فصل (الأغسال المستحبة نوعان)
18 paragraphs · vol. 2, p. 387
- vol. 2, p. 387
ويجب الغسل من الإيلاج على العالم والجاهل. فلو مكث زمانًا لا يغتسل من الوطء [١٢٣/ب] ولم يعلم أنَّ الغسل عليه، فإنه يحتاط في الصلاة، فيعيد حتى يتيقَّن براءة ذمته. نصَّ عليه، لأن هذا مما استفاضت به الآثار، فلم يُعذَر به الجاهلُ، ولم يَسُغْ فيه الخلاف. نصَّ عليه؛ بخلاف ما قلناه في لحوم الإبل على إحدى الروايتين، فإنَّ تلك السنّة ليست في الشهرة كهذه. وقد قيل: إنما قال هذا في العامّي الذي لم يقلّد، ونصُّه بخلاف هذا. وإنما وجب إعادة كلِّ صلاة إذا شكَّ في طهارتها، لأنه قد تيقَّن الوجوب، وشكَّ في الأداء المجزئ.
-
فلا يجوز تمكينه (١) من الصلاة والطواف ومسِّ المصحف وقراءة القرآن. ويجب الغسل إذا بلغ، ولم يكن اغتسل؛ ويغسَّل إذا مات شهيدًا. ولا خلاف في هذا كلِّه.
-
فصل
فأما الأغسال المستحبة فهي نوعان:
أحدهما: ما يُقصد به النظافة لأجل اجتماع الناس في الصلاة المشروع لها الاجتماعُ العامُّ، و (٢) في مجامع المناسك وهي (٣) : غسل الجمعة والعيدين والكسوف والاستسقاء، والاغتسال للإحرام، ولدخول مكة والمدينة، وللوقوف بعرفة والمبيت بمزدلفة، ولرمي الجمار كلَّ يوم،
vol. 2, p. 388وللطواف بالبيت. وهذه تُذكَر إن شاء الله تعالى في موضعها.
-
النوع الثاني: ما يُشرع لأسباب ماضية. وهو: غسلُ المستحاضة لكلِّ صلاة، والغسلُ من غسل المِّيت، وغسل المجنون والمغمَى عليه إذا أفاق من غير احتلام، [١٢٤/أ] والغسلُ من الحجامة.
-
فأما [غسلُ] (١) المستحاضة، فيذكر في موضعه.
-
وأما الاغتسال من غسل الميِّت فهو مستحَبٌّ في المشهور. وقال القاضي في «الجامع الكبير» وابن عقيل: لا يجب ولا يُستحبُّ من غسل المسلم؛ لأن الحديث لا يثبت فيه، وظاهرُ (٢) كلام أحمد يقتضي ذلك. وعنه: أنه يجب من غسل الميِّت الكافر، لأن النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - أمر عليًّا أن يُواري أبا طالب، فواراه. فلما رجع قال: «اغتسِلْ» رواه أحمد وغيره (٣) . وقد ذكرنا في نواقض الوضوء قوله: «ليس عليكم في ميِّتكم غسلٌ إذا غسّلتموه، فإنه ليس بنجس» (٤) .
- vol. 2, p. 389
ورُوي عن ابن مسعود أنه سئل عن الذي يغسل الميِّتَ، أيغتسلُ؟ قال: إن كان صاحبكم نجسًا فاغتسِلُوا منه (١) . وعن ابن عباس - رضي الله عنهما - أنه سئل عن الذي يغسل الميِّتَ، أيغتسل؟ فقال: أنجِسٌ هو؟ (٢) . وعن عائشة قالت: أأنجاس (٣) موتاكم؟ (٤) . رواهنَّ سعيد.
-
فموجَب هذا التعليل وجوبه من الكافر، لأنه نجُس بالموت ولا يطهُر بالغسل. فعلى هذا يجب الغُسل [مِن غَسل] الحيّ الكافر (٥) ، قاله القاضي. وقال ابن عقيل: لا يجب.
-
الأول اختيار أصحابنا لما روى ابن إسحاق قال: وقد كنت حفظتُ من كثير من علمائنا بالمدينة أنَّ محمد بن عمرو بن حزم كان يروي عن المغيرة بن شعبة أحاديثَ، منها: أنه حدَّثه أنه سمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «من غسَّل ميِّتًا فليغتسلْ» رواه أحمد (٦) .
-
وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «من غسّل ميِّتًا فليغتسل،
vol. 2, p. 390ومن حمَلَه فليتوضَّأْ» رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه والترمذي (١)
وقال: حديث حسن. وإسناده شرط مسلم. وروي من وجوه أخرى. قال أبو حفص: أي ما شُرِع لأسباب ماضية، وهو من أراد حملَه يتوضَّأ، يعني: للصلاة عليه.
-
وعن عائشة - رضي الله عنها - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «يغتسل من أربع: من الجمعة، والجنابة، والحجامة، وغسل الميِّت» . رواه أحمد وأبو داود (٢) ولفظه: أن النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - كان يغتسل. وهو شرط مسلم.
-
وتضعيفُ الإمام أحمد وغيره لبعض هذه الأحاديث إمَّا لأنه لم يبلغهم
vol. 2, p. 391حين التضعيف إلا من وجوه [ضعيفة] (١) ، أو بناءً على قاعدة «الحديث دون ما يحتجُّ به الفقهاء» كما تقدَّم (٢) . وذهب أبو إسحاق الجُوزجاني إلى وجوبه لما ذكرنا (٣) ، وهو معدود من أصحاب أحمد. والمذهب: أنَّ الأمر فيه على الاستحباب، لما تقدَّم عن الصحابة هنا، وفي مسألة نقض الوضوء به؛ ولأنه لو كان واجبًا مع كثرة وقوعه لَنُقِل نقلًا عامًّا، ولم يخفَ على أكابر الصحابة، مع أنَّ عائشة هي ممَّن يروي الاغتسال منه، وتفتي بعدم وجوبه. وكذلك الأمر في حديث علي المتقدِّم هو استحباب، لا سيَّما والروايات الصحيحة أنه أمرَه بمواراته (٤) دون تغسيله. وتعليلُهم بعدم النجاسة يفيد غسلَ ما يصيب الغاسلَ منه لو كان نجسًا، دون بقية البدن.
-
وأما الاغتسال من الحجامة، فمستحَبٌّ في إحدى الروايتين، لما تقدَّم، ولفعل عليٍّ. وفي الأخرى: لا يُستحَبُّ. واختارها القاضي وغيره، لأن القياس لا يقتضيه كالرُّعاف والفِصاد، وحديثُه مضعَّف.
-
وأما اغتسال المجنون والمغمى عليه إذا أفاقا، فإنْ رأيا منيًّا وجب عليهما الاغتسال. وإن لم يريا بللًا أصلًا، ففي وجوب الاغتسال روايتان:
إحداهما: يجب، لما روت عائشة قالت: ثَقُلَ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: «أصلَّى الناس؟» قلنا: لا، هم ينتظرونك يا رسول الله. قال: «ضَعُوا لي ماءً في المِخْضَب» . قالت: ففعلنا، فاغتسل، ثم ذهب لِيَنُوءَ، فأُغْمِيَ عليه، ثم
vol. 2, p. 392أفاق، فقال: «أصلَّى الناس؟» قلنا: لا، هم ينتظرونك يا رسول الله. قال: «ضَعُوا لي ماءً في المِخْضَب» قالت: ففعلنا، فاغتسل، ثم ذهب لينُوءَ، فأُغميَ عليه، ثم أفاق، فقال: «أصلَّى الناس؟» فقلنا: لا، هم ينتظرونك يا رسول الله. وذكرت إرساله إلى أبي بكر. متفق عليه (١) . والأصل في أفعاله الوجوب على (٢) إحدى الروايتين. يؤكد ذلك في الاغتسال أنه أفتى السائلَ عن الاغتسال من التقاء الختانين بأنه (٣) يفعل ذلك ويغتسلُ منه، وأفتى عامّةُ الصحابة بقولها: فعلتُ ذلك أنا ورسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -، فاغتسلنا. لا سيَّما وقد تكرَّر ذلك منه مع مشقَّته عليه، فلو لم [١٢٥/ب] يكن واجبًا لتَرَكه.
-
ولأنه مظنّة للجنابة غالبًا، فأقيم مقام الحقيقة كالنوم مع الحدث، والوطء مع الإنزال. قال الإمام أحمد: قلَّما يكون الإغماء إلا أمنَى (٤) . وقال: قلَّ أن يُصرَع إلا احتلَم (٥) . بل هو أولى من ذلك، لأنه - صلى الله عليه وسلم - لا يجوز عليه الاحتلام، لأنه معصوم من الشيطان، ومع هذا كان يغتسل. وهذا يدل على أنَّ الإغماء سبب للغسل، مع قطع النظر عن كونه مظنَّة الإنزال. ألا ترى أنه إذ (٦) كان محفوظًا في منامه من الحدث، كان ينام ثم يصلِّي ولا يتوضأ.
- vol. 2, p. 393
فإذا وجب الوضوء على الأمة مع أنه لم يكن يفعله، فوجوب الاغتسال الذي فعله أولى.
-
والرواية الثانية: لا يجب. بل يستحبُّ، لأنه زوال عقل، فلم يُوجب الاغتسالَ كالنوم، ولأن الحقيقة هنا أمكن اعتبارُها، فإن المنيَّ يبقى في ثوبه وبدنه، بخلاف الحدث في النوم فإنه لا يُعلَم.
-
وعلى هذه الرواية، لو وجد بللًا (١) ولم يتيقَّنه منيًّا، فقيل: لا يجب الغسل أيضًا، بخلاف النوم، لأنه يمكن أن يكون من المرض المزيل للعقل. وقيل: يجب كالنوم، وأولى (٢) لأنَّ هذا يُشرَع له الاغتسال بكلِّ حال بخلاف النائم، فوجوب الاغتسال عليه [مما] (٣) يجب على النائم= أولى. ولهذا لو رأى المريض غير المبرود بللًا حكَمنا بأنه منيٌّ، بخلاف صاحب الإبْرِدة. والله أعلم.