مسألة: (وله شروط أربعة: أحدها: العجز عن استعمال الماء، لعدمه أو خوف الضرر باستعماله لمرض أو برد شديد)
52 paragraphs · vol. 2, p. 470
Page 2 of 2
- vol. 2, p. 483
وهل حدُّ القريب الذي يجب قصدُ مائه (١) ما يتردّد المسافر إليه للرعي أو للاحتطاب (٢) عادةً، أو الفرسخ فما دونه كالجمعة، أو الميل فما دونه؟ على ثلاثة أوجه.
-
الفصل الخامس: «أو إعوازه (٣) إلا بثمن كثير»، وجملة ذلك أنه إذا بُذِل له الماء لطهارته لزمه قبولُه، لأنه قادر عليه، ولا منَّة عليه لذلك في عرف الناس، بخلاف ما إذا بُذِل له ثمنُ الماء، أو بُذِلت له الاستطاعة في الحج. وهو وإن كان ذا ثمن في المفاوز وأوقات الضرورة، فإنما ذلك لمن يحتاجه للشرب، إذ لا بدَّ له في الشرب (٤) . فأما للطهارة، فلا ضرورة بأحد إليه لقيام التراب مقامه. ولذلك إذا وجد من يبيعه إياه بثمن مثله (٥) في تلك البقعة، أو مثلها في غالب الأوقات، ووجد ثمنَه فاضلًا عمّا يحتاج إليه في نفقته وقضاء ديونه ونحو ذلك، فإنه يلزمه شراؤه كما يلزمه شراء السُّترة للصلاة، والرقبة للكفارة، والهدي للتمتع. وكذلك إن زيد على ما يتغابن به الناس بمثله زيادةً
vol. 2, p. 484يسيرةً لا تُجحِف بماله. فإن كانت تُجحِفه لم يلزمه شراؤه. وكذلك إن كانت كثيرةً لا تُجحِف بماله في أحد الوجهين. وذكرها القاضي على الروايتين. وفي الأخرى: يلزمه شراؤه وإن كان ثمنه كثيرًا إذا لم يضرَّ ذلك بماله، كما يجب بذلُ ثمن المثل. وهذا معنى قول الشيخ رحمه الله تعالى: «إلا بثمن كثير» ، فإنَّ الكثير هو المُجحف أو الذي (١) يزيد على غبن العادة زيادةً كثيرةً. وكذلك الحكم في شِرَى (٢) الهَدْي والرقبة والسُّترة وآلات الحجِّ ونحو ذلك مما يجب صرفُه في العبادات. فإن وجد الثمنَ في بلده ووجد من يبيعه في الذمة لزمه شراؤه عند القاضي، كما يلزمه شراءُ الرقبة في الكفارة لذلك. ولم يلزمه عند أبي الحسن الآمدي (٣) ،
وغيره كالمتمتِّع إذا عدِم الهَدْيَ في موضعه دون بلده، لأنَّ فرضها متعلِّق بالوقت، بخلاف المكفِّر.
-
الفصل السادس: إذا كان مريضًا مثل المجدور والجريح وغيرهما، وخاف إن استعمل الماء تضرَّر، انتقل إلى التيمُّم للآية ولحديث صاحب الشجَّة (٤) . والخوف المبيح: أن يخشى التلف في رواية، لأن ما دون ذلك يجوز الصبرُ عليه لغرض صحيح كالفصد والحجامة.
-
وظاهر المذهب: أنه متى خشي زيادةَ المرض بالألم (٥) ونحوه، أو
vol. 2, p. 485تباطؤَ (١) البُروءِ (٢) إن استعمل الماء، جاز له التيمُّم؛ لأنَّ مثله يجوز له الفطرُ في رمضان، وتركُ القيام في الصلاة، والطِّيبُ واللِّباس (٣) والحلق في الإحرام؛ فجاز له تركُ الوضوء بالماء، وأولى. وذلك لأنّ المرض (٤) متى زادت صفته أو مدّته كانت تلك الزيادة بمنزلة مرض مبتدأ (٥) ، ولا تجب عبادة يخاف منها المرض.
-
ثمَّ إن كان المخوف هو التلف كفى فيه الظنُّ، كما قلنا في السبع ونحوه. وإن خيف المرضُ فلا بدَّ أن يغلب على الظن تضرُّره [١٥٨/أ] باستعمال الماء، إمّا بقول الطبيب أو نحوه. فأما مجرَّد الاحتمال في أمر يمكن (٦) تلافيه، فلا يلتفت إليه.
-
وكذلك إن كان المرض لا يضرُّه كالصداع، والحمَّى التي يستعمل معها (٧) الماء الحارّ (٨) ونحو ذلك، لأنه إذا أمكنه استعمال الماء البارد أو الحارّ كان كالصحيح. فإن لم يمكنه ذلك بأن يكون عاجزًا عن الحركة إلى الماء، وليس له من يناوله، فهو كالعادم، لكن ينبغي أن يكون بمنزلة من عدِم
vol. 2, p. 486الماءَ في الحضر. وإن كان له من يناوله في الوقت فهو كالواجد (١) . وكذلك إن خشي خروجَ الوقت قبل مجيء المُناول (٢) ، في المشهور. وقيل: ينتظر مجيء (٣) المناول وإن خرج.
-
الفصل السابع: إذا خاف من شدّة البرد فإنه يتيمَّم ويصلِّي لما روى عمرو بن العاص قال: احتلمتُ في ليلة باردة شديدة البرد، في غزوة ذات السلاسل، فأشفقتُ إن اغتسلتُ أن أهلِكَ، فتيمَّمتُ، ثم صليتُ بأصحابي صلاة الصبح. فلما قدمنا على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ذكرتُ ذلك له، فقال: «يا عمرو صلَّيتَ بأصحابك، وأنت جنُب؟» قلتُ: ذكرتُ قول الله تعالى: {وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ [١٥٨/ب] إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا} [النساء: ٢٩] . فضحك رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ولم يقُل (٤) شيئًا. رواه أحمد وأبو داود والدارقطني، وذكره البخاري تعليقًا (٥) .
- vol. 2, p. 487
وعن ابن عباس أنَّ رجلًا في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - احتلم في برد شديد، فاستفتى، فأُفتِيَ أن يغتسل، فمات. فبلغ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - فقال: «قتلوه، قتلهم الله (١) ! إنما شفاءُ العِيِّ السؤالُ» رواه حرب (٢) .
-
ولأنه إذا خاف المرضَ باستعمال الماء، فهو كما لو خاف زيادته، وأولى. والمخوف هنا إمّا التلف، وإمّا المرض، على ما تقدَّم. فأمّا نفسُ (٣) التألُّم بالبرد، فلا أثر له لأنَّ زمن ذلك يسير؛ وإسباغ الوضوء على المكاره مما يكفِّر الله به الخطايا.
-
ومتى أمكنه تسخين الماء واشتراؤه بثمن المثل ــ كما تقدَّم ــ أو الدخول إلى الحمّام بالأجرة لزمه ذلك، لأنّ قدرته على الماء الحارِّ كقدرة المسافر على الماء المطلق (٤) . وكذلك إن وجد من يُقرضه أو يبيعه أو يُكريه بثمن في الذمَّة، وله ما يوفيه بعد خروج الوقت، لأن زمن ذلك يسير؛ بخلاف المسافر في أحد (٥) الوجهين، لأنَّ المدة تطول ويخاف تلفَ المال وبقاءَ الذمَّة مشغولةً (٦) . وكذلك إن أمكنه أن يغتسل عضوًا عضوًا، وكلَّما غسل شيئًا ستَره.
- vol. 2, p. 488
وإذا صلَّى بالتيمم لخشية البرد، فلا إعادة عليه (١) في ظاهر المذهب. وعنه: يعيد لأنه عذر نادر [١٥٩/أ] غير متصل. وعنه: يعيد في الحضر دون السفر، لأن الحضر مظنَّة دفعِ البرد بالأكنان والمياه الفاترة، فالندرة فيه محقَّقة؛ بخلاف السفر فإنه يكثر فيه البرد خصوصًا في البلاد الباردة. وحديثا عمرو وابن عباس حجة على عدم الإعادة، فإنه لم يُعِدْ، ولم يأمره النبي - صلى الله عليه وسلم - بالإعادة ولا لأحد صلَّى خلفه، وقد أقرَّه على تعليله بخشية الضرر، وهي علّة تجمع المقيم والمسافر؛ ولأنه فعَل العبادة بحسب قدرته، فلم يلزمه الإعادة، كالمريض والمسافر.
-
والفرق بين العذر النادر والغالب فيما رجع إلى الإخلال بصفات العبادة لا دليل عليه، وإنما فرِّق بين الصوم والصلاة في الحيض، لأن الحائض تركت الصوم بالكلية. وهؤلاء قد فعلوا المفروض في الوقت، فإذا وجب قضاؤه لزمهم فعلُ العبادة مرَّتين، ولا أصل لذلك يقاس عليه. ثم إن الحائض يجب عليها صوم واحد في وقت القضاء، وهؤلاء يجب عليهم القضاء مع الفريضة في الوقت الثاني، فهم بقضاء الحائض للصلاة أشبه. ومتى أوجبنا عليه الإعادةَ، فالثانية في فرضه (٢) والأولى نافلة، ذكره القاضي (٣) ، بخلاف ما لو لم تجب عليه الإعادة، كالمعادة مع إمام الحيِّ، فإن الفرض قد سقط هناك بالأولى. وإنما حُكِم بكون (٤) الأولى نافلةً عند
vol. 2, p. 489براءة ذمته بالإعادة. [١٥٩/ب] ويتوجَّه أن يكون كلٌّ منهما فرضًا، وإنما وجب عليه صلاتان لاشتمال كلِّ واحدة (١) على نوع من النقص ينجبر بالأخرى.