مسألة: (فإن أمكنه استعماله في بعض بدنه، أو وجد ماء لا يكفيه لبعض طهارته، استعمله وتيمم للباقي)

15 paragraphs · vol. 2, p. 489

  1. هنا مسألتان:
  2. إحداهما: إذا أمكنه استعماله في بعض بدنه، مثل أن يكون بعضُه صحيحًا وبعضُه جريحًا، أو يمكن الذي يخاف البرد أن (٤) يتوضأ ويغسل مغابنَه وشبَه ذلك، فيلزمه غسلُ ما يقدر عليه في الطهارتين الصغرى والكبرى، لحديث صاحب الشجَّة حيث قال له النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إنما كان يكفيه أن يتيمَّم ويعصِرَ ــ أو: يعصِب ــ على جرحه خرقةً، ثم يمسح عليها، ويغسل سائر جسده» (٥) . وفي حديث عمرو أنه غسَل مغابنه، وتوضَّأ وضوءَه للصلاة، ثم صلَّى بهم (٦) .

  3. وذلك لأن الله تعالى يقول: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا

    vol. 2, p. 490اسْتَطَعْتُمْ} [التغابن: ١٦] . وقال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «إذا أمرتُكم بأمرٍ فَأْتُوا منه ما استطعتم» (١) . وهذا يستطيع التطهُّرَ بالماء في بعض بدنه فيلزمه، ويكون التيمُّم عما لم يصبه الماء. ومثلُ ذلك مثلُ من غسَل أكثر أعضائه، ثم انقلب ماءُ طهارته، فإنه يتيمَّم له.

  4. هذا إذا لم يمكن غسلُ بقية البدن ولا مسحُه. فإن أمكن مسحُه دون غسله، فعنه: يلزمه المسح، لأنه بعضُ المأمور به فيلزمه، والتيمُّمُ بدلًا عن تمام الغسل. وعنه: يلزمه المسح فقط، لأنه أقرب إلى معنى الغسل، ولأنه [لو] (٢) [١٦٠/أ] كان عليه حائل أجزأه مسحُه فمسحُ البشرة أولى. وعنه: يلزمه التيمُّم فقط، لأن الفرض هو الغسل وقد عجز عنه، فينتقل إلى بدله. وهذه (٣) اختيار القاضي وغيره من أصحابنا. فإن كان الجرح نجسًا أو عليه (٤) لصوق أو عِصابة أو جبيرة، فقد تقدَّم حكمها.

  5. الثانية: إذا وجَد ما لا يكفيه لجميع طهارته، فإنه يستعمله، ويتيمَّم لما لم

    vol. 2, p. 491يصبه الماء في الغسل والوضوء في أحد الوجهين. وفي الآخر، وهو قول أبي بكر (١) : يستعمل الجنُب ما وجد دون المحدِث، لأن الجنب يرتفع حدثه عمّا غسَله. وإذا وجد بعد ذلك ماءً غسَل بقيةَ بدنه، لأن الموالاة لا تجب في الغسل؛ بخلاف المحدِث فإنَّ الموالاة واجبة في الوضوء، فلا يستفيد بغسل البعض فائدةً. ولهذا شُرع في الجماع غسلُ بعض بدن الجنب عند النوم والأكل والجماع، ولم يُشرَع غسلُ بعض أعضاء المحدِث.

  6. والأول قول أكثر أصحابنا، لما تقدَّم في التي قبلها، ولأنه من شروط الصلاة، فالعجزُ عن بعضه لا يُسقِط الممكَن منه كالسترة وغسل النجاسة. ونقضوا التعليل بالموالاة بما إذا كان بعضُ أعضائه جريحًا وكمن يُحسِن (٢) بعضَ الفاتحة. ثم قد يمكن الموالاة إذا وجد ماءً قبل جفاف الأعضاء. ثم عجزهُ (٣) عن الموالاة إذا (٤) أسقطها لم يسقط (٥) ما هي شرطٌ له، وهو الغسل، كشرائط غيرها (٦) .

  7. فصل

    وإذا كان [١٦٠/ب] الماء الذي وجده الجنبُ يكفي أعضاء الوضوء غسَلَها به ناويًا عن الحدثين، فتحصل له الطهارة الصغرى وبعض الكبرى،

    vol. 2, p. 492كما فعل عمرو، وكما أُمِر به النائم والآكل. وإذا وجد ما لا يكفيه لم يتيمَّم حتى يستعمل الماء، ليتحقَّق العدم الذي هو شرط التيمم، وليتميز (١) المغسول عن غيره ليعلم ما يتيمَّم له.

  8. وإن كان بعض أعضائه جريحًا أو مريضًا، فله أن يبدأ إن شاء بالغسل وإن شاء بالتيمُّم في الحدث الأكبر، لأن الترتيب بين أعضاء الجنب لا يجب في طهارته بالماء، فأن لا يجب بين الماء والتراب أولى. وله أن يفصل بين التيمُّم والغسل (٢) بزمن طويل، كما في أصل الغسل.

  9. وإن كان في الحدث الأصغر ففيه وجهان (٣) :
  10. أحدهما: يجب الترتيب والموالاة بين التيمم وما يفعله (٤) من الوضوء، كما يجب في نفس الوضوء. فإذا كان الجرح في وجهه بدأ بالتيمُّم، ثم غسَل بقية الوجه وما بعده. وإن شاء غسَل الممكنَ من الوجه، ثم تيمَّم (٥) ، ثم غسَل بقية الأعضاء. وإن كانت الجروح في الأعضاء كلِّها تيمَّم لكلِّ عضو حيث (٦) يُشرَع غسلُه (٧) . فإن تيمَّم لها تيمُّمًا واحدًا كان بمنزلة غسلها جملةً

    vol. 2, p. 493واحدةً، وذلك لا يجوز؛ بخلاف ما لو تيمَّم عن جملة الوضوء، فإنّ التيمم هناك بدلٌ عن جملة الوضوء، وهو طهارة واحدة. وهنا هو بدل عن المتروك غسلُه، وهو أشياء مرتَّبة. ويجب عليه أن يغسل الصحيحَ من أعضائه مع التيمُّم لكلِّ صلاة، لتحصل [١٦١/أ] الموالاةُ بين الوضوء، لأن الترتيب واجب في غسل الموضع الجريح، فكذلك في بدله، لأن البدل يقوم مقام المبدَل. هذا اختيار القاضي وابن عقيل (١) .

  11. والثاني: لا يجب في ذلك ترتيب وموالاة كتيمُّم الجنب، لأنهما طهارتان مفردتان، فلم يجب الترتيب والموالاة بينهما، وإن اتحد سببُهما (٢) كالوضوء والغسل. ولأنّ التيمُّم لو كان في محلِّ الجرح لكان حريًّا أن لا يجب ترتيبه على [الوضوء] (٣) لأنهما من جنسين، فأن لا يجب ترتيبه مع مشروع في غير محلِّ الجرح أولى (٤) . ولأن الترتيب إنما وجب فيما أمر الله بغسله ومسحه، ليبدأ بما بدأ الله به، وهذا الجُرح ليس مأمورًا بغسله ولا مسحه، فلا ترتيب له. ووجوبُ الترتيب له لا يلزم منه الترتيب لبدله، لأن البدل في غير محلِّ (٥) المبدل منه. وهو أخفُّ (٦) منه قدرًا وموضعًا وصفةً،

    vol. 2, p. 494ومن غير جنسه. ثم فيه من المشقَّة ما ينفيه قوله تعالى: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} [الحج: ٧٨] وقوله تعالى: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} [البقرة: ١٨٥] .

  12. وما لا يمكن غسلُه من الصحيح إلا بانتشار الماء إلى الجريح (١) ، حكمُه (٢) حكمُ الجريح، كما قلنا في الجبيرة. فإن أمكنه ضبطُه بحيث لا ينتشر الماء إليه لزمه. وإن لم يمكنه ضبطُه، وقدَر أن يستنيب من يضبِطه، لزمه ذلك؛ وإلّا سقط غسلُه، وأجزأه التيمم.

  13. فصل (٣)

  14. فإن كان محدثًا عليه (٤) نجاسة، والماء يكفي إحدى الطهارتين= أزال به النجاسة، وتيمَّم، لأن التيمُّم عند الحدث ثابت بالنص [١٦١/ب] والإجماع.

  15. حتى لو كانت النجاسة على ثوبه الذي لا يجد غيره، أزالها بالماء في إحدى الروايتين. وفي الأخرى: يتوضأ، ويدع الثوب، وإن لم يتيمَّم له، لأنّ طهارة الثوب مختلَف فيها، والوضوء مجمَع عليه. ولو كانت النجاسة على بدنه وثوبه غسَل الثوبَ، وتيمَّم للبدن. ويتوجه على الرواية الثانية أن يغسل البدن.