مسألة: (ثم قد حل له كل شيء إلا النساء)
36 paragraphs · vol. 6, p. 264
- vol. 6, p. 264
لا يختلف المذهب أنه إذا رمى الجمرة ونحر وحلق أو قصَّر فقد حلّ له اللباس والطيب والصيد وعقد النكاح، ولا يحلُّ له النساء، وهذا يسمّى التحلل الأول، وذلك لما روي عن ابن عباس قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إذا رميتم الجمرة فقد حلّ لكم كل شيء إلا النساء» ، فقال رجل: والطيب؟ فقال
vol. 6, p. 265ابن عباس: «أما أنا فرأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يُضمِّخ رأسه بالمسك، أفطيبٌ ذلك أم لا؟» . هكذا رواه أحمد (١) ، واحتجّ به في رواية ابنه عبد الله، قال ابن عباس: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إذا رميتم الجمرة فقد حلَّ لكم كل شيء إلا النساء» وساق الحديث. وكذلك رواه أبو بكر في «الشافي» من حديث أحمد ومحمد بن إسماعيل الترمذي عن وكيع، قثنا سفيان، عن سلمة، عن الحسن العُرَني.
-
ورواه النسائي (٢) من حديث يحيى بن سعيد، وابن ماجه (٣) من رواية ابن أبي شيبة (٤) [ق ٣٥١] والطنافسي عن وكيع، ومن رواية محمد بن خلّاد الباهلي عن يحيى ووكيع (٥) وابن مهدي، ثلاثتهم عن سفيان عن سلمة عن الحسن عن ابن عباس قال: «إذا رميتم الجمرة فقد حلَّ لكم كل شيء إلا النساء» . جعلوا أوله موقوفًا على ابن عباس، وكذلك (٦) قيل إنه في «المسند» (٧) .
-
وعن الحجاج بن أرطاة عن الزهري عن عمرة بنت عبد الرحمن عن عائشة قالت: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إذا رميتم وحلقتم فقد حلَّ لكم الطيب
vol. 6, p. 266والثياب وكل شيء إلا النساء». رواه أحمد والد [ارقطني] (١) ، وأبو داود (٢) ولفظه: «إذا رمى أحدكم جمرةَ العقبة فقد حلَّ له كل شيء إلا النساء» . وقال: هذا حديث ضعيف، الحجَّاج لم ير الزهري ولم يسمع منه.
-
وعن عائشة قالت: «كنت أُطيِّب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لإحرامه قبل أن يُحرم، ولحلِّه قبل أن يطوف بالبيت» . متفق عليه (٣) ، ولفظ مسلم وغيره (٤) : «ويوم النحر قبل أن يطوف بالبيت بطيبٍ فيه مسك» .
-
وفي رواية للنسائي (٥) : «ولحلِّه بعد ما رمى (٦) جمرة العقبة قبل أن يطوف بالبيت».
-
فإذا ثبت بهذه السنة حِلُّ الطيب، وهو من مقدمات النكاح ودواعيه،
vol. 6, p. 267فعقد النكاح أولى؛ ولأن الله سبحانه قال: {وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا} [المائدة: ٢] ، ولم يقيِّده بالحلّ من جميع المحظورات، بل هو مطلق ونكرة في سياق الشرط، فيدخل فيه كلّ حِلٍّ، سواءٌ كان حِلًّا من جميع المحظورات، أم من أكثرها، أم من بعضها.
وقال في الآية الأخرى: {وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا} [المائدة: ٩٦] ، وإذا رمى الجمرة فليس بحرام؛ ولذلك قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لا يَنكِح المحرم ولا يُنكِح» ، وبعد الجمرة ليس بمحرم؛ بدليل أنه إذا نذر ... (١) .
-
وفي المحرَّم من النساء روايتان:
إحداهما: يحرم عليه جميع وجوه الاستمتاع من الوطء والمس والقبلة وغير ذلك، وعلى هذا فيحرم عليه ... (٢) ، وهذا اختيار عامة أصحابنا؛ مثل الخرقي (٣) وأبي بكر وابن حامد والقاضي (٤) وأصحابه.
-
والرواية الثانية: قال في رواية أبي طالب (٥) وقد سأله عن القبلة بعد رمي جمرة العقبة (٦) قبل أن يزور البيت؟ فقال: ليس عليه شيء، قد حلَّ له كل شيء إلا النساء.
- vol. 6, p. 268
فمن أصحابنا من قال: هذا يدل على أنه يباح له كل شيء إلا الوطء في الفرج؛ لأنه أباح له القبلة، وحكوا هذه الرواية لذلك.
-
ومنهم من قال: ظاهر هذا أنه أباح له القبلة بعد التحلل الأول.
وقال القاضي: عندي أن قوله: «ليس عليه شيء» أي ليس عليه دم، لا أنها مباحة، وهذا من القاضي يقتضي أنها محرمة ولا دم فيها.
- فصل
- فيما يحصل به التحلل الأول، وفيه روايتان منصوصتان:
-
إحداهما: يحصل بمجرد الرمي، فلو لبس قبل الحلق أو تطيَّب أو قتل الصيد لم يكن عليه شيء، قال في رواية عبد الله (١) وأبي الحارث (٢) : حجه فاسد إذا وطئ قبل أن يرمي، وإن كان قد وقف بعرفة؛ لأن الإحرام قائم عليه، فإذا رمى الجمرة انتقض بعض إحرامه وحلَّ له كل شيء إلا النساء.
-
وقال في رواية ابن منصور (٣) وقد سئل عن المحرم يغسل رأسه قبل أن يحلقه (٤) ، فقال: إذا رمى الجمرة فقد انتقض إحرامه إن شاء غسله.
-
لأن في حديث ابن عباس: «إذا رميتم الجمرةَ فقد حلَّ لكم كل شيء» ، وكذلك في حديث عائشة من رواية أبي داود (٥) .
- vol. 6, p. 269
والثانية: بالرمي والحلاق، قال القاضي (١) : وهي أصح الروايتين. قال في رواية المرُّوذي: ابدأْ بشِقِّ رأسك الأيمن وأنت متوجه إلى الكعبة، وقل: اللهم هذه ناصيتي بيدك، اجعلْ لي بكل شعرةٍ نورًا يوم القيامة، اللهم باركْ لي في نفسي وتقبَّلْ عملي. وخذ من شاربك وأظفارك، ثم قد حلَّ من كل شيء إلا النساء. والمرأة تقصِّر من شعرها، وتقول مثل ذلك.
وقد نصَّ في مواضع كثيرة (٢) على أن المعتمر ما لم يحلق أو يقصِّرْ فهو محرم؛ لأن في حديث عائشة: «إذا رميتم وحلقتم» ، وهذه زيادة ... (٣) .
- واختلف أصحابنا في مأخذ هذا الاختلاف على طرق:
-
فقال القاضي في «المجرد» وأبو الخطاب وجماعات من أصحابنا (٤) : هذا مبني على أن الحلق هل هو نسك أو إطلاق (٥) من محظور، وخرَّجوا في ذلك روايتين، إحداهما: أنه إطلاق من محظور بمنزلة تقليم الأظفار، وأخذ الشارب، ولبس الثياب والطيب، لأنه محظور في حال الإحرام، فكان في وقته إطلاق محظورٍ كسائر المحظورات من اللبس والطيب، ولأنه لو كان نسكًا من أعمال الحج لم يجب بفعله حالَ الإحرام دمٌ كسائر المناسك
vol. 6, p. 270من الطوافَين والوقوفَين والرمي. وسبب هذا: أن الحلق هو من جملة إلقاء التَّفَث، وإزالة الشعث والغبار، ونوع من الترفُّه، وذلك بالمباحات أشبه منه بالعبادات. وأصحاب هذا [ق ٣٥٢] القول ربما استحبُّوا الحلاق من حيث هو نظافة للطواف كما يستحب الحلق والتقليم والاغتسال، لا لأمر يختص النسك، وعلى هذا القول لا فرق بين حلق الرأس وحلق العانة.
-
واعلم أن هذا القول غلطٌ على المذهب، ليس عن أحمد ما يدل على هذا، بل كلامه كله دليل على أن الحلق من المناسك، وإنما توهَّم ذلك من توهمه حيث لم يُوقِف التحلُّل عليه، أو حيث لم يقيِّد (١) النسك بالوطء قبله، وهذه الأحكام لها مأخذ آخر. ثم هو خطأ في الشريعة كما سنذكره (٢) .
-
الطريقة الثانية: أن الحلق أو التقصير نُسكٌ يُثاب على فعله ويُعاقَب على تركه من غير تردُّد؛ لكن هل يتوقف التحلل الأول عليه؟ على روايتين، فإن قيل: يتوقف التحلل عليه فهو كالرمي والسلام في الصلاة، وإن لم يتوقف التحلل عليه فهو كالمبيت بمنى، وكرمي الجمار أيام منى، وكسجود السهو بعد الصلاة. وهذه طريقة القاضي في «خلافه» (٣) وطريقة ... (٤) .
وهذه الطريقة أجود من التي قبلها؛ لأن الرواية إنما اختلفت عن أحمد في وجوب الدم على من وطئ في العمرة قبل الحلاق، ولم يختلف عنه أنه مُسيءٌ بذلك، واختلف عنه ... (٥) .
- vol. 6, p. 271
الطريقة الثالثة: أنه نسكٌ مؤكَّد، وتاركه مسيء بغير تردُّد؛ لكن هل هو واجب بحيث إذا فات بفساد العبادة يجب عليه دم أو يعاقب على تركه؟ على روايتين. وإذا قلنا: هو واجب فهل يتحلَّل بدونه؟ على روايتين.
وهذه الطريقة أجود الطرق، وهي مقتضى ما سلكه المتقدمون من أصحابنا، ولا يختلف أصحابنا في اختيار كونه نُسكًا، وذلك لأن الله سبحانه قال: {ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ} [الحج: ٢٩] ، وهذه اللام لام الأمر على قراءة ... (١) .
-
وأيضًا فإنه سبحانه قال: {لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ} [الفتح: ٢٧] ، فجعل الحلق والتقصير شعار النسك وعلامته، وعبَّر عن النسك بالحلق والتقصير، وذلك يقتضي كونه جزءا منه وبعضًا له لوجوه:
أحدها: أن العبادة إذا سُمِّيت بما يُفعل فيها دلَّ على أنه واجب فيها، كقوله: {وَقُرْآنَ الْفَجْرِ} [الإسراء: ٧٨] ، وقوله: {قُمِ اللَّيْلَ} [المزمل: ٢] ، و {إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ} [المزمل: ٢٠] ، {وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ} [آل عمران: ٤٣] ، {وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ} [الحجر: ٩٨] ، {وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ} [طه: ١٣٠] . ويقال: صليتُ ركعتين وسجدتين. وكذلك في الأعيان يعبَّر عن الشيء ببعض أجزائه، كما قال: {فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ} [النساء: ٩٢] ، ويقال: عنده عشرة رؤوس وعشرُ رقابٍ.
- vol. 6, p. 272
الثاني: أن الحلق والتقصير إذا كان من لوازم النسك، وهو أمر ظاهر باقٍ أثره في الناسك (١) ، كان وجود النسك وجودًا له، فجاز أن يقصد النسك بلفظه للزومه إياه، أما إذا وُجد معه تارةً وفارقه أخرى بحسب اختيار الإنسان، كان بمنزلة الركوب والمشي، لا يحسُن التعبيرُ به عنه ولا يُفهَم منه.
الثالث: ... (٢) .
-
ويُشبِه ــ والله أعلم ــ إنما ذُكِر الحلاق والتقصير دون الطواف والسعي؛ لأنهما صفتان لبدن الإنسان ينتقلان بانتقاله.
-
والمراد بالدخول الكونُ؛ فكأنه قال: لتكونُنَّ بالمسجد الحرام ولتمكَّنُنَّ (٣) به حالقين ومقصِّرين، وفيه أيضًا تنبيه على تمام النسك؛ لأن الحلق والتقصير إنما يكون بعد التمام؛ لئلا يخافوا أن يُصَدُّوا عن إتمام العمرة كما صُدُّوا عن إتمامها عامَ أول.
-
وأيضًا فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - حلق هو وجميع أصحابه، وهو من الأعمال التي تناقلتها الأمة خلفًا عن سلفٍ قولًا وفعلًا، فلو لم يكن ذلك عبادةً ونسكًا لله وطاعةً لم يحافظوا عليه هذه المحافظة.
وأيضًا فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - دعا ... (٤) .
- vol. 6, p. 273
وأيضًا فإن الحلق أمر لا يُشرع في غير الحج (١) ، بل هو إما مكروه أو مباح، وكل أمر شُرِع في الحج ولم يُشرَع في غيره فإنه يكون نسكًا، كالرمي والسعي والوقوف، وعكسه التقليم ونتف الإبط ولبس الثياب، فإنه مشروع قبل الإحرام، ففِعلُه عودٌ (٢) إلى الحال الأولى. أما حلق الرأس فإنه لا يُشرع قبل الإحرام بحال.
وأيضًا فحلق الرأس ليس من النظافة المأمور بها كالتقليم وأخذ الشارب، ولا الزينة المندوب إليها كلبس الثياب، فلو لم يكن نُسكًا لكان عبثًا محضًا؛ إذ لا فائدة فيه أصلًا ... (٣) .
-
وأيضًا فإنه لو كان المقصود إزالة وسخ لما اكتفى بمجرد التقصير، فالاكتفاء به دليل على أن المقصود وضع شيء من شعره لله تعالى.
- وأيضًا فإن الحلق يجمع صفاتٍ:
-
منها: أنه تحلُّلٌ من الإحرام؛ لأنه كان محظورًا قبل [ق ٣٥٣] هذا، والتحللُّ من العبادة عبادة كالسلام.
-
ومنها: أن وضع النواصي نوع من الذل والخضوع؛ ولهذا كانت العرب إذا أرادت المنَّ على الأسير جزَّتْ ناصيتَه وأرسلتْه، وأعمال الحج مبناها على الخضوع والذل.
-
ومنها (٤) : أنه مخالفة للعادة وخروجٌ عنها، فشابَه أعمالَ الحج من
vol. 6, p. 274التجرُّد والرمي.
-
ومنها: أنه إلقاءٌ لكسوة الرأس ولباسِه كإلقاء المحرم لباسَه المعتاد.
-
ومنها: أنه قد يكون فيه ترفُّهٌ بإلقاء وسخ الرأس وشَعَثِه وقَمْلِه، لكن هذا القدر يمكن إزالته بالترجُّل، فلو فُرض أنه من نوع (١) المباحات ببعض صفاته لم يمنع أن يكون من نوع العبادات بباقي الصفات.
-
فصل
فإن كان معه هدي، وقلنا: يتحلَّل بالرمي، فلا كلام. وإن قلنا: لا يتحلَّل إلا بالحلق، قال القاضي وأصحابه مثل أبي الخطاب وابن عقيل: يحصل التحلل الأول بالرمي والحلق، أو بالرمي والطواف، أو بالطواف والحلق على قولنا بأن التحلُّل (٢) نسك واجب.
-
وعلى قولنا: يحصل التحلُّل بدونه، يحصل إما بالرمي أو بالطواف (٣) .