مسألة: (وأكل لحم الإبل)

79 paragraphs · vol. 2, p. 340

Page 2 of 2

  1. ويمكن الجواب عن هذا كلِّه. أما المضمضة من اللبن فلا ينفي وجوب غيره. وذلك لأن المضمضة مأمور بها عند الشرب لإزالة الدسم، والوضوء إنما يجب عند القيام إلى الصلاة، كالأمر بغسل اليد عند القيام من نوم الليل. والأمرُ بالاستنشاق والسواك لا ينفي وجوبَ غسل اليد والمضمضة

    vol. 2, p. 354والاستنشاق في الوضوء، [١١١/ب] لأن ذلك لسبب، وهذا لسبب. وهذا لأن اللبن كاللحم، واللحم تُغسَل منه اليد والفم، ولا ينفي ذلك وجوبَ الوضوء منهما (١) . والنجاسة الخارجة يُغسَل موضعُها، ولا يمنع ذلك وجوبَ الوضوء منها.

    vol. 2, p. 353
  2. وأما حديث ابن عباس، فهو - رضي الله عنه - لم تبلغه السنَّةُ في ذلك بلاغًا تقوم عليه به الحجة، كما لم يبلغ عليًّا خبرُ بِرْوَع بنت واشق، ولم يبلغ ابنَ عمر - رضي الله عنهما - خبرُ الذي وقَصَتْه راحلتُه، ولم يبلغ ابنَ عباس - رضي الله عنهما - أحاديثُ المتعة والصرف. وأشباه ذلك كثيرة.

  3. وأما حديث الأعراب (٢) ، فقد كان في أول الهجرة، وأحاديث الوضوء بعد ذلك، لأن أكثر رواتها مثل عبد الله بن عمر وجابر بن سمُرة لم يصحب (٣) النبي - صلى الله عليه وسلم - [إلا في آخر حياته] (٤) .

  4. وقول أحمد وإسحاق إنما أرادا (٥) : حديثان صحيحان على طريق أهل الحديث واصطلاحهم. وأما الحسن فإنهم لا يسمُّونه صحيحًا مع وجوب العمل به. وهذا كثير في كلام أحمد: يضعِّف الحديث، ثم يعمل به. يريد: أنه ضعيف عن درجة الصحيح، ومع هذا فراويه مقارِبٌ، وليس له (٦) معارض،

    vol. 2, p. 355فيجب العمل به، وهو الحسن. ولهذا يضعِّف الحديث بأنه مرسل، مع أنه يعمل بأكثر المراسيل.

  5. وأما بقيَّة فثقة، أخرج له مسلم، وهو جليل إلا أنه يدلِّس عن رجال مجهولين. والقياس يوافق هذه الرواية فإن اللبن متحلِّل من اللحم، فوجب أن يُعطَى حكمَه كما أعطي حكمَه في التطهير والتنجيس. ولو قيل: إن البول كذلك لم يستبعد، لأن اللبن مأكول معتاد بخلاف البول ونحوه، إنما (١) قال أصحابنا: [١١٢/أ] إن البول والعرق والشعر لا ينقض. ولو فرضنا أن العلّة التي أوجبت النقض باللحم لم تتخلَّص (٢) لنا، فإنه لا بدّ له من سبب، واللبن يشارك اللحم في عامة أحكامه.

  6. وفي النقض بالأجزاء التي لا تسمَّى لحمًا، كالكبد والطِّحال والسَّنام والكَرِش والمصير والجلد، وجهان. وقيل: فيها (٣) روايتان. لكن الظاهر أنهما مخرَّجتان من أصحابنا، [فمنهم] (٤) من يطلقهما، ومنهم من يبنيهما على اللبن.

  7. إحداهما: لا تنقض، وإن قلنا بالنقض في اللحم واللبن، إذ لا نصَّ فيه قوي ولا ضعيف، والقياس لا يقتضيه.

  8. والثانية: تنقض، سواء إن قلنا: ينقض اللبن، أو لا. لأن إطلاق اللحم في

    vol. 2, p. 356الحيوان يدخل في (١) جميع أجزائه، وإنما يذكر اللحم خاصَّةً لأنه أغلب الأجزاء، ولهذا دخلت في مطلق اسم الخنزير. ولأنها أولى بالنقض (٢) من اللبن، وقد جاء فيه الحديث. ولأنه لما ذكر اللحم واللبن عُلِمَ أنه أراد سائر الأجزاء. ولأنها جزء من الجزور، فنقضت كاللحم. وقياسُ الشبه لا يفتقر إلى هاتين العلَّتين في الأصل، فإن المشابهة بين اللحم والكبد والسنام من أبيَن الأشباه، ولهذا اشتركا في التحليل والتحريم، والطهارة والنجاسة، والدُّسومة والزُّهومة.

  9. وقولهم: الحكم تعبُّد (٣) ، إن أريد به هنا مجرَّد امتحان وابتلاء، فلا يصح بعد إشارة النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى التعليل. وإن أريد به أنا نحن لم نعتقد العلَّة فهذا مسلَّم لمن ادعاه لنفسه، لكن لا يمنع صحة قياسَ الشَّبَه، مع أننا قد (٤) [١١٢/ب] أومأنا إلى التعليل فيما تقدَّم، بما فهمناه من إيماء الشارع، حيث ذكر أن الإبل جِنٌّ (٥) خلقت من جِنٍّ وأنها شياطين، فأكلُ لحمها يُورث ضربًا من طباعها، ونوعًا من أحوالها؛ والوضوءُ يزيل ذلك الأثر. وهذا يشترك فيه اللحم وغيره من الأجزاء. ولعله ــ والله أعلم ــ كان قد شرع الوضوء مما مسَّت النارُ ــ إمّا إيجابًا وإمّا استحبابًا (٦) ــ لما يكتسبه (٧) من تأثير النار التي خُلِقت منها الشياطين، لكن أثر النار عارضٌ يزول، ولا يبقى

    vol. 2, p. 357مع الإنسان؛ بخلاف اللحم فإنَّ تأثيره عن طبيعة وخليقة فيه، فيحتاج إلى شيء يزيله، فلذلك (١) صار هنا واجبًا دون ذلك.

  10. وفي انتقاض الوضوء باللحوم المحرَّمة روايتان:

    إحداهما: [تنقض] (٢) نصَّ عليها في لحم الخنزير. وخصَّ أبو بكر النقضَ به لتغليظ تحريمه (٣) . وعمَّمه (٤) غيرُه في جميع اللحوم المحرَّمات، لأنه (٥) أولى بالنقض من لحوم الإبل.

  11. والثانية: لا تنقض. حكاها جماعة من أصحابنا، واختارها كثير منهم، إذ لا نصَّ فيه، وليس القياس بالبيِّن حتى تقاس على المنصوص. وكذلك لا ينتقض (٦) بما يحرُم من غير (٧) اللحوم.

  12. وأما الوضوء من سائر المطاعم: مباحِها (٨) ومحرَّمِها، فليس بواجب ولا مستحبّ، لكن يستحبّ غسلُ اليد والفم من الطعام، كما يذكر إن شاء الله تعالى في موضعه؛ إلا ما مسَّته النار ففي استحباب الوضوء منه وجهان:

    vol. 2, p. 358أحدهما: يستحَبُّ، لما روى أبو هريرة (١) قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «توضؤوا مما مسَّت [١١٣/أ] النار» رواه الجماعة إلا البخاري (٢) ، ورواه مسلم (٣) من حديث عائشة وزيد بن ثابت. ثم نُسخ الوجوبُ منه، أو صُرف عن الوجوب، لما روى ابن عباس وعمرو بن أبي أمية وميمونة - رضي الله عنهم - أن النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - أكل كتفَ شاة، ثم صلَّى ولم يتوضأ. متفق عليهنّ (٤) وقوله: «ولا تتوضؤوا من لحوم الغنم» (٥) .

  13. وعن سويد بن النعمان قال: خرجنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عام خيبر حتى إذا كنَّا بالصهباء، وهي من أدنى خيبر، صلَّى بنا العصر، ثم دعا بالأطعمة، فلم يُؤتَ إلا بسويق، فأكلنا وشربنا، ثم قام إلى المغرب، فمضمض ومضمضنا، ثم صلَّى لنا (٦) المغرب، ولم يتوضأ. رواه أحمد والبخاري (٧) .

  14. ويدل على أن ذلك هو الناسخ: عملُ (٨) الخلفاء الراشدين، فإنهم كانوا لا يتوضؤون مما غيَّرت النار. وإذا اختلفت الأحاديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم - نظرنا

    vol. 2, p. 359إلى ما عمل به الخلفاء الراشدون (١) ، فإنهم أعلم بتأويلها وناسخها. وإذا زال الوجوب بقي الاستحباب، لا سيَّما وقد ذهب خلقٌ من الصحابة والتابعين إلى وجوب الوضوء منها، وقال رجال من التابعين: الوضوء منها هو الناسخ، ففي الوضوء احتياط وخروج من الخلاف.

  15. والوجه الثاني: لا يستحبُّ، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يداوم على تركه أخيرًا وهو لا يداوم على ترك الأفضل. وأيضًا فإن الوضوء منه قديمًا لم يكن واجبًا، لأن أبا هريرة سمع الأمر به، وإنما صحبه بعد فتح خيبر؛ وحديثُ سويد بن النعمان [١١٣/ب] في تركه كان في مخرجه إلى خيبر، فعُلِمَ أنه كان يأمر به استحبابًا ويفعله ويتركه أحيانًا، ثم ترَكه (٢) بالكلية بدليل عمل الخلفاء الراشدين.

  16. فصل

    كلام الشيخ - رضي الله عنه - يقتضي أن لا وضوء من غسل الميت، وهو قوله وقول أبي الحسن التميمي (٣) وغيرهما، لما روي عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «ليس عليكم في ميِّتكم غسلٌ إذا غسلتموه، فإنَّ ميِّتكم ليس بنجس، فحسبُكم أن تغسلوا أيديكم» رواه الدارقطني وإسناده جيِّد (٤) ،

    vol. 2, p. 360ولم يُتكلَّم في أحد منهم إلا في خالد بن مَخْلَد القَطَواني وعمرو بن أبي عمرو، وهما من رجال «الصحيحين» . ولأنه لو يمَّمه لم ينتقض وضوؤه، فكذلك إذا غسَلَه. ولأنه آدميٌّ، فلم ينقض (١) ، كغسلِ الحيِّ وغسلِ نفسه. وحملوا الآثار في المسألة على الاستحباب.

  17. والمنصوصُ عنه أنَّ عليه الوضوء، وهو قول جمهور الصحابة (٢) . قال أحمد: من غسل ميِّتًا عليه الوضوء، وهو أقلُّ ما فيه، ولا بدَّ منه. وقال: أرجو أن لا يجب الغسل، وأما الوضوء فأقلُّ ما فيه. وكذلك قال في مواضع أخر: إنه لا بدَّ من الوضوء (٣) ، لِما روى عطاء أنَّ ابن عمر وابن عباس كانا يأمران

    vol. 2, p. 361غاسلَ الميِّت بالوضوء (١) . وقال أبو هريرة: أقلُّ ما فيه: الوضوء (٢) . وقال ابن عباس: يكفي فيه الوضوء (٣) . ولم يُنقَل عن غيرهم في تركه رخصةٌ.

  18. يؤيد ذلك أنهم اختلفوا في وجوب الاغتسال منه، ومن لم يوجبه انتهت رخصته إلى الوضوء. وكان الوضوء منه شائعًا بينهم، لم يُنقل عنهم الإخلالُ [١١٤/أ] به (٤) .

    قال بكر بن عبد الله المزني: حدثني علقمة بن عبد الله قال: غسل أباك أربعةٌ من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ممن بايع تحت الشجرة، فما زادوا على أن حسَروا عن (٥) أيديهم، وجعلوا ثيابهم في حُجَزهم، فغسلوا، ثم توضَّؤوا، ثم خرجوا (٦) .

  19. وأوصى أبو بكر (١) - رضي الله عنه - أن تغسله زوجته أسماءُ، فغسلته، ثم أرسلت إلى أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: هل عليَّ من غسل؟ قالوا: لا. فتوضَّأت (٢) .

    vol. 2, p. 362
  20. رواهما سعيد في «مسنده» .

  21. ولأنّ النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر بالاغتسال منه ــ كما نذكر (٣) إن شاء الله تعالى في موضعه ــ فظاهرُه يُوجب الغسلَ والوضوءَ الذي هو بعضُه، فإذا قام الدليل على عدم وجوب ما زاد على الوضوء، بقي الوضوء بحاله. أو يقال: الأمرُ بالغسل أمرٌ بالوضوء بطريق الأولى وفحوى الخطاب، فإذا تُركت (٤) دلالةُ المنطوق لم يجب أن تُترك (٥) دلالةُ فحواه. وقولُ أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: أقلُّ ما فيه الوضوء، ويكفي فيه الوضوء= دليلٌ على أنه أقلُّ ما يؤمر به، والأمر للإيجاب.

  22. ولأنه وضوء مشروع لسبب ماض فكان واجبًا، كالوضوء من مسِّ الذكر. ومن قال هذا التزم أن لا وضوء من القهقهة ولا ما مسَّته النار، أو يقول: وضوء متفق عليه، أو مشروع من غير معارض.

  23. ولأنه وضوء عن سبب ماض يُشرع له الغسلُ، فكان واجبًا، كوضوء المغمى عليه والمجنون والمستحاضة. وهذا لأن شرعَ الغسل دليل على قوة المقتضي للطهارة، فإذا نزل [١١٤/ب] إلى استحباب الغسل، فلا أقلَّ من أن يوجب الوضوء؛ بخلاف الأسباب المستقبلة، كغسل الإحرام والجمعة والعيدين، فإنَّ المراد بها النظافة فقط. وهذا القياس من أقوى الأشياء (١) لمن تدبَّره.

    vol. 2, p. 363
  24. ولأنّ بدنَ الميِّت صار في حكم العورة (٢) بنفسه، بدليل كراهة مسِّه والنظر إليه إلَّا لحاجةٍ (٣) ، وهو مظنةٌ لخروج النجاسات، فجاز أن يُوجب الوضوء كمسِّ الذكر، ولا ينتقض بمسِّه من غير غسل، لأن التعليل للنوع والجواز، فلا ينتقض بأمهات المسائل (٤) .

  25. ولأنَّ لمسَ الناقض يفرَّق فيه بين ممسوس وممسوس، فمسُّ الفرج ينقض مطلقًا، ومسُّ النساء إذا كان على وجه الشهوة، ومسُّ الميت إذا كان على وجه التغسيل له، سواء مسَّه من وراء حائل أو باشَره. وهذا أجود من تعليل من علَّله من أصحابنا بأن الغاسل لا يسلم غالبًا من مسِّ ذكره.

  26. وأما حديث ابن عباس - رضي الله عنهما -، إن صحَّ، فمعناه ــ والله أعلم ــ: حسبُكم في إزالة ما يتوهَّم من نجاسته أن تغسلوا أيديكم، فإنه ليس بنجس، وإنما

    vol. 2, p. 364يُخشى أن يكون قد خرج منه شيءٌ أصاب اليد. ويدل على هذا شيئان:

    أحدهما: أن ابن عباس هو راوي الحديث، وقد أفتى أن الذي يكفي منه: الوضوء، وهو أعلم بمعنى ما روى.

  27. وثانيهما: أن قوله: «حسبكم أن تغسلوا أيديكم» إن (١) حُمِل على الاستحباب (٢) كان معناه: يكفيكم في الاستحباب غسلُ أيديكم. وهو أيضًا مما لا يقال به على ما ادَّعوه، [١١٥/أ] فإن الوضوء منه مشروع، بل الاغتسال أيضًا، فيكون المعنى: يكفيكم في إزالة ما يتوهَّم من الخبث. والله أعلم.

  28. وما ذكروه من الأقيسة منعكسٌ باستحباب الوضوء، فإنهم لم يستحبُّوا الوضوء في تَيمِيمه (٣) ولا تغسيل الحي، و (٤) استحبُّوه هنا وجاءت به الآثار. فكلُّ معنًى اقتضى الفرقَ في الاستحباب حصل الفرقُ به في الإيجاب، لأنه وضوء جاء به الشرع مطلقًا، وكان واجبًا كالوضوء من مسِّ الذكر ولحم الجزور، بل وأوكد من حيث إنه لم تجئ (٥) رخصة في ترك الوضوء منه، ولا أثرٌ يعارضه. والله أعلم.

  29. والغاسل: هو الذي يقلبه ويباشره ويُعين في ذلك ولو مرَّةً. فأما من يصبّ الماء فقط من غير ملامسة للميت فليس بغاسل.

  30. فصل

    ومن تيقَّن الطهارةَ وشكَّ في الحدث، أو تيقَّن الحدثَ وشكَّ في الطهارة، فهو على ما يتيقَّن منهما، سواء كان في الصلاة أو خارج الصلاة، لما روى عبد الله بن زيد قال: شُكي إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الرجلُ يخيَّل إليه أنه يجد الشيءَ في الصلاة. قال: «لا ينصرفْ حتى يسمع صوتًا أو يجد ريحًا» أخرجه الجماعة إلا الترمذي (١) .

    vol. 2, p. 365
  31. وعن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «إن الشيطان يأتي أحدكم في الصلاة، فيأخذ شعرةً من دبُره، فيمدُّها، فيرى أنه قد أحدَثَ، فلا ينصرِفْ حتى يسمعَ صوتًا أو يجد ريحًا» رواه أحمد (٢) وأبو داود (٣) ولفظه: «إذا أتى الشيطانُ أحدَكم فقال له: قد أحدثتَ. فليقل له: كذبت؛ إلا ما وجد [١١٥/ب] ريحًا بأنفه، أو سمع صوتًا بأذنه» .

  32. وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إذا وجد أحدكم في بطنه شيئًا، فأشكَلَ (٤) عليه: أخرَج منه شيءٌ أم لا، فلا يخرُجْ من المسجد

    vol. 2, p. 366حتى يسمع صوتًا أو يجد ريحًا» رواه مسلم والترمذي (١) . ورواه أحمد (٢) ولفظه: «حتى يسمع صوتًا أو يجد ريحًا، لا يشكُّ فيه» .

  33. فلما نهاه عن قطع الصلاة وعن الخروج (٣) من المسجد مع الشكِّ دلَّ على جواز بناء الصلاة على طهارة مستصحبة مبنيَّة على اليقين، ولو كان يجب عليه الوضوءُ خارج الصلاة لجاز له أو لوجب عليه في الصلاة كسائر النواقض.

  34. ولا فرق في ذلك بين أن يتساوى الأمران عنده أو يغلب على ظنِّه أحدُهما، لما ذكرنا من الأحاديث، ولأن الظنَّ إذا لم يكن له ضابطٌ في الشرع وليس عليه أمارة شرعية أو عرفيَّة (٤) لم يلتفت إليه، كظنِّ صدق أحد المتداعيين، بخلاف القبلة والوقت. ولأنه شكَّ في بقاء (٥) طهارته فيبني على اليقين، كما لو شكَّ في نجاسة الثوب والبدن والبقعة بعد تيقُّن الطهارة.

    قال ابن أبي موسى (٦) بعد أن ذكر ذلك: إن خُيِّل إليه أنه قد أحدث وهو في الصلاة لم يلتفت إليه، ولم يخرج من الصلاة. وإن خُيِّل إليه ذلك وهو في غير الصلاة فالأحوطُ له أن يتوضأ ويصلِّي.

  35. وهو كما قال، فإنَّا وإن جوَّزنا له البناء على يقين الطهارة، فإنَّ الأفضل له أن يتطهَّر لمّا تردَّد، لأن في ذلك خروجًا من اختلاف العلماء، فإن منهم من لا [١١٦/أ] يجوِّز له الدخول في الصلاة بطهارة مشكوكة. ولأن التجديد مع اليقين مستحبٌّ، فمع الشكِّ أولى. ولأن عدم الطهارة فيها ريب وشبهة، وليس في الاحتياط فيها مشقَّة، ولا فتحٌ لباب الوسوسة، فكان الاحتياط لها أفضل، لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «دع ما يَريبك إلى ما لا يَريبك» (١) وقوله: «فمَن ترك الشبهاتِ فقد استبرأ لعرضه ودينه» (٢) . بخلاف الشكِّ العارض في الصلاة، فإن النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قد نهى عن الخروج من أجله، ولأن فيه إبطالًا للصلاة بالريب والشبهة ومطاوعة الشيطان في ذلك، فلذلك نُهي عنه.

    vol. 2, p. 367
  36. وقياس المذهب أنَّ قطعَ الصلاة المفروضة لذلك محرَّم، لأجل نهي النبي - صلى الله عليه وسلم -، ولأن إبطال الفرض بعد الشروع فيه غير جائز.

  37. فصل

    فإن تيقَّن الطهارة والحدث، وشكَّ في السابق منهما، فهو على قسمين:

    أحدهما: إن تيقّن أنه كان متطهِّرًا أو أنه كان محدثًا، فيبني على خلاف حاله قبلهما: إن كان متطهِّرًا فهو محدِث، وإن كان محدِثًا فهو متطهِّر. لأن الحال قبلهما إن كان طهارةً مثلًا، فقد تيقَّن أنه وجد بعدها حدثٌ وطهارةٌ، فزالت تلك الطهارة بيقين. والطهارة الثانية يجوز أن تكون هي الأولى دامت واستمرَّتْ، ويجوز أن تكون حدثت بعد الحدث، والحدثُ متيقِّن، فلا يزول بالشك.

  38. الثاني: يتيقَّن أنه تطهَّر (١) عن حدث، وأنه أحدث بعد طهارة. فإن كان [١١٦/ب] قبل هاتين الحالتين متطهِّرًا (٢) فهو الآن متطهِّر، وإن كان محدِثًا فهو الآن محدِث؛ لأن الطهارة السابقة قد وُجد بعدها حدثٌ ناقضٌ، وذلك الحدثُ وُجِد بعده (٣) طهارةٌ رافعة، والأصل (٤) بقاؤها. فأما إن تيقَّن أنه تطهَّر وأنه أحدَثَ، لكن لا يدري هل كانت الطهارة بعد طهارة أو بعد حدث، وذلك الحدث هل كان [بعد] طهارة أو بعد حدث= فهذا كالقسم الأول، يكون على خلاف حاله قبلهما.

    vol. 2, p. 368
  39. ولو تيقَّن أنه ابتدأ الطهارة عن حدث وأنه كان أحدَث، ولا يدري أفعَلَ ذلك وهو محدث أو هو طاهر، فهنا هو طاهر بكل حال. وكذلك لو تيقَّن أنه أحدث عن طهارة، وأنه توضَّأ، لا يدري أتجديدًا (٥) أم رفعًا، فهو محدِث بكلِّ حال.