مسألة: (الشرط الثاني: الوقت، فلا يتيمم لفريضة قبل وقتها، ولا لنافلة في وقت النهي عنها)
20 paragraphs · vol. 2, p. 495
- vol. 2, p. 495
هذا المشهور في المذهب، لأنَّ الله أمر القائمَ إلى الصلاة بالوضوء، فإن لم يجد الماء تيمَّم. وهذا يقتضي أن لا يتيمَّم إلا بعد القيام (٣) إلى الصلاة وإعواز الماء. وإنما جاز الوضوء قبل الوقت، لأنه يرفع الحدث بخلاف التيمم. و (٤) لأن الآية خطاب للمحدِثين، والمتيمِّم داخل فيهم بخلاف المتوضئ. ولأن التيمُّم طهارة ضرورة، فلم يجُز قبل الوقت، كطهارة المستحاضة. ولأنه حكمٌ مقيَّد بالضرورة فتُقيَّد بقدرها، كأكل الميتة. ولأنه هو مستغنٍ عنه فلم يجُز، كتيمُّم الواجد للماء؛ مع ظاهر قوله - صلى الله عليه وسلم -: «أينما أدركتْني الصلاةُ تمسَّحتُ وصلَّيتُ» (٥) ،
وقوله عليه السلام: «أينما أدركَتْ
vol. 2, p. 496رجلًا من أمتي الصلاةُ، فعنده مسجده، وعنده طهوره» (١) . رواهما الإمام أحمد.
-
وفيه رواية أخرى مخرَّجة، وهي (٢) : أنه يجزئ كالماء. وهذا في التيمُّم للصلاة؛ فأمَّا التيمُّم لغير ذلك مما تبيحه الطهارة كالطواف [١٦٢/أ] ومسِّ المصحف، وقراءة القرآن، واللُّبثِ في المسجد، والحائض المنقطع دمُها للوطء= فيجوز في كلِّ وقت يجوز فعلُه فيه، لأنها أفعالٌ تبيحها الطهارة بالماء، فأبيحت بالتراب كالصلاة؛ ولقوله عليه السلام (٣) : «الصعيدُ الطيِّبُ طَهورُ المسلم إذا لم يجد الماء عشر سنين» (٤) . فإذا دخل الوقت جاز له أن يتيمَّم ويصلِّي، سواء غلب على ظنِّه أنه يجد الماء في الوقت أو لم يغلب. ولا إعادة عليه إذا وجد الماء في الوقت، إلّا إذا تيقَّن وجودَ الماء في الوقت، على رواية تقدَّمت، لأنه مخاطب بالصلاة في أول الوقت.
-
وقد روى أبو داود والدارقطني عن أبي سعيد أنّ رجلين من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - خرجا في سفر، فحضرت الصلاة، وليس معهما ماء، فتيمَّما صعيدًا طيّبًا، فصلَّيا، ثم وجدا الماء في الوقت، فأعاد أحدهما ولم يُعِد الآخر. ثم أتيا رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فذكرا ذلك له، فقال للذي لم يُعِد: «أصبتَ السنَّة،
vol. 2, p. 497وأجزأتك صلاتك» وقال للذي أعاد: «لك الأجر مرَّتين» (١) .
-
ولأنه أدَّى فرضه كما أُمِر، فلم يلزمه إعادة، كما لو وجد الماء بعد الوقت. لكن إن أعاد في الوقت فهو مستحَبٌّ في أحد الوجهين، للحديث الذي ذكرناه؛ ولأن من العلماء من يوجب الإعادة. وفي الآخر: لا تستحبُّ، كما للمستحاضة (٢) إذا انقطع دمها في الوقت بعد الصلاة، وللماسح على الخفين. [١٦٢/ب] فأمَّا إذا وجد الماء بعد الوقت، فلا تشرع الإعادة.
-
والأفضل تأخير التيمم إلى آخر الوقت، وأن لا يزال يطلبه حتى يخاف فوت الوقت. نصَّ عليه، لقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إذا أجنَب الرجلُ في السفر تلوَّم (٣) ما بينه وبين آخر الوقت، فإن لم يجد الماء تيمَّم» رواه أبو حفص (٤) . ولأن التأخير جائز من غير كراهة، فإذا كان لتحصيل فضيلة
vol. 2, p. 498مرجوَّة كان أفضل، كما لو أخَّره لطلبِ جماعة، أو تخفُّفٍ من الأخبثين، وأولى. وهذا عند أكثر أصحابنا: القاضي (١) وأبي الخطاب وغيرهما (٢) لمن يرجو وجود الماء في آخر الوقت، بحيث يكون طمعه ويأسه متقاربَين. فأمَّا إن يئس من وجوده في غالب الظنِّ فلا يستحَبُّ التأخير. ومنهم من استحبَّ التأخير مطلقًا لأن وجود الماء ممكن. وكلام أحمد مطلق في استحباب التأخير (٣) .
-
وإذا تيمَّم للمكتوبة صلَّى صلاة الوقت، وجمَع بين الصلاتين، وصلَّى الفوائت والنوافل والجنازة، حتى يخرج الوقت، في أشهر الروايات. وفي الأخرى: يتيمَّم لكلِّ فريضة. وقيل: يتيمَّم لكلِّ نافلة أيضًا. وبكلِّ حال، فيستبيح (٤) الطوافَ، وقراءةَ القرآن، ومسَّ المصحف، واللبثَ في المسجد، وكذلك وطء الحائض، في أقوى الوجهين. والثالثة: يصلِّي بتيمُّمه ما لم يُحدِث كالماء.
-
ووجه الأوليين (٥) : ما روى مجاهد عن ابن عباس أنه قال: من السنّة [١٦٣/أ] أن لا يصلِّي بالتيمُّم إلا صلاةً واحدةً، ثم يتيمَّم للصلاة الأخرى (٦) .
- vol. 2, p. 499
والصاحب إذا أطلق السنَّة، فإنما يعني سنّة النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -.
-
وروى ابن المنذر (١) عن ابن عمر قال: يتيمَّم لكل صلاة.
-
وعن علي قال: التيمُّم عند كلِّ صلاة (٢) .
-
وعن عمرو بن العاص قال: يجدِّد لكلِّ صلاة تيمُّمًا (٣) .
-
ولم يُعرَف لهم في الصحابة مخالفٌ إلا رواية عن ابن [عباس] (٤) (٥) والمشهور عنه خلافها. ولأنّ الله تعالى أمَر (٦) بالتيمُّم عند القيام إلى الصلاة كما تقدَّم، ولأنّ التيمّم لا يرفع الحدث لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لعمرو بن العاص: «أصلَّيتَ بأصحابك، وأنت جنُب؟» (٧) سمَّاه جنبًا مع علمه أنه قد تيمَّم للبرد.
-
ولأن المتيمِّم إذا وجد الماءَ استعمله بحكم الحدث السابق، فلو كان
vol. 2, p. 500الحدث قد ارتفع لما عاد إلا بوجود سببه. فمن قال: يتيمَّم لفعل كلِّ صلاة تمسَّك بظاهر هذه الآثار.
-
والصحيح: أنَّ معناه يتيمَّم [عند] (١) كلِّ صلاة من الصلوات المعهودة، و (٢) هي المكتوبات في أوقاتها، لأنه هو (٣) المتبادر إلى الفهم من ذلك (٤) . ولهذا قال ابن عباس: «ثم يتيمَّم للصلاة الأخرى» ، والتعريف للعهد. ولهذا لا يجب التيمُّم لفعل كلِّ نافلة. و [لو] (٥) وجب (٦) لما قال: «يتيمم للصلاة الأخرى» ، بل قال: يتيمَّم للرواتب قبلها وبعدها. وقولُ علي: «عند كلِّ صلاة» تنبيهٌ على الوقت. ولأنّ النوافل تُفعَل بتيمُّم واحد وبتيمم الفريضة، فكذلك الفرائض [١٦٣/ب] في وقت واحد. ولأنَّ طهارة المستحاضة إنما تبطل بخروج الوقت، مع دوام الحدث وتجدُّده، فطهارةُ المتيمِّم أولى.
-
وإذا نوى الجمعَ بين الصلاتين في وقت الثانية صار وقتهما (٧) وقتًا واحدًا، حتى لو تيمَّم في وقت الأولى لها (٨) أو لفائتةٍ (٩) لم يبطل تيمُّمه
vol. 2, p. 501بدخول وقت الثانية.
-
وإذا استباح ما تمنع منه الجنابةُ، كقراءة القرآن، واللُّبثِ في المسجد؛ أو حدثُ الحيض كالوطء، بتيمُّمٍ له أو لصلاة= بطل أيضًا بخروج الوقت، في أحد الوجهين اختاره القاضي. وفي الآخر: لا يبطل (١) ، كما لا يبطل (٢) بنواقض [الوضوء] (٣) ، لأنَّ وقت الصلاة لا تعلُّق له بذلك. ويحتمل أن تبطل إذا استباح ذلك بتيمُّم الصلاة، دون ما استباحه بتيمُّمه.
-
فصل
ويجوز أن يجمع بتيمُّم واحد بين طوافين كطواف الإفاضة وطواف منذور، وكذلك بين صلاتي جنازة، ذكره القاضي، كالجمع بين صلاتين في الوقت، وأولى. ويبطل (٤) كذلك بخروج وقت الصلاة، كالتيمُّم للفريضة. وكذلك التيمُّمُ للنافلة مقدَّرٌ بوقت المكتوبة، لأنه إذا بطل بخروج الوقت تيمُّمُ (٥) الفريضة، فما سواه أولى.
-
والمنصوص عن أحمد (٦) : أنه إذا صلَّى على الجنازة بتيمُّم، ثم جيء
vol. 2, p. 502بجنازة أخرى حين سلَّم من الأولى، صلَّى عليها بذلك التيمُّم. وإن كان بينهما وقت يمكنه فيه التيمّمُ لم يصلِّ على الأخرى حتى يعيد التيمُّم.
-
وهذا لأن التيمُّم للجنازة ونحوها لا يتقدَّر بوقت المكتوبة، [١٦٤/أ] لأنه لا يستبيح به المكتوبة، فالفعل المتواصل في هذه العبادات كتواصل الوقت (١) للمكتوبة. فإذا وجبت الثانية بعد زمن يتَّسع للتيمُّم صارت مستقلّةً بنفسها، وانفصل وقتها عن وقت الأولى، كصلاتي الوقتين. وعلى قياس المنصوص كلُّ ما ليس له وقت محدَّد من العبادات، كمسِّ المصحف (٢) والطواف ونحوهما. وحمل القاضي هذا على الاستحباب، وظاهرُ المنصوص خلافه. فعلى هذا، النوافل الموقّتة كالوتر (٣) والكسوف والسنن الرواتب وصلاة الليل يبطل (٤) [التيمُّمُ لها] (٥) بخروج وقت تلك النافلة.
-
وأمّا النوافل المطلقة، فيحتمل أن تكون كالجنازة ونحوها يعتبر (٦) فيه تواصلُ الفعل، ويحتمل أن يمتدَّ وقتها إلى وقت النهي عن النافلة. فأما إن كان التيمُّم للمكتوبة تعلَّق الحكمُ بوقتها، فيصلِّي فيه ما شاء من جنائز
vol. 2, p. 503ونوافل، لأن ذلك على (١) سبيل التبع للمكتوبة.