ما نقله عنه من أنه جعل زيارة قبر النبي - صلى الله عليه وسلم -، وقبور سائر الأنبياء عليهم السلام = معصية بالإجماع مقطوعًا بها.

    1. (٢)يعني: السبكي.
    vol. 1, p. 363
  2. هكذا ذكر هذا المعترض عن بعض قضاة الشافعية عن الشيخ أنه قال هذا القول، الذي لا يشك عاقل من أصحابه وغير أصحابه أنه كذب مفترى لم يقله قط، ولا يوجد في شيء من كتبه، ولا دل كلامه عليه، بل كتبه كلها ومناسكه وفتاويه وأقواله وأفعاله تشهد ببطلان هذا النقل عنه، ومن له أدنى علم وبصيرة يقطع بأن هذا مفتعل مختلق على الشيخ، وأنه لم يقله قط، وقد قال الله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا

    vol. 1, p. 364بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ} [الحجرات: ٦] ...

  3. إلى أن قال: وليعلم: قبل الشروع في الكلام مع هذا المعترض أن شيخ الإسلام - رحمه الله - لم يحرم زيارة القبور على الوجه المشروع في شيء من كتبه، ولم ينه عنها، ولم يكرهها، بل استحبها، وحض عليها، ومناسكه ومصنفاته طافحة بذكر استحباب زيارة قبر النبي - صلى الله عليه وسلم - وسائر القبور.

    قال رحمه الله تعالى في بعض مناسكه: باب زيارة قبر النبي - صلى الله عليه وسلم - ، إذا أشرف على مدينة النبي - صلى الله عليه وسلم - قبل الحج أو بعده، فليقل ما تقدم، فإذا دخل استحب له أن يغتسل (١) ،

    نص عليه الإمام أحمد، فإذا دخل المسجد بدأ برجله اليمنى، وقال: بسم الله، والصلاة والسلام على رسول الله، اللهم اغفر لي ذنوبي، وافتح لي أبواب رحمتك، ثم يأتي الروضة بين القبر والمنبر فيصلي بها، ويدعو بما شاء، ثم يأتي قبر النبي - صلى الله عليه وسلم - فيستقبل جدار القبر، ولا يمسه، ولا يقبله، ويجعل القنديل الذي في القبلة عند القبر على رأسه؛ ليكون قائمًا وجاه النبي - صلى الله عليه وسلم - ، ويقف متباعدًا كما يقف لو ظهر في حياته

    vol. 1, p. 365بخشوع وسكون، منكس الرأس، غاض الطرف، مستحضرًا بقلبه جلالة موقفه، ثم يقول: السلام عليك يا رسول الله، ورحمة الله وبركاته، السلام عليك يا نبي الله، وخيرته من خلقه، السلام عليك يا سيد المرسلين، وخاتم النبيين، وقائد الغر المحجلين، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أنك رسول الله، وأشهد أنك قد بلغت رسالات ربك، ونصحت لأمتك، ودعوت إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة، وعبدت الله حتى أتاك اليقين، فجزاك الله أفضل ما جزى نبيًا ورسولًا عن أمته، اللهم آته الوسيلة والفضيلة، وابعثه مقامًا محمودًا الذي وعدته، يغبطة به الأولون والآخرون، اللهم صل على محمد، وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم، وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد، اللهم بارك على محمد، وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم (١) ،

    وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد، اللهم احشرنا في زمرته، وتوفنا على سنته، وأوردنا حوضه، وأسقنا بكأسه مشربًا رويًا، لا نظمأ بعده أبدًا.

    1. (١)قال الشيخ إسماعيل الأنصاري في تعليقه على «الصارم»: (علق العلامة الأثري الشيخ عبدالعزيز بن عبد الله بن باز على قوله: «فإذا دخل استحب له أن يغتسل» علق عليه بما نصه في استحباب الغسل هنا نظر, والأظهر عدمه؛ لعدم الدليل عليه, والعبادات توقيفية, ولعل هذا منسك للشيخ قديم, ولهذا لم يذكر ذلك في منسكه الجديد, والله الموفق) ا. هـ. قلت: وقد قال شيخ الإسلام في مقدمة «منسكه» الجديد (ص: ١٧): ( ... فإني كنت قد كتبت منسكا في أوائل عمري, فذكرت فيه أدعية كثيرة, وقلدت في الأحكام من اتبعته قبلي من العلماء, وكتبت في هذا ما تبيّن لي من سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مختصرا مبينا) ا. هـ.
    2. (١)قال الشيخ إسماعيل الأنصاري في تعليقه على «الصارم المنكي»: (لفظ: «على إبراهيم» في هذا الموضع وفي الذي قبله ورد في المطبوعة, وأما المخطوطتان فلم يرد فيهما غير: «على آل إبراهيم» في الموضعين, وهذا هو المناسب لما نقله علاء الدين أبو الحسن علي بن محمد بن العباس البعلي الدمشقي في «الاختيارات» عن شيخ الإسلام ابن تيمية, وهو أنه قال: «الأحاديث التي في الصحاح لم أجد في شيء منها: كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم» , وقد تعقبه البعلي بقوله: «قلت: بل روى البخاري في صحيحه الجمع بينهما» انتهى كلام البعلي, ورواية البخاري التي أشار إليها البعلي هي في ترجمة إبراهيم عليه السلام في أحاديث الأنبياء ... الخ).
  4. ثم يأتي أبا بكر وعمر - رضي الله عنهما -، فيقول: السلام عليك يا أبا بكر

    vol. 1, p. 366الصديق، السلام عليك يا عمر الفاروق، السلام عليكما يا صاحبي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وضجيعيه، ورحمة الله وبركاته، جزاكما الله عن صحبة نبيكما وعن الإسلام خيرًا، سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار.

    قال: ويزور قبور أهل البقيع، وقبور الشهداء إن أمكن.

  5. هذا كلام الشيخ رحمه الله بحروفه، وكذلك سائر كتبه ذكر فيها استحباب زيارة قبر النبي - صلى الله عليه وسلم - وسائر القبور، ولم ينكر زيارتها في موضع من المواضع، ولا ذكر في ذلك خلافًا إلا نقلًا غريبًا ذكره في بعض كتبه عن بعض التابعين (١) .

    1. (١)ذكر شيخ الإسلام في «الرد على الإخنائي» (١١٣) ــ وهو من أواخر كتبه كَتَبَه في سجنه الأخير كما في «العقود الدرية» (ص ٣٦١) ــ أنه كان يعتقد أثناء كتابة الفتوى التي حصل الاعتراض عليه بسببه= أن زيارة القبور مستحبة بالإجماع, ثم رأى بعد ذلك فيها نزاعا قال: (وهو نزاع مرجوح, والصحيح أنها مستحبة) ا. هـ. وقد بسط الكلام على هذا الخلاف في أثناء كتابه (ص ٢٣٢ - ٢٣٤) ونقله عنه ابن عبدالهادي في «الصارم» (٤٤١) ثم قال: (والمقصود أن الإجماع المذكور في هذه المسألة غير محقق وإن كان قول من خالف الجمهور فيها ضعيفا, وشيخ الإسلام لم يذهب إلى هذا القول المخالف لقول الجمهور, وإنما حكاه كما حكاه غيره من أهل العلم, والله أعلم) ا. هـ.
  6. وإنما تكلم عن مسألة شد الرحال وإعمال المطي إلى مجرد زيارة القبور، وذكر في ذلك قولين للعلماء المتقدمين والمتأخرين:

    أحدهما: القول بإباحة ذلك، كما يقوله بعض أصحاب الشافعي وأحمد.

  7. والثاني: أنه منهي عنه، كما نص عليه إمام دار الهجرة مالك بن أنس، ولم ينقل عن أحد من الأئمة الثلاثة خلافه، وإليه ذهب جماعة من أصحاب الشافعي وأحمد.

    vol. 1, p. 367
  8. هكذا ذكر الشيخ الخلاف في شد الرحال وإعمال المطي إلى القبور، ولم يذكره في الزيارة الخالية عن شد رحل وإعمال مطي، والسفر إلى زيارة القبور مسألة، وزيارتها من غير سفر مسألة أخرى، ومن خلط هذه المسألة بهذه المسألة، وجعلهما مسألة واحدة، وحكم عليهما بحكم واحد، وأخذ في التشنيع على من فرَّق بينهما، وبالغ في التنفير عنه= فقد حرم التوفيق، وحاد عن سواء الطريق.

  9. واحتج الشيخ لمن قال بمنع شد الرحال وإعمال المطي إلى القبور بالحديث المشهور المتفق على صحته وثبوته من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: مسجدي هذا، والمسجد الحرام، والمسجد الأقصى» .

  10. هكذا أخرجه البخاري ومسلم في «صحيحيهما» بصيغة الخبر: (لا تشد الرحال) ، ومعنى الخبر في هذا معنى النهي، يبين ذلك ما رواه مسلم في «صحيحه» من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «لا تشدوا الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: مسجدي هذا، والمسجد الحرام، والمسجد الأقصى» . هكذا رواه مسلم بصيغة النهي.

  11. ورواه الإمام إسحاق بن راهويه في «مسنده» بصيغة الحصر: «إنما تشد الرحال إلى ثلاثة مساجد: مسجد إبراهيم، ومسجد محمد، ومسجد بيت المقدس» .

  12. وقد روي عبد الله بن عمر رضي الله عنهما هذا الحديث أيضًا عن النبي - صلى الله عليه وسلم - بصيغة النهي: «لا تشدوا الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: مسجد الحرام، ومسجد المدينة، ومسجد بيت المقدس» .

    vol. 1, p. 368
  13. هذا هو الذي فعل الشيخ: حكى الخلاف في مسألة بين العلماء، واحتج لأحد القولين بحديث متفق على صحته، فأي عتب عليه في ذلك؟ ! ولكن نعوذ بالله من الحسد، والبغي، واتباع الهوى) [الصارم المنكي (٢١ - ٢٨) ].

    - وقال أيضًا: (قال المعترض (١) : ... قال القاضي عياض - رحمه الله -: زيارة قبره - صلى الله عليه وسلم - سنة بين المسلمين، مجمع عليها، وفضيلة مرغب فيها.

    قلت: هذا الإجماع الذي حكاه القاضي عياض ــ رحمه الله تعالى ــ حكاه شيخ الإسلام أيضًا في غير موضع، وقد قدمنا غير مرة ذكره في مصنفاته وفتاويه ومناسكه = استحباب زيارة قبر النبي - صلى الله عليه وسلم - على الوجه المشروع، ولم يذكر في ذلك نزاعًا بين العلماء، وإنما ذكر الخلاف بينهم في السفر لمجرد زيارة القبور، واختار المنع من ذلك كما هو مذهب مالك وغيره من أهل العلم، وهو الذي اختاره القاضي عياض مع حكايته هذا الاجماع.

    1. (١)أي: السبكي.
  14. ومقصود المعترض الاحتجاج على الشيخ بهذا الإجماع الذي ذكره القاضي عياض، والشيخ لا يخالف هذا الإجماع، بل يوافقه ويذهب إليه، ويحكيه في مواضع، مع قوله بالنهي عن السفر لزيارة القبور، كما ذهب إليه

    vol. 1, p. 369القاضي عياض ناقل هذا الإجماع، وينبغي للمعترض وأمثاله أن يعرفوا الفرق بين مواقع الإجماع ومحال النزاع، ولا يخلطوا بعضها ببعض ... الخ) [الصارم المنكي (٣٣٨ - ٣٣٩) ] (١) .

    1. (١)قد قرر الحافظ ابن عبدالهادي هذا المعنى في مواضع من كتابه «الصارم» , وأكثر من النقل عن شيخ الإسلام حول هذه المسألة, فنقل عنه من عدة كتب, وهي: «الجواب الباهر»، و «الرد على الإخنائي» , و «اقتضاء الصراط المستقيم» , و «المنسك» (الجديد) , وكلها مطبوعة متداولة, وقد بلغ مجموع ما نقله من هذه الكتب (١٧٥ صفحة) تقريبا, فرأيت أن لا حاجة إلى سردها هنا واكتفيت بذكر ما أثبته في الأعلى, والإشارة إلى مواضع بقية النقول، والله الموفق. (ينظر: «الصارم المنكي»: ٤١ - ٥٤, ٦٤ - ٦٧, ٨٠ - ٨٦, ١٠٢ - ١١٥, ١٢٢ - ١٢٧, ١٥١ - ١٨٦, ١٨٦ - ٢٢٠, ٢٤٤ - ٢٤٦, ٢٦١ - ٢٦٢, ٢٩٥, ٣٢١ - ٣٢٢, ٣٣١ - ٣٣٢, ٣٣٩ - ٣٤٣, ٣٤٩ - ٣٥٥, ٣٥٧ - ٣٥٩, ٣٦٦ - ٣٦٩, ٣٧٥ - ٣٧٩, ٣٨٦ - ٣٩١, ٣٩٤ - ٤١٣, ٤١٤ - ٤٢١, ٢٣٢ - ٤٣٩, ٤٤١).
  15. - وقال أيضًا: ( ... فلما كان في سنة ست وعشرين وسبعمائة وقع الكلام في مسألة شد الرحال، وإعمال المطي إلى قبور الأنبياء والصالحين، وظفروا للشيخ بجواب سؤال في ذلك، كان قد كتبه من سنين كثيرة، يتضمن حكاية قولين في المسألة، وحجة كل قول منهما، وكان للشيخ في هذه المسألة كلام متقدم أقدم من الجواب المذكور بكثير ذكره في كتاب «اقتضاء الصراط المستقيم» وغيره، وفيه ما هو أبلغ من هذا الجواب الذي ظفروا به.

  16. وكثر الكلام، والقيل والقال، بسبب العثور على الجواب المذكور، وعظم التشنيع على الشيخ، وحرف عليه، ونقل عنه ما لم يقله، وحصل فتنة طار شررها في الآفاق، واشتد الأمر، وخيف على الشيخ من كيد القائمين في

    vol. 1, p. 370هذه القضية بالديار المصرية والشامية، وكثر الدعاء والتضرع والابتهال إلى الله تعالى، وضعف من أصحاب الشيخ من كان عنده قوة، وجبن منهم من كانت له همة، وأما الشيخ - رحمه الله - فكان ثابت الجأش، قوي القلب، وظهر صدق توكله واعتماده على ربه ...

  17. ولما كان يوم الاثنين بعد العصر السادس من شعبان من السنة المذكورة = حضر إلى الشيخ من جهة نائب السلطنة بدمشق مشد الأوقاف، وابن خطير ــ أحد الحجاب ــ وأخبراه أن مرسوم السلطان ورد بأن يكون في القلعة، وأحضرا معهما مركوبا.

    فأظهر الشيخ السرور بذلك، وقال: أنا كنت منتظرا ذلك، وهذا فيه خير عظيم ... الخ).

  18. وقد ساق ابن عبدالهادي بعد ذلك نص فتيا الشيخ المشار إليها (١) , ثم قال: (هذا آخر ما أجاب به شيخ الإسلام، والله سبحانه وتعالى أعلم.

    1. (١)وهي في الفتاوى ــ نقلًا عن ابن عبدالهادي ــ (٢٧/ ١٨٢ - ١٩٢).
  19. وله من الكلام في مثل هذا كثير، كما أشار إليه في الجواب.

  20. ولما ظفروا في دمشق بهذا الجواب كتبوه، وبعثوا به إلى الديار المصرية، وكتب عليه قاضي الشافعية: قابلت الجواب عن هذا السؤال المكتوب على خط ابن تيمية فصح ... إلى أن قال: وإنما المحرف (٢) جعله زيارة قبر النبي وقبور الأنبياء صلوات الله عليهم معصية بالإجماع مقطوع بها.

    1. (٢)كذا, ولعل الصواب: (المحز) كما يأتي في كلام ابن كثير.
  21. هذا كلامه! فانظر إلى هذا التحريف على شيخ الإسلام، والجواب ليس فيه المنع من زيارة قبور الأنبياء والصالحين، وإنما ذكر فيه قولين في شد الرحل والسفر إلى مجرد زيارة القبور، وزيارة القبور من غير شد رحل إليها مسألة، وشد الرحل لمجرد الزيارة مسألة أخرى.

    vol. 1, p. 371
  22. والشيخ لا يمنع الزيارة الخالية عن شد رحل، بل يستحبها ويندب إليها، وكتبه ومناسكه تشهد بذلك، ولم يتعرض الشيخ إلى هذه الزيارة في الفتيا، ولا قال إنها معصية، ولا حكى الإجماع على المنع منها، والله سبحانه وتعالى لا تخفى عليه خافية.

  23. ولما وصل خط القاضي المذكور إلى الديار المصرية كثر الكلام وعظمت الفتنة، وطلب القضاة بها فاجتمعوا وتكلموا، وأشار بعضهم بحبس الشيخ، فرسم السلطان به، وجرى ما تقدم ذكره.

  24. ثم جرى بعد ذلك أمور على القائمين في هذه القضية لا يمكن ذكرها في هذا الموضع) [العقود الدرية ٣٢٧ - ٣٤١] .

  25. - وقال ابن كثير: (وفي يوم الأربعاء عاشر ذي القعدة، دَرَّس بالحنبلية برهان الدين [إبراهيم بن] (١) أحمد بن هلال الزرعي الحنبلي، بدلا عن شيخ الاسلام ابن تيمية، وحضر عنده القاضي الشافعي وجماعة من الفقهاء، وشق ذلك على كثير من أصحاب الشيخ تقي الدين، وكان ابن الخطيري الحاجب قد دخل على الشيخ تقي الدين قبل هذا اليوم فاجتمع به، وسأله عن أشياء بأمر نائب السلطنة.

    1. (١)استدركت من ط ٢, بتحقيق: الشيخ عبد الله التركي.
  26. ثم يوم الخميس دخل القاضي بدر الدين ابن جملة، وناصر الدين مشد الأوقاف، وسألاه عن مضمون قوله في مسألة الزيارة، فكتب ذلك في درج، وكتب تحته قاضي الشافعية بدمشق: قابلت الجواب عن هذا السؤال المكتوب على خط ابن تيمية إلى أن قال: وإنما المحز جعله زيارة قبر النبي - صلى الله عليه وسلم - وقبور الانبياء صلوات الله وسلامه عليهم معصية بالإجماع مقطوعا بها!

    vol. 1, p. 372
  27. فانظر الآن هذا التحريف على شيخ الاسلام، فإن جوابه على هذه المسألة ليس فيه منع زيارة قبور الأنبياء والصالحين، وإنما فيه ذكر قولين في شد الرحل والسفر إلى مجرد زيارة القبور، وزيارة القبور من غير شد رحل إليها مسألة، وشد الرحل لمجرد الزيارة مسألة أخرى، والشيخ لم يمنع الزيارة الخالية عن شد رحل، بل يستحبها ويندب إليها، وكتبه ومناسكه تشهد بذلك، ولم يتعرض إلى هذه الزيارة على هذا الوجه في الفتيا، ولا قال إنها معصية، ولا حكى الإجماع على المنع منها، ولا هو جاهل قول الرسول - صلى الله عليه وسلم -: «زوروا القبور فإنها تذكركم الآخرة» ، والله سبحانه لا يخفى عليه شيء، ولا يخفى عليه خافية، {وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ} [الشعراء: ٢٢٧] ) [البداية والنهاية ١٤/ ١٤٣] (١) .

    1. (١)للشيخ مؤلفات مفردة في هذه المسألة طبع منها: «الجواب الباهر»، و «الرد على الإخنائي».