١٤٥٢ - خبر من له رئي من الجن
69 paragraphs · vol. 1, p. 1041
Page 2 of 2
- vol. 1, p. 1050
ومن زعم أن هذا على إطلاقه وعمومه هو الشرع فقد غلط غلطا فاحشا، مخالفا لنصوص رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، ولإجماع الأمة.
-
وبمثل هذا الغلط الفاحش تجرأ الولاة على مخالفة الشرع، وتوهموا
vol. 1, p. 1051أن الشرع لا يقوم بسياسة العالم، ومصلحة الأمة، وتعدوا حدود الله، وتولد من جهل الفريقين بحقيقة الشرع خروج عنه إلى أنواع من الظلم، والبدع، والسياسة.
-
جعلها (١) هؤلاء من الشرع، وجعلها هؤلاء قسيمة ومقابلة له، وزعموا أن الشرع ناقص، لا يقوم بمصالح الناس، وجعل أولئك ما فهموه من العموميات والإطلاقات هو الشرع، وإن تضمن خلاف ما شهدت به الشواهد والعلامات الصحيحة.
- (١)من هنا إلى كلمة (فصل) غير موجود في مطبوعة «الفتاوى» فلا أدري هل سقط منها، أم أنه من زيادات ابن القيم؟
-
والطائفتان مخطئتان في الشرع أقبح خطأ، وأفحشه، وإنما أتوا من تقصيرهم في معرفة الشرع، الذي أنزله الله على رسوله، وشرعه بين عباده، كما تقدم بيانه.
-
فإنه أنزل الكتاب بالحق ليقوم الناس بالقسط، ولم يسوغ تكذيب صادق، ولا إبطال أمارة وعلامة شاهدة بالحق، بل أمر بالتثبت في خبر الفاسق، ولم يأمر برده مطلقا، حتى تقوم أمارة على صدقه فيقبل، أو كذبه فيرد، فحكمه دائر مع الحق، والحق دائر مع حكمه أين كان، ومع من كان، وبأي دليل صحيح كان.
-
فتوسع كثير من هؤلاء، في أمور ظنوها علامات، وأمارات أثبتوا بها أحكاما، وقصر كثير من أولئك عن أدلة، وعلامات ظاهرة ظنوها غير صالحة لإثبات الأحكام.
- vol. 1, p. 1052
فصل
ويسوغ ضرب هذا النوع من المتهمين، كما أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - الزبير بتعذيب المتهم، الذي غيب ماله حتى أقر به، في قصة ابن أبي الحقيق.
قال شيخنا: واختلفوا فيه: هل الذي يضربه الوالي دون القاضي، أو كلاهما، أو لا يسوغ ضربه؟ على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه يضربه الوالي والقاضي، وهذا قول طائفة من أصحاب مالك وأحمد وغيرهم، منهم: أشهب بن عبد العزيز، قاضي مصر، فإنه قال: يمتحن بالحبس والضرب، ويضرب بالسوط مجردا.
-
والقول الثاني: أنه يضربه الوالي دون القاضي، وهذا قول بعض أصحاب الشافعي وأحمد، حكاه القاضيان.
-
ووجه هذا: أن الضرب المشروع هو ضرب الحدود والتعزيرات، وذلك إنما يكون بعد ثبوت أسبابها، وتحققها.
-
والقول الثالث: أنه يحبس ولا يضرب، وهذا قول أصبغ، وكثير من الطوائف الثلاثة، بل قول أكثرهم، لكن حبس المتهم عندهم أبلغ من حبس المجهول.
-
ثم قالت طائفة، منهم عمر بن عبد العزيز، ومطرف وابن الماجشون: إنه يحبس حتى يموت.
-
ونَصَّ عليه الإمام أحمد في المبتدع الذي لم ينته عن بدعته: أنه يحبس حتى يموت.
وقال مالك: لا يحبس إلى الموت.
- vol. 1, p. 1053
فصل
والذين جعلوا عقوبته للوالي دون القاضي قالوا: ولاية أمير الحرب معتمدها المنع من الفساد في الأرض، وقمع أهل الشر والعدوان، وذلك لا يتم إلا بالعقوبة للمتهمين، المعروفين بالإجرام، بخلاف ولاية الحكم، فإن مقصودها إيصال الحقوق إلى أربابها، وإثباتها.
قال شيخنا: وهذا القول هو في الحقيقة قول بجواز ذلك في الشريعة، لكن كل ولي أمر يفعل ما فوض إليه، فكما أن والي الصدقات يملك من أمر القبض والصرف ما لا يملكه والي الخراج وعكسه، وكذلك والي الحرب ووالي الحكم يفعل كل منهما ما اقتضته ولايته الشرعية، مع رعاية العدل، والتقيد بالشريعة.
-
فصل
وأما عقوبة من عرف أن الحق عنده، وقد جحده فمتفق عليها بين العلماء، لا نزاع بينهم أن من وجب عليه حق أو دين وهو قادر على أدائه وامتنع منه أنه يعاقب حتى يؤديه، ونصوا على عقوبته بالضرب، ذكر ذلك الفقهاء من الطوائف الأربعة.
وقال أصحاب أحمد: إذا أسلم وتحته أختان أو أكثر من أربع أمر أن يختار إحدى الأختين أو أربعا، فإن أبى حبس وضرب حتى يختار، قالوا: وهكذا كل من وجب عليه حق هو قادر على أدائه فامتنع منه، فإنه يضرب حتى يؤديه.
-
وفي «السنن» عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «مطل الواجد يحل عرضه وعقوبته» .
- vol. 1, p. 1054
والعقوبة لا تختص بالحبس بل هي بالضرب أظهر منها في الحبس، وثبت عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «مطل الغني ظلم» ، والظالم يستحق العقوبة شرعا وقدرا.
-
فصل
واتفق العلماء على أن التعزير مشروع في كل معصية ليس فيها حد وهي نوعان: ترك واجب، أو فعل محرم.
-
فمن ترك الواجبات مع القدرة عليها، كقضاء الديون، وأداء الأمانات من الوكالات والودائع وأموال اليتامى والوقوف والأموال السلطانية، ورد الغصوب والمظالم = فإنه يعاقب حتى يؤديها، وكذلك من وجب عليه إحضار نفس لاستيفاء حق وجب عليها، مثل أن يقطع الطريق ويلتجئ إلى من يمنعه ويذب عنه، فهذا يعاقب حتى يحضره.
-
وقد روى مسلم في «صحيحه» عن علي بن أبي طالب قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «لعن الله من أحدث حدثا أو آوى محدثا» .
-
وروى أبو داود في «سننه» عن ابن عمر قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «من خاصم في باطل ــ وهو يعلم ــ لم يزل في سخط الله حتى ينزع, ومن حالت شفاعته دون حد من حدود الله فقد ضاد الله في أمره, ومن قال في مسلم ما ليس فيه حبس في ردغة الخبال حتى يخرج مما عليه» .
قال: فما وجب إحضاره من النفوس والأموال استحق الممتنع من إحضاره العقوبة، وأما إذا كان إحضاره إلى من يظلمه، أو إحضار المال إلى من يأخذه بغير حق فهذا لا يجب، بل ولا يجوز، فإن الإعانة على الظلم ظلم) [الطرق الحكمية ٧٩ - ٨١] .
- vol. 1, p. 1055
- وقال ابن مفلح: (واختار شيخنا: أن المدعي يحلف ابتداء مع اللوث، وأن الدعوى في التهمة كسرقة يعاقب المدعى عليه الفاجر، وأنه لا يجوز إطلاقه.
-
ويحبس المستور ليبين أمره أو ثلاثا على وجهين (١)، نقل حنبل: حتى يبين أمره، ونص أحمد ومحققو أصحابه على حبسه، واحتج أحمد بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - حبس في تهمة، بخلاف دعوى بيع أو قرض ونحوه، لتفريطه بترك كتابته والإشهاد.
- (١)قال المرداوي في «تصحيح الفروع»: (هذا من تتمة كلام الشيخ تقي الدين، وليس من الخلاف المطلق).
-
وأن تحليف كل مدعى عليه وإرساله مجانا ليس مذهبا لإمام.
-
واحتج في مكان آخر بأن قوما اتهموا أناسا بسرقة فرفعوهم إلى النعمان بن بشير فحبسهم أياما ثم أطلقهم، فقالوا له: خليت سبيلهم بغير ضرب ولا امتحان؟ فقال لهم: إن شئتم ضربتهم، فإن ظهر ما لكم وإلا ضربتكم مثل ما ضربتهم، فقالوا: هذا حكمك؟ فقال: حكم الله تعالى ورسوله. إسناده جيد رواه النسائي وأبو داود، وترجم عليه: باب في الامتحان بالضرب، وظاهره أنه قال به، وقال به شيخنا.
-
وفي «الأحكام السلطانية» : يحبسه وال، قال: فظاهر كلام أحمد: وقاض، وأنه ليشهد له {وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ} الآية [النور: ٨] حملنا على الحبس لقوة التهمة، وذكر شيخنا الأول قول أكثر العلماء.
-
واختار تعزير مدع بسرقة ونحوها على من تعلم براءته.
- vol. 1, p. 1056
واختار أن خبر من له رئي جني بأن فلانا سرق كذا كخبر إنسي مجهول، فيفيد تهمة كما تقدم ...
قال شيخنا: إذا كان معروفا بالفجور المناسب للتهمة قال طائفة: يضربه الوالي والقاضي، وقال طائفة: الوالي دون القاضي، وقد ذكر ذلك طوائف من أصحاب مالك والشافعي وأحمد.
-
وفي «الصحيح» : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر الزبير أن يمس بعض المعاهدين بالعذاب لما كتم إخباره بالمال الذي كان النبي - صلى الله عليه وسلم - قد عاهدهم عليه، وقال له: «أين كنز حيي بن أخطب؟» فقال: يا محمد، أذهبته النفقات والحروب، فقال: «المال كثير، والعهد أقرب من هذا» . وقال للزبير: «دونك هذا» . فمسه الزبير بشيء من العذاب، فدلهم على المال.
-
وفي كتاب «الهدي» ما هو نفس كلام شيخنا أن في هذا الخبر دليلا على الاستدلال بالقرائن على صحة الدعوى وفسادها) [الفروع ٦/ ٤٧٩ - ٤٨٠ (١١/ ١٩٥ - ١٩٧) ] (١) .
- (١)«الفتاوى» (٣٥/ ٣٨٩ - ٤٠٧)، وانظر: (١٤/ ٤٨٤ - ٤٨٧).