مسألة: (أركان الحج: الوقوف بعرفة، وطواف الزيارة)
110 paragraphs · vol. 6, p. 301
Page 3 of 3
- فإن أطال: فذكر ... (٣) فيها روايتين:
-
إحداهما: يبني، قال في رواية ابن منصور (٤) وقد سئل إذا قطع الطوافَ يَبني أو يَستأنف؟ قال: يبني. وقال في رواية حنبل (٥) في رجل طاف ستة أشواطٍ، وصلَّى ركعتين، ثم ذكر بعدُ: يطوف شوطًا ولا يُعِيد، وإن طاف ابتداءً فهو أحوط.
-
والثانية: يستأنف، قال في رواية حرب (٦) في امرأة طافت ثلاثةَ أشواط ثم حاضت: تُقيم حتى تطوف. قيل له: تَبني على طوافها؟ قال: لا, تبتدئ. وقال في رواية أبي طالب (٧) : إذا طاف خمسًا أو ستًّا، ورجع إلى بلده= يعيد الطواف.
قال أبو بكر عبد العزيز (٨) : لو طافت خمسًا ثم حاضتْ بنَتْ، وقيل:
vol. 6, p. 325تبتدئ، وهو اختياري، وهذا هو الذي ذكره ... (١) .
وقال القاضي في «المجرد» وابن عقيل: إنه إن قطعَه لعذرٍ مثل سَبْق الحدث، فعلى الروايات الثلاث، وكذلك النسيان، وإن قطعه لغير عذرٍ وأطال ابتدأ، وإن لم يُطِلْ بنَى.
-
الشرط التاسع: أن يطوف بالبيت جميعِه، فلا يطوف في شيء منه؛ لأن الله قال: {وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ} [الحج: ٢٩] ، فإن اخترق الحِجْرَ في طوافه أو الشَّاذَروانَ (٢) لم يصحَّ.
-
قال أحمد في رواية الأثرم (٣) فيمن طاف في الحِجر فاخترقَه: لا يُجزئه؛ لأن الحِجْر من البيت، فإن كان شوطًا واحدًا أعاد ذلك الشوط، وإن كان كلَّ الطواف أعاده.
-
وكذلك نقل حنبل (٤) فيمن طاف واخترق الحِجْر: لا يُجزِئه، ويُعيد. ونقل حرب كذلك.
-
وذلك (٥) لأن الله أمر بالطواف بالبيت، ومن سلك شيئًا من البيت في طوافه لم يطفْ به كلِّه، وإنما طاف فيه.
vol. 6, p. 326قال ابن عباس: من طاف بالبيت فليطُفْ من وراء الحِجْر، فإن الله يقول: [ق ٣٦٥] {وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ} [الحج: ٢٩] ، وقد طاف النبي - صلى الله عليه وسلم - من وراء الحِجْر. رواه الأثرم (١) .
-
وعن عمر قال: لو أن الحِجْر لم يكن من البيت لما طِيْفَ به (٢) .
-
وعن عائشة قالت: الحِجْر من البيت (٣) .
-
وعن الزهري قال: سمعت بعض علمائنا يقول: إنما حُجِر الحِجْرُ فطاف الناس من ورائه إرادةَ أن يستوعب الناسُ الطوافَ بالبيت (٤) . رواهن أحمد.
-
والأصل في ذلك: ما روى سالم بن عبد الله أن عبد الله بن محمد بن أبي بكر أخبر عبد الله بن عمر عن عائشة زوج النبي - صلى الله عليه وسلم - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال لها: «ألم تَرَيْ أن قومكِ حين بَنَوا الكعبةَ اقتصروا على (٥) قواعد إبراهيم»، فقلت: يا رسول الله، أفلا تردُّها على قواعد إبراهيم؟ قال: «لولا
vol. 6, p. 327حِدثانُ قومكِ بالكفر لفعلتُ». قال عبد الله: لئن (١) كانت عائشة سمعتْ هذا من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما أرى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ترك استلام الركنين اللذين يليان الحِجْرَ إلا أن البيت لم يُتمَّم (٢) على قواعد إبراهيم (٣) .
-
وفي رواية (٤) : قالت (٥) : سمعتُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «لولا أن قومكِ حديثو عهدٍ بجاهلية ــ أو قال: بكفرٍ ــ لأنفقتُ كنز الكعبة في سبيل الله، ولجعلتُ بابها بالأرض، ولأدخلتُ فيها من الحِجْر» .
-
وعن عروة عن عائشة قالت: قال لي رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «لولا حداثةُ قومك بالكفر لنقضتُ الكعبة، ولجعلتها على أساس إبراهيم، فإن قريشًا حين بنَتْ استقصرتْ، ولجعلتُ لها خَلْفًا» . وفي رواية: يعني بابًا (٦) .
-
وعن الأسود عن عائشة قالت: سألتُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن الجَدْر (٧) أمن البيت هو؟ قال: نعم، قلت: فما لهم لم يُدخِلوه في البيت؟ قال: «إن قومكِ قصَّرتْ بهم النفقة» ، قلت: فما شأن بابه (٨) مرتفعًا؟ قال: «فعل ذلك قومك لِيُدخِلوا من شاءوا ويمنعوا من شاءوا، ولولا أن قومكِ حديث عهدٍ بجاهلية
vol. 6, p. 328فأخاف أن تُنكِر قلوبهم، لنظرتُ أن أُدخِل الجَدْرَ في البيت، وأُلصِقَ بابه بالأرض» (١) . وفي رواية (٢) : «الحِجْر مكان الجَدْر» . متفق عليهن.
-
وعن يزيد بن رومان عن عروة عن عائشة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لها: «يا عائشة، لولا أن قومكِ حديثُ عهدٍ بجاهلية لأمرتُ بالبيت فهُدِمَ، فأدخلتُ فيه ما أُخرِج منه، وأَلزقْتُه بالأرض، ولجعلتُ لها بابين، بابًا شرقيًّا وبابًا غربيًّا، فبلغتُ به أساسَ إبراهيم» . فذلك الذي حمل ابن الزبير على هَدْمه. قال يزيد: وشهدتُ ابن الزبير حين هَدَمَه وبناه وأدخل فيه من الحِجْر، وقد رأيتُ أساس إبراهيم حجارة كأسنمة الإبل (٣) . قال جرير بن حازم: فقلت له يعني ليزيد (٤) : أين موضعه؟ فقال: أُرِيكَه الآن، فدخلتُ معه الحِجْر، فأشار إلى مكانٍ فقال: هاهنا. قال جرير: فحَزَرْتُ من الحِجْر ستَّ أَذرُعٍ أو نحوها. رواه البخاري (٥) .
-
وعن سعيد بن مِيْناء عن عبد الله بن الزبير قال: حدثتني خالتي يعني عائشة قالت: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «يا عائشة، لولا أن قومكِ حديثو عهدٍ بشركٍ لهدمتُ الكعبة، فأَلزقتُها بالأرض، وجعلتُ لها بابين، بابًا شرقيًّا وبابًا غربيًّا، وزدتُ فيها ستةَ أذرُعٍ من الحِجْر، فإن قريشًا اقتصرتْها (٦) حين بَنَت
vol. 6, p. 329الكعبة». رواه مسلم (١) .
-
وعن عطاء عن ابن الزبير قال: إني سمعت عائشة تقول: إن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «لولا أن الناس حديثٌ عهدُهم بكفرٍ، وليس عندي من النفقة ما يَقْوَى على بنائه، لكنت أدخلتُ فيه من الحِجْر خمسَ أذرُعٍ، ولجعلتُ له بابًا يدخل الناس منه، وبابًا يخرج الناس منه» . رواه مسلم (٢) .
-
وعن الحارث بن عبد الله بن ربيعة أنه سمع عائشة تقول: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إن قومكِ استقصروا من بُنيان البيت، ولولا حِدْثانُ عهدِهم بالشرك أعدتُ ما تركوا منه، فإن بدا لقومكِ من بعدي أن يبنوه فهلُمِّي (٣) لأُريكِ ما تركوا منه». فأراها قريبًا من سبعة أذرع. رواه مسلم (٤) .
-
الشرط العاشر: أن يطوف في المسجد الحرام، فإن طاف خارج المسجد لم يصح، وإن طاف فيه جاز، سواء كان بينه وبين البيت حائل مثل زمزم وقُبَّة السِّقاية، أو طاف في الأروقة التي في جوانب المسجد، أو طاف قريبًا منه، هذا قول ... (٥) ، وعلى هذا القول فالمصحح للطواف: الكونُ في المسجد. ولا فرق بين ما كان مسجدًا على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وبين ما زِيد فيه على عهد عمر وبني أمية وبني العباس.
vol. 6, p. 330وقال القاضي في «المجرد» : يجوز الطواف في المسجد وإن حال بينه وبين البيت قُبَّة زمزم وسقايته؛ لأن الحائل في المسجد كلَا حائلٍ، وإن طاف خارج المسجد لم يُجزِئه؛ لأن الحائل خارج المسجد يقطع حكم المسجد، كما لو ائْتمَّ بالإمام في المسجد وبينهما سُوْرُه، وعلى [ق ٣٦٦] هذا فالمانع وجود الحائل، فلو فُرِض زوالُ جُدُر (١) المسجد صحّت الصلاة خارجه.
وقال ابن عقيل: إن تباعد عن البيت من غير عذر لم يَمنع الإجزاءَ؛ لأن هذه عبادة تتعلق بالبيت، فلا يؤثِّر في إبطالها البعدُ مع مُسامتتِه ومحاذاتِه كالصلاة.
-
وإن طاف حول المسجد، أو حول البيت، وبينه وبين البيت جدار آخر، احتمل أن لا يجزئه؛ لأنه لا يسمَّى طائفًا بالبيت، بل بالمسجد أو الجدارِ الذي هو حائل؛ ولأن البقعة التي هي محالُّ الطواف معتبرة؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «خذوا عنّي مناسككم» ، فلا يجوز أن يُجعَل غيرُ المطاف مطافًا؛ ولأنه لو سعى في مُسامتة المسعى، وترك السعي بين الصفا والمروة، لم يُجزئه، كذلك هاهنا.
ووجه الأول: قوله تعالى: {وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ} [الحج: ٢٦] ، فإنه يقتضي أن بيته مُعَدٌّ للطائفين والعاكفين والمصلّين، وذلك يقتضي أن له أثرًا في اختصا ... (٢) .
- vol. 6, p. 331
الفصل الثالث (١)
-
أنه لا ركن إلا الوقوف بعرفة، والطواف طواف الزيارة. وقد اختلفت عبارة أصحابنا في ذلك.
-
وأصل ذلك: أن السعي بين الصفا والمروة هل هو ركن؟ فيه روايتان (٢) ، فإن قلنا: ليس بركن فمن أصحابنا من يقول: هما ركنان، كما ذكره الشيخ.
قال أبو الحسن التميمي (٣) : فرض الحج فرضان لا ثالث لهما، روى ذلك عن أحمد: المرُّوذي وإسحاق بن إبراهيم [والبغوي] (٤) وغيرهم، ونقل عنه ابناه وأبو الحارث والفضل بن زياد أنه قال فيمن وقف بعرفة وزار البيت يوم النحر وانصرف ولم يعمل غير ذلك: فحجتُه صحيحة وعليه دم. قال: وبهذا أقول.
-
وهذا قول أبي بكر عبد العزيز.
قال حرب: قيل لأحمد: رجل حجَّ فوقف بعرفة، ثم زار البيت يوم النحر، فمضى على وجهه، ولم ينصرف إلى منى، ولم يَرْمِ الجمار؟ قال: عليه دم.
وقال ... (٥) القاضي وأصحابه وعامة المتأخرين من أصحابنا: أركانه ثلاثة بغير خلاف: الإحرام، والوقوف، والطواف.
- vol. 6, p. 332
ومن أصحابنا من يحكي ذلك خلافًا، فيقول: الأركان ركنان في قول، وثلاثة في قول، وأربعة في قول، ويعتقد أن المذهب مختلف في الإحرام كاختلافه في السعي.
قال ابن أبي موسى (١) : وفرضُ (٢) الحج أربعة فروض، وهي: الإهلال بالحج، والوقوف بعرفة، وطواف الإفاضة، والسعي بين الصفا والمروة. ورُوي عنه: أن السعي بين الصفا والمروة ليس بواجب، وروي عنه: أن فرض الحج فرضان؛ هما الوقوف بعرفة، وطواف الإفاضة، وما عداهما مسنون، حتى إنه سُئل عن رجل حجَّ فوقف بعرفة، وطاف طواف الإفاضة، وانصرف ولم يأتِ بغير ذلك، فقال: عليه دمٌ شاةٌ، وحجُّه صحيح.
-
واعلم أن الاختلاف في الإحرام اختلاف في عبارة، وذلك أن الإحرام يُعنَى به شيئان:
أحدهما: قصد الحج ونيته، وهذا مشروط في صحة (٣) الحج بغير خلاف، فإن الحج لا يصحُّ بغير نية بإجماع المسلمين، وهذا المعنى هو الغالب على أصول أصحابنا؛ لأن الإحرام ينعقد بمجرد النية.
-
فعلى هذا: منهم من يجعل هذا القصد والنية ركنًا، وهو الغالب على قول الفقهاء المصنّفين في المذهب من أصحابنا، وهو الجاري على أصول أحمد؛ لأن العمرة عنده للشهر الذي أحرم فيه.
-
ومنهم من يجعله شرطًا للحج بمنزلة الطهارة للصلاة، وهو قول كثير
vol. 6, p. 333من مصنِّفي الخلاف من أصحابنا، ويشهد له من أصولنا: انعقادُه قبل أشهر الحج، وسقوط الفرض عن العبد والصبي إذا عَتَق وبَلَغ قبل الإفاضة من عرفات، وإن كان الإحرام قد انعقد قبل وجوب الحج، فإن أركان العبادة لا تُفعل قبل وجوبها، ولا قبل دخول وقتها.
-
والتحقيق: أنه أصل منفرد بنفسه، كما أن الحج عبادة مستقلة بنفسها، وهو يُشبِه أركانَ العبادة من وجه، وشروطَها من وجه، فإنه ركن مستدامٌ إلى آخر العبادة.
-
المعنى الثاني للإحرام: هو التجرُّد عن المَخِيط، وكشفُ الرأس، واجتناب المحظورات. وهذا هو واجب، ليس بركن ولا شرط. فمن فهم من (١) الإحرام هذا المعنى قال: إن أركان الحج ركنان، ومن فهم المعنى الأول قال: أركانه ثلاثة، ومن اعتقد الإحرام شرطًا (٢) قال: إن أركانه ركنان. فعلى هذا قيل: الإحرام شرط، وقيل: هو ركن، وقيل: هو واجب على ما بيَّناه.