مسألة: (أركان الحج: الوقوف بعرفة، وطواف الزيارة)

110 paragraphs · vol. 6, p. 301

Page 1 of 3

  1. وجملة ذلك: أن أركان الحج هي أبعاضه وأجزاؤه التي لا يتمُّ إلا بها، فمن أخلَّ ببعضها لم يصحَّ حجُّه، سواء تركها لعذر أو غير عذر، بل لا بدَّ من فعلِها، بخلاف أركان الصلاة، فإنها تجب مع القدرة وتسقط مع العجز. وسبب الفرق: أنه متى عجز عن أركان الحج أمكنه الاستنابةُ فيما عجَزَ عنه في حياته أو بعد موته، بخلاف الصلاة المكتوبة فإنه لا نيابة فيها.

    vol. 6, p. 301
  2. وفي هذه الجملة فصول:

    أحدها

    أن الوقوف بعرفة لا يتمُّ الحج إلا به، والأصل فيه الكتاب والسنة والإجماع.

  3. أما الكتاب فقوله سبحانه: {فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ} [البقرة: ١٩٨] . وكلمة «إذا» لا تُستعمل إلا في الأفعال التي لا بدَّ من وجودها، كقولهم: إذا احمرَّ البُسْرُ (٢) فأْتِني، ولا يقال: إن احمرَّ البسر؛ وذلك لأنها في الأصل ظرف لما يُستقبل من الأفعال، وتتضمن الشرط في الغالب، فإذا جُوزِيَ بها كان معناه إيقاع الجزاء في

    vol. 6, p. 302الزمن الذي أضفتَ (١) إليه الفعل، فلا بدَّ من أن يكون الفعل موجودًا في ذلك الزمان، وإلا خرجت عن أن تكون ظرفًا.

  4. ومعلوم أن الإفاضة من عرفات من أفعال العباد، فالإخبار عن وجودها يكون أمرًا حَتْمًا بإيجادها، نحو أن يترك بعض الناس وكلهم (٢) الإفاضة، وصار هذا بمنزلة: إذا صلّيتَ الظهر فافعلْ كذا.

  5. وقوله: {ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ} الآية [البقرة: ١٩٩] ، قالت عائشة: كانت قريش ومن دانَ دِينَها يقفون بالمزدلفة، وكانوا يُسمَّون الحُمْسَ، وكان سائر العرب يقفون بعرفة، فلما جاء الإسلام أمر الله نبيَّه أن يأتي عرفات فيقفَ بها، ثم يُفيضَ منها، فذلك قوله: {ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ} (٣) .

  6. وفي لفظ (٤) : «قالت: الحُمْسُ هم الذين أنزل الله فيهم: {ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ} . قالت: كان الناس يُفيضون من عرفات، وكان الحُمْسُ يُفيضون من المزدلفة، يقولون: لا نُفيض إلا من الحرم، فلما نزلت: {أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ} رجعوا إلى عرفات» . متفق عليه.

  7. وعن جُبير بن مُطعِم قال: أَضللتُ بعيرًا لي، فذهبت أطلبه يوم عرفة،

    vol. 6, p. 303فرأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - واقفًا مع الناس بعرفة، فقلت: والله إن هذا لمن الحُمْس، فما شأنُه هاهنا؟ وكانت قريش تُعدُّ من الحُمْس. متفق عليه (١) .

  8. وعن جابر قال: كانت العرب يَدفع بهم أبو سيَّارة على حمارٍ عُرْيٍ، فلما أجاز رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من المزدلفة بالمشعر الحرام لم يشكَّ قريش أنه سيقتصرُ عليه، ويكون منزلُه ثَمَّ، فأجاز ولم يَعْرِضْ [له] ، حتى أتى عرفاتٍ فنزل. رواه مسلم (٢) .

  9. فإن قيل: كيف قيل: {ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ} ــ والإفاضة من عرفات ــ بعد قوله تعالى: {فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ} ؟

  10. قيل: قد قيل: إنه لترتيب الأخبار، ومعناه أن الله يأمركم إذا أفضتم من عرفاتٍ أن تذكروا (٣) عند المشعر الحرام، ثم يأمركم أن تُفيضوا من حيث أفاض الناس. وترتيب الأمر لا يقتضي ترتيبَ الفعل المأمور به، وإنما أُمِر بهذا بعد هذا لأن الأول أمرٌ لجميع الحجيج، والثاني أمرٌ للحُمْس خاصةً.

    ويقال: إنه معطوف على قوله: {فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ} إلى قوله: {وَتَزَوَّدُوا ... } (٤) {وَاتَّقُونِ ... } {ثُمَّ أَفِيضُوا} ، ويكون معناه: فمن فرض الحج فلا يرفث ولا يفسُقُ، ثم بعدَ

    vol. 6, p. 304فرضِ الحج يُفيض من حيث أفاض الناس، ويكون الكلام في بيان المحظورات والمفروضات.

  11. فإن قيل: لم ذُكِر لفظُ الإفاضة دون الوقوف؟

  12. قيل: لأنه لو قال: ثم قِفُوا حيث وقف الناس لظنّ ظانٌّ (١) أن الوقوف بعرفة يُجزئ في كل وقتٍ بحيث يجوز تقديمه، وأما الإفاضة فإنها الدفع بعد تمام الوقوف، [ق ٣٦٠] وقد علموا أن وقت الدفع هو آخر يوم عرفة، فإذا أُمِروا بالإفاضة منها عُلِم أنه يجب أن يقفوا بها إلى وقت الإفاضة، وأنها غاية السير الذي ينتهي إليه الحاج، فلا يُتجاوز ولا يُقصَّر عنها؛ لأن المقصِّر والمتجاوز (٢) لا يُفيضانِ منها.

  13. وأما السنة فما روى سفيان وشعبة عن بُكَير بن عطاء الليثي عن عبد الرحمن بن يَعْمَر الدِّيلي: أن ناسًا من أهل نجد أَتَوا رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - وهو واقف بعرفة، فسألوه، فأمر مناديًا فنادى: «الحج عرفة، من جاء ليلةَ جَمْعٍ قبل طلوع الفجر فقد أدرك الحج، أيامُ منًى ثلاثة، فمن تعجَّل في يومين فلا إثم عليه، ومن تأخَّر فلا إثم عليه» ، وأردف رجلًا خلفه يُنادي بهن. رواه الخمسة (٣) . قال ابن عيينة: هذا أجود حديث رواه الثوري (٤) .

  14. وفي رواية لسعيد (١) : «من جاء ليلةَ جَمْعٍ قبل صلاة الصبح فقد تمَّ حجُّه» .

    vol. 6, p. 305
  15. وفي رواية له (٢) : «فمن أدرك ليلةَ جَمْعٍ قبل صلاة الصبح فقد تم حجُّه» (٣) .

  16. وعن عروة بن مضرِّس بن أوس بن حارثة بن لَأْمٍ الطائي قال: أتيتُ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - بالمزدلفة حين خرج إلى الصلاة، فقلت: يا رسول الله، إني جئتُ من جبل طيِّئ، أكللتُ راحلتي وأتعبتُ نفسي، والله ما تركتُ من جبلٍ إلا وقفتُ عليه، فهل لي من حج؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «من شهِدَ صلاتَنا هذه، ووقفَ معنا حتى نَدفع، وقد وقف بعرفة قبل ذلك ليلًا أو نهارًا= فقد تمَّ حجُّه، وقَضَى تَفَثَه» . رواه الخمسة (٤) ، وقال الترمذي: حديث حسن صحيح.

  17. وفي رواية لأحمد صحيحة (١) : «من شهدَ صلاتنا هذه ووقف بعرفات» .

    vol. 6, p. 306
  18. وفي رواية صحيحة لسعيد (٢) : «من وقفَ معنا هذا الموقفَ، وشهِدَ معنا هذه الصلاة ــ يعني صلاةَ الفجر ــ، [و] (٣) أفاض قبل ذلك من عرفات ليلًا أو نهارًا= فقد تمَّ حجُّه، وقضى تَفَثَه».

  19. وفي رواية له (٤) : «أَفْرِخْ (٥) رَوْعَك، من أدركَ إفاضتَنا هذه فقد أدرك الحجَّ».

  20. وأما الإجماع .. (٦) .

  21. فصل

    وللوقوف بعرفة مكان وزمان. فأما حدود عرفات فقد تقدم (٧) ، وأما زمان الوقوف فاليوم التاسع من ذي الحجة، وهو يوم عرفة، وليلة العاشر من ذي الحجة إلى طلوع الفجر، وتسمَّى ليلة جَمْعٍ، و (٨) ليلة المزدلفة، وليلة النحر، وليلة عرفة. فمن طلع الفجرُ ولم يقفْ في شيء من عرفة فقد فاته الحج؛ لأن

    vol. 6, p. 307الله قال: {فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ} . و «إذا» كلمة توقيتٍ وتحديدٍ، فأشْعَر ذلك بأن الإفاضة لها وقت محدود، إلا أن يقال: ... (١) ، ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «الحج عرفةُ، مَن جاء ليلةَ جمْعٍ قبل طلوع الفجر فقد أدرك الحج» (٢) ، وهذا ذكره في معرض تحديد وقت الوقوف، فعُلِم أن من جاءها ليلًا فقد أدرك الحج، ومن لم يُوافِها حتى طلع الفجر فقد فاته الحج.

  22. وكذلك قوله - صلى الله عليه وسلم -: «من شهِدَ صلاتنا هذه، ووقفَ معنا حتى نَدفع، وقد وقفَ قبل ذلك بعرفة ليلًا أو نهارًا» . والصلاة بالمزدلفة هي أول ما يَبزُغ الفجر، فعُلِم أن وقت الوقوف قبل ميقات تلك الصلاة ليلًا أو نهارًا، وإنما يكون هذا قبل طلوع الفجر يوم النحر. وهذا مما أُجمِع عليه.

  23. وعن نافع عن ابن عمر أنه كان يقول: من لم يقف بعرفةَ ليلةَ جَمْعٍ قبل أن يطلع الفجر فقد فاته الحج، ومن وقف بعرفة من ليلة المزدلفة قبل أن يطلع الفجر فقد أدرك الحج. رواه مالك (٣) عن نافع عنه.

  24. ومن لم يُوافِ عرفةَ إلا ليلًا أجزأه الوقوف، ولو لحظةً في بعض جوانبها؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «من جاء ليلة جَمْعٍ قبل طلوع الفجر فقد أدرك» ، وقوله: «وقف بعرفة قبل ذلك ليلًا أو نهارًا» .

  25. ولا دم عليه؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - ذكر أنه يدرك الحج، وأنه قد تمَّ حجه وقضى تفثَه، ولم يذكر أن عليه دمًا. وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز، لاسيما في حكم عظيمٍ أردفَ خلفه من ينادي به في الناس في حجة الوداع.

  26. ومن وافاها نهارًا فإنه يجب عليه أن يقف إلى الليل كما سيأتي، لكن لو لم يقف إلى الليل إما بأن يدفع منها، أو يَعرِضَ ما يمنع صحة الوقوف من إغماءٍ أو موتٍ، فإنه يُجزئه إن وقف بعد الزوال.

    vol. 6, p. 308
  27. وأما إن وقف قبل الزوال ففيه روايتان:

    إحداهما: يجزئه الوقوف في أية ساعةٍ كان من يوم عرفة وليلتها، من طلوع فجر يومها إلى طلوع فجر يوم النحر. قال إسحاق بن منصور (١) : قال أحمد: إذا كان مريضًا أهلَّ من الميقات، ثم أُغمِي عليه بعرفات، فلم يُفِقْ (٢) حتى أصبح، فلا حجَّ له. فإن أفاق ولو ساعةً إلى أن يطلع الفجر من ليلٍ أو نهارٍ فقد تمَّ حجه، ويُرمَى عنه. قلت لأحمد: إذا عَقلَ عند الميقات فأهلَّ [ثم أفاق] بعرفة ساعةً؟ قال: قد أجزأ عنه.

    وقال حنبل (٣) : سمعت [ق ٣٦١] أبا عبد الله يقول: كل من وقف بعرفة من ليلٍ أو نهارٍ ولو ساعةً، فقد تمَّ حجُّه.

  28. وهذا قول أكثر أصحابنا، مثل أبي بكر وابن أبي موسى (٤) وابن حامد والقاضي (٥) وأصحابه، قالوا: لو وقف بعرفة يوم عرفة قبل الزوال، ونَفَرَ منها قبل الزوال= أساء، وحجُّه تامّ، وعليه دم.

  29. والثانية: لا يجزئه إلا بعد الزوال، وهو قول ابن بطّة وأبي حفص العُكْبَريَّين (١) . فمن لم يقفْ ــ عندهم ــ بعد الزوال فحجه باطل. قال أحمد في رواية عبد الله (٢) وأبي الحارث، وقد سئل عن الذي يَشْرُد به (٣) بعيرُه بعرفة، فقال: كلُّ من وطئ عرفةَ بليلٍ أو نهارٍ بعد أن يقف الناس بها (٤) ، فقد تمَّ حجُّه إذا أتى ما يجب عليه. ويدخل على قول من قال: «يجزئه حجُّه إذا أُغمي عليه بعرفة» لو أن رجلًا أُغمي عليه في أول يوم من شهر رمضان حتى انسلخ عنه، فلم يأكل ولم يشرب= أنه يُجزِئه صوم رمضان، ولا يقضي شيئًا من الصلاة.

    vol. 6, p. 309
  30. فقد قيَّد الوقوفَ المُجزِئ أن يكون بعدَ وقوف الناس بها، وأولُ وقت وقوفِ الناس زوالُ (٥) الشمس؛ وذلك لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - إنما وقف بعد الزوال، وهذه السنة الموروثة (٦) عنه المنقولة نقلًا عامًّا، فلو كان قبل الزوال وقت وقوفٍ لوقفَ فيه، ولم ينزل بنَمِرةَ، وهي خارجة عن المعرَّف، إذ المسارعة إلى العبادة أولى من التأخير.

  31. ولأن مواقيت العبادات إنما تُتلقَّى من فعله - صلى الله عليه وسلم - أو قوله (٧) . وإنما وقف

    vol. 6, p. 310بعد الزوال، كما رمى جمار أيام منى بعد الزوال، وكما صلّى الظهر وغيرها من العبادات في مواقيتها. والعبادةُ المفعولة قبل وقتها لا تصحُّ بخلاف المفعولة بعد وقتها.

  32. وفي حديث ابن عمر المتقدم: «إذا كان عشية عرفة باهَى الله بالحاجّ» (١) ، فمن لم يقف إلى العشية لم يُباهِ الله به، فلا يكون من الحاجّ.

  33. ولأن الرمي المشروع بعد الزوال لا يجوز تقديمه على وقته، وإن جاز التأخير عنه، فالوقوف أولى وأحرى.

  34. ولأن الوقوف عبادة مشروعة عشيةَ اليوم، فلا يجوز فعلُها قبل الزوال كالظهر والعصر، وهذا لأن ما بين زوال الشمس إلى طلوع الفجر مواقيتُ الصلوات المكتوبات، فجاز أن يجعلها الله ميقاتًا للمناسك التي هي من جنس الصلاة، بخلاف صدر النهار.

  35. ووجهُ الأول قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «من شهِدَ صلاتَنا هذه، ووقفَ معنا حتى ندفع، وقد وقفَ قبل ذلك بعرفة ليلًا أو نهارًا= فقد تمَّ حجُّه، وقضى تَفَثَه» (٢) . فعلَّق تمامَ الحج (٣) وقضاءَ التَّفَث بالصلاة والوقوفِ (٤) بمزدلفة، وبأن يقفَ قبل ذلك بعرفة ليلًا أو نهارًا، فمن وقف بعرفة قبل الزوال، وأفاض إلى جَمْعٍ فوقف بها مع الإمام= فقد دخل في عموم

    vol. 6, p. 311الحديث. ولو كان وقتُ الإجزاء بعد الزوال لقال: ووقفَ بعرفةَ قبل ذلك ليلًا أو نهارًا بعد الزوال.

  36. فإن قيل: إنما معناه: بعرفةَ قبل ذلك ليلًا فقط، أو نهارًا إلى الليل؛ لأن المخاطبين قد علموا أن من وقف نهارًا وصل الوقوفَ إلى الليل، والشك إنما كان فيمن لم يُدركها إلا ليلًا، فخرج كلامه لبيان ما أشكل، بدليل أن الوقوف إلى آخر النهار واجب، وتَرْكه مُوجِب للدم، والنبي - صلى الله عليه وسلم - ذكر أنه قد تمَّ حجُّه وقضى تَفَثَه، ولم يذكر دمًا، ومن يكون قد ترك واجبًا لا يكون حجُّه تامًّا إلا بإخراج الدم.

  37. قيل: أولًا هذا السؤال إنما يصح ممن يقول: إن الوقوف بالليل ركن كما قال مالك. ولا يختلف المذهب أن من دفع قبل غروب الشمس صحّ حجُّه، لكن عليه دم كما سيأتي بيانه إن شاء الله.

  38. ويُبيِّن (١) ضعفَ هذا أنه على هذا التقدير يكون الوقت المعتبر هو الليل فقط، فكان يكفي أن يقال: ووقف بعرفة قبل ذلك في شيء من الليل، فلما قال: «ووقف بعرفة ليلًا أو نهارًا» عُلِم أن كلًّا منهما وقتٌ للوقوف على انفراد، وحجُّ من وقفَ في أحدهما تامٌّ، وتَفَثُه مقضيٌّ، نعم قد يجب عليه دم في بعض الأوقات، وليس كلُّ من لم يُدرِك آخر النهار عليه دم، كما سيأتي.

  39. وأيضًا فقوله في بعض الروايات: «أفاض قبل ذلك من عرفاتٍ ليلًا أو نهارًا فقد تمَّ حجُّه» يُبطِل هذا التأويل؛ لأن من أفاض نهارًا لم يقف إلى

    vol. 6, p. 312الليل ... (١) .

  40. وأما الإجماع، فقال أبو عبد الله في رواية عبد الله (٢) وأبي الحارث: قوله: «الحج عرفة» على السلامة، فإذا هو عمِلَ ما يعمل الناس من طواف يوم النحر فهو الطواف الواجب؛ لأنه لم يختلف الناس فيما (٣) علمنا أنه من لم يطفْ يوم النحر أنه يرجع حتى يطوف، ولو كان قد أتى أهله. وذلك يُشبِه (٤) قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «من أدرك من الصلاة ركعةً فقد أدركها» (٥) . فإذا أدرك ركعةً أفليس عليه أن يأتي بها على كمالها؟ [ق ٣٦٢] وما أفسدَ آخرَها أفسدَ أولَها، وإنما ذلك على كمالها. وكذلك الواقف بعرفة ما لم يأتِ برمي الجمار وهذه الأشياء، فحجه فاسد إذا وطئ قبل رمي الجمار، وإن كان قد وقف بعرفة؛ لأن الإحرام قائم عليه، وإذا رمى الجمار فقد انتقض إحرامه، وحلَّ له كل شيء إلا النساء.