مسألة: (أركان الحج: الوقوف بعرفة، وطواف الزيارة)
110 paragraphs · vol. 6, p. 301
Page 2 of 3
- vol. 6, p. 312
فصل
ويُشترط لصحة كل طواف في الحج والعمرة، وفي غير حج وعمرة، عشرةُ أشياء:
vol. 6, p. 313أحدها: النية، وهي أن يقصد الطواف بالبيت، فلو دار حول البيت طالبًا لرجل، أو متروِّحًا بالمشي، ونحو ذلك= لم يكن ذلك طوافًا، كما لو أمسك عن المفطرات ولم يقصد الصوم، أو تجرَّد عن المخيط ولبَّى (١) ولم يقصد الإحرام. وهذا أصل مستقرٌّ في جميع العبادات المقصودة: لا تصحُّ إلا بنية، لقوله سبحانه: {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} [البينة: ٥] ، وهذا لم ينوِ (٢) العبادة.
-
الشرط الثاني: أن يكون طاهرًا من الحدث، فلو كان مُحدِثًا أو جنبًا أو حائضًا لم يجزْ له فعل الطواف (٣) ، رواية واحدة، بل هو حرام عليه، ولا يجوز أن يؤمر به؛ لأن الأمر بالحرام حرام؛ لما روى ابن عباس عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أن النفساء والحائض تغتسل وتُحرِم وتقضي المناسك كلها، غير أن لا تطوف بالبيت. رواه أبو داود والترمذي، وقال: حديث حسن (٤) .
-
وعن القاسم بن محمد بن أبي بكر عن أبيه عن أبي بكر: أنه خرج حاجًّا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ومعه أسماء بنت عُميس، فولدت محمد بن أبي بكر، فأتى أبو بكر النبي - صلى الله عليه وسلم -، فأمره رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يأمرها أن تغتسل، ثم تُهِلَّ بالحج، وتصنعَ ما يصنع الناس إلا أنها لا تطوف بالبيت. رواه النسائي وابن ماجه (٥) .
- vol. 6, p. 314
وعن عائشة أنها قالت: خرجنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا نذكر إلا الحج حتى جئنا سَرِفَ، فطَمِثْتُ، فدخل عليَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأنا أبكي، فقال: «ما يُبكيك؟» فقلت: والله لوددتُ أني لم أكن خرجتُ العام، قال: «ما لكِ لعلك نُفِسْتِ؟» قلت: نعم، قال: «هذا شيء كتبه الله على بنات آدم، فافعلي ما يفعل الحاج، غيرَ أن لا تطوفي بالبيت حتى تطهُري» ، وذكرت الحديث. متفق عليه (١) .
-
وفي رواية لمسلم (٢) : «فاقضي (٣) ما يقضي الحاجُّ، غيرَ أن لا تطوفي بالبيت حتى تغتسلي».
-
وفي رواية لأحمد (٤) عن عائشة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «الحائض تقضي المناسك كلها إلا الطواف» .
-
وهذا متواتر في حديث عائشة: أنها حاضت لما قدمت مكةَ، ومنعها النبي - صلى الله عليه وسلم - من الطواف، وأمرها بالإهلال بالحج، وطافت لما رجعت من عرفات، ثم اعتمرتْ بعد الصَّدَر من منًى.
-
وقد تقدم أيضًا في حديث صفية بنت حُيي أنها حاضت بعدما أفاضت، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «عَقْرى حَلْقَى، إنك لحابستُنا» ثم قال لها: «أكنتِ أفضتِ
vol. 6, p. 315يوم النحر؟ » قالت: نعم، قال: «فانفِري» . ورخَّص للحائض أن تَنفِرَ من غير وداع، ولو كان للحائض سبيل إلى الطواف بجُبران أو غيرِ جُبران لم يحبس النبي - صلى الله عليه وسلم - المسلمين من أجلها، بل أمرها بالطواف وبجبرانه (١) لو كان جائزًا، وكذلك لو كان جائزًا لم يسقط عنها طواف الوداع، بل أمرها به وبجبرانه.
-
وعن عائشة: أن أول شيء بدأ به النبي - صلى الله عليه وسلم - حين قدِمَ أنه توضأ ثم طاف بالبيت. متفق عليه (٢) .
-
وعن طاوس عن رجل قد أدرك النبي - صلى الله عليه وسلم - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «إنما الطواف صلاة، فإذا طفتم فأقِلُّوا الكلام» . رواه أحمد والنسائي (٣) .
-
ورواه الترمذي (٤) عن طاوس عن ابن عباس أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:
vol. 6, p. 316«الطواف حول البيت مثل الصلاة، إلا أنكم تتكلمون فيه، فمن تكلَّم فيه فلا يتكلَّم إلا بخير» . قال: وقد روي عن ابن عباس موقوفًا (١) .
-
فقد جعله صلاةً ومثلَ الصلاة إلا في إباحة النطق، وهذا يقتضي أنه يساوي الصلاة في سائر الأحكام، من الطهارتين والزينة ونحو ذلك، إذ لو فارقها في غير الكلام لوجب استثناؤه، فإن استثناءه (٢) هذه الصورةَ دليلٌ على أنها تدخل في العموم لولا الاستثناء، وإذا دخلت هذه الصورة فدخول سائر الصور أوكدُ.
-
وعلى هذا فالمحدِث يُمنَع منه كما يمنع من الصلاة.
-
وأما الجنب فيُمنَع منه كذلك (٣) ، ولأن الطواف لا يصح إلا في المسجد، والجنب ممنوع من اللُّبث في المسجد، إلا أن هذا المانع يزول عنه إذا توضأ للصلاة. والحائض تُمنَع منه لهذين السببين، إلا إذا انقطع دمها وتوضأت، فإنما تُمنَع منه (٤) لسببٍ واحد على ... (٥) . وفي قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «غيرَ أن لا تطوفي بالبيت حتى تغتسلي» دليلٌ على أنها ممنوعة منه قبل الاغتسال، توضأتْ أو لم تتوضأ، والجُنُب مثلها في هذه الصورة. ولو فُرِض
vol. 6, p. 317أن الجنب والحائض [ق ٣٦٣] يُباح لهما [دخولُ] المسجد، لكن الحائض والجنب (١) يُمنعان منها (٢) كما يمنعان من الاعتكاف.
قال في رواية أبي طالب: «لا يطوف أحد بالبيت إلا طاهرًا (٣) ، والتطوُّع أيسر، ولا يقف مشاهدَ الحج إلا طاهرًا (٤) ».
- فصل
- فإن طاف على غير طهارة، ففيه روايتان:
-
إحداهما: لا يُجزئه بحال، قال في رواية حنبل (٥) : إذا طاف بالبيت طواف الواجب غيرَ طاهرٍ لم يُجزِئْه. وقال في رواية أبي طالب (٦) : إذا طاف مُحدِثًا أو جُنبًا أعاد طوافه. وكذلك نقل الأثرم وابن منصور (٧) .
-
والثانية: يُجزئه في الجملة، قال في رواية ابن الحكم (٨) ــ وقد سأله عن الرجل يطوف للزيارة أو الصَّدَر وهو جنبٌ أو على غير وضوء ــ قلت: إن مالكًا يقول: يعود للحج والعمرة وعليه هديٌ، قال: هذا شديد، قال أبو عبد الله: أرجو أن يجزئه أن يُهريقَ دمًا إن كان جنبًا، أو على غير وضوء
vol. 6, p. 318ناسيًا. والوقوف بعرفة أهونُ من طواف الزيارة، وإن ذكر وهو بمكة أعاد الطواف.
-
وفي لفظ: إذا طاف طواف الزيارة وهو ناسٍ لطهارته حتى يرجع، فإنه لا شيء عليه، واختار له أن يطوف وهو طاهر. وإن وطئ فحجُّه ماضٍ، ولا شيء عليه.
-
فقد نصَّ على أنه يُجزئه إن كان ناسيًا، ويجب عليه أن يعيد إذا ذكر وهو بمكة، فإن استمرَّ به النسيانُ أهراق (١) دمًا وأجزأه.
قال أبو حفص العُكْبَري (٢) : لا يختلف قوله إذا تعمَّد فطاف على غير طهارة لا يُجزئه، واختلف قوله في النسيان على قولين:
أحدهما: أنه معذور بالنسيان.
-
والآخر: لا يجزئه مثل الصلاة.
-
وكذلك قال أبو بكر عبد العزيز في الطواف قولان:
أحدهما: أنه إذا طاف وهو غير طاهر أن الطواف يُجزئ عنه إذا كان ناسيًا، فإذا وطئ بعد الطواف فقد تمَّ حجُّه.
والآخر: لا يُجزئه حتى يكون طاهرًا، فعلى هذا يرجع من أي موضع ذكر حتى يطوف، وبه أقول. وعلى هذا إذا ذكر وهو بمكة بعد أن وطئ ... (٣) .
- vol. 6, p. 319
وذكر القاضي (١) وأصحابه والمتأخرون من أصحابنا المسألة على روايتين، في طواف المحدث مطلقًا.
وقال في رواية الميموني (٢) وقد قال له: من سعى أو طاف الطواف الواجب وهو على غير طهارة، ثم واقعَ أهلَه، فقال لي: [هذه] مسألةٌ الناسُ فيها مختلفون، وذكر قول ابن عمر (٣) ، وما يقول عطاء، وما يُسهِّل فيه، وما يقول الحسن (٤) ، وأمرَ عائشة، فقال لها النبي - صلى الله عليه وسلم - حين حاضت: «افعلي ما يفعل الحاجُّ غيرَ أن لا تطوفي بالبيت» . إلا أن هذا أمرٌ قد كتبه الله، وقد بُلِيتْ به، نزل عليها، ليس من قِبَلِها. قلت: فمن الناس من يقول: عليه الحج، فقال: نعم كذلك أكبر علمي، ومن الناس من يذهب إلى أن عليه دمًا (٥) . قال أبو عبد الله: أولًا وآخرًا هي مسألة فيها شبهة فيها نظر، دَعْني حتى أنظر فيها. ومن الناس من يقول: وإن أتى بلده يرجع حتى يطوف، قلت: والنسيان؟ قال: النسيان أهونُ حكمًا بكثير. يريد: أهون ممن يطوف على غير طهارة متعمدًا (٦) .
-
والرواية الأولى اختيار أصحابنا: أبي بكر، وابن أبي موسى، والقاضي،
vol. 6, p. 320وأصحابه، وقال ابن أبي موسى (١) : إن حاضت (٢) قبل طواف الإفاضة لزِمَ انتظارها حتى تطهر ثم تطوف، وإن حاضت بعدما أفاضت لم يجب انتظارها، وجاز لها أن تَنفِرَ ولم تُودِّع، لحديث صفية المتقدم.
-
والشرط الثالث: أن يكون طاهرًا من الخَبَث، فإن كان حاملًا للنجاسة، أو مُلاقِيَها في بدنه أو ثيابه أو مطافِه، فقال في رواية أبي طالب (٣) : إذا طاف الرجل في ثوب غير طاهر، فإن الحسن كان (٤) يكره أن يفعل ذلك، ولا ينبغي له أن يطوف إلا في ثوب طاهر.
فإن فعلَ ذلك فقد ذكر أصحابنا فيه الروايتين في المحدث. وهذا إذا كان متعمدًا، فأما إن كان ناسيًا وقلنا: تصحُّ صلاته، فالطواف أولى، وإن قلنا: لا تصحُّ صلاته، ففي طوافه روايتان، ويُشترط هاهنا ما يُشترط في الصلاة ... (٥) .
-
الشرط الرابع: السترة، والأصل فيها قوله سبحانه: {يَابَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى} الآيات كلها إلى قوله: {خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ} [الأعراف: ٢٦ - ٣١] . قال ابن عباس: كانت المرأة
vol. 6, p. 321تطوف بالبيت وهي عريانةٌ، فتقول: مَن يُعِيرني تِطْوافًا؟ تجعلُه على فرجها، وتقول:
اليومَ يبدو بعضُه أو كلُّه ... فما بدا منه فلا أُحِلُّه
فنزلت هذه الآية: {خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ} رواه مسلم (١) .
-
ورُوي أيضًا عن هشام بن عروة عن أبيه قال: كانت العرب تطوف بالبيت عُراةً إلا الحُمْسَ ــ والحُمْسُ قريش وما ولدتْ ــ كانوا يطوفون عُراةً، إلا أن يُعطِيهم الحُمْسُ ثيابًا، فيُعطِي الرجالُ الرجالَ والنساءُ النساءَ (٢) .
-
فقد سمَّى الله سبحانه نزْعَ الثياب فتنةً وفاحشة، [ق ٣٦٤] وأمر بأخذ اللباس عند كل مسجد.
-
وعن أبي هريرة: أن أبا بكر الصديق - رضي الله عنه - بعثه في الحجة التي أمَّره [عليها] (٣) رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قبل حجة الوداع، يومَ النحر في رَهْطٍ يُؤذِّن في الناس أن: «لا (٤) يحجَّ بعد العام مشرك، ولا يطوفَ بالبيت عريانٌ» متفق عليه (٥) .
وتُشترط السترة الواجبة في الصلاة حتى سَتْر المنكب ... (٦) ، فإن طاف
vol. 6, p. 322عُريان فقد ذكر أصحابنا فيه الروايتين في المحدث، أشهرهما: أنه لا يُجزئه، والأخرى عليه دم.
-
الشرط الخامس: أن يطوف سبعة أطوافٍ (١) ، فلو نقص طوفًا (٢) أو خطوةً من أطواف (٣) لم يُجزئه، قال في رواية الأثرم (٤) فيمن ترك طَوْفةً من الطواف الواجب: لا يُجزئه حتى يأتي بسبعٍ تامّ، لا بدَّ منه.
-
وقال في رواية ابن منصور (٥) وذكر له قول سفيان: إذا لم يُكمِل سبعةً فهو بمنزلة من لم يطفْ، يكون حرامًا حتى يرجع فيقضي، حجةً كانت أو عمرةً، فقال أحمد: ما أحسنَ ما قال.
-
ونقل عنه أبو طالب (٦) وذُكِر له قول عطاء: إذا طاف أكثر الطواف خمسًا أو ستًّا، فقال: أنا أقول: يُعيد الطواف. قيل له: فإن كان بخراسان؟ قال: يرجع، فإذا بلغ التنعيمَ أهلَّ، ثم طاف، ويُهدِي، مثل قول ابن عباس.
-
وقد نقل عنه الميموني فيمن وطئ وقد بقي عليه شوط: فالدم قليل، ولكن يأتي ببدنةٍ، وأرجو أن يُجزئه، ولم يذكر إعادة الطواف.
- الشرط السادس: الترتيب، هو شيئان:
- vol. 6, p. 323
أحدهما: أن يبتدئ بالحجر الأسود، فإن ابتدأ بما قبله من ناحية الركن اليماني لم يضرَّه الزيادة، وإن ابتدأ بما بعده من ناحية الباب لم يُحتسَبْ له بذلك الشوط.
-
الثاني وهو الشرط السابع: أن يبتدئ بعد الحجر الأسود بناحية الباب، ثم ناحية الحِجْر، ثم ناحية الركن اليماني، فيجعل البيت عن يساره، فلو نكَسَ الطواف، فابتدأ بناحية الركن اليماني، وجعل البيت عن يمينه، لم يُجزِئه.
-
وإن مرَّ على الباب لكن استقبل البيت في طوافه، ومشى على جَنْب ... (١) ، قال في رواية حنبل (٢) : من طاف بالبيت طوافَ الواجب منكوسًا لم يُجزِئه، حتى يأتي به على ما أمر الله وسَنَّه النبي - صلى الله عليه وسلم -، فإن طاف كذلك وانصرف، فعليه أن يأتي به، لا يجزئه.
-
وذلك لأن الله أمر بالطواف، وقد فسَّره النبي - صلى الله عليه وسلم - بفعله، وتلقَّتْه الأمة عنه بالعمل المتواتر، وفعلُه إذا خرج امتثالًا لأمرٍ وتفسيرًا لمجملٍ كان حكمُه حكمَ ذلك الأمر. وقد قال - صلى الله عليه وسلم -: «من عمِلَ عملًا ليس عليه أمرنا فهو ردٌّ» (٣) .
-
الشرط الثامن: الموالاة، وهو أن لا يُطيل قطْعَه، فإن أطال قطْعَه لمكتوبةٍ أُقيمت، أو جنازةٍ حَضَرت، لم يقطعْ موالاته؛ لأنه فرضٌ يُخاف فَوتُه، فأشبهَ خروجَ المعتكف لصلاة الجمعة.
- vol. 6, p. 324
قال في رواية ابن إبراهيم (١) في الرجل يطوف ويرى جنازة: يقطع ويصلِّي عليها، ويَبْني. وسئل عن الرجل يطوف بالبيت فيعيا هل يستريح؟ قال: نعم، قد فعله ابن عمر وابن الزبير، طافا واستراحا (٢) .