مسألة: (الشرط الرابع: التراب. فلا يتيمم إلا بتراب طاهر له غبار)
13 paragraphs · vol. 2, p. 506
- vol. 2, p. 506
هذه ثلاثة شروط:
الأول: أنه لا يتيمَّم إلا بالتراب خاصَّة. وعنه: أنه يجوز بالرمل. وحمَلها القاضي على رملٍ فيه تراب (٣) . وأقرَّها بعض أصحابنا على ظاهرها، لما روى أبو هريرة أنّ ناسًا من أهل البادية أتَوا رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم -، فقالوا: إنَّا نكون بالرِّمال الأشهرَ الثلاثةَ والأربعةَ، ويكون فينا الجنُب والنفساء والحائض، ولسنا نجد الماء. فقال: «عليكم بالأرض» . ثمَّ ضرَب بيديه على الأرض لوجهه ضربةً واحدةً، ثمَّ ضرَب أخرى (٤) فمسَح يديه إلى المرفقين. رواه
vol. 2, p. 507أحمد (١) .
-
ووجه الأول: أن الله قال: {فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا} [المائدة: ٦] ، قال ابن عباس: هو تراب الحَرْث. ولفظه فيما ذكره أحمد (٢) : «أطيَبُ الصَّعيد أرضُ الحَرْث» . ومعنى أرض الحرث: الأرض [١٦٦/أ] التي يكون فيها الشجر والزرع. قال أحمد: السِّباخ (٣) لا تُنبِت، والحجر لا يُنبِت، والحَرث يُنبِت.
-
وعن حذيفة بن اليمان أن النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «فُضِّلْنا على الناس بثلاث: جُعِلت صفوفُنا كصفوف الملائكة، وجُعِلت لنا الأرضُ مسجدًا، وجُعلت تربتُها لنا طَهورًا، إذا لم نجد الماء» رواه مسلم (٤) . فلما خصَّ التربة بالذكر بعد تعميم الأرض بكونها مسجدًا عُلِم اختصاصُها بالحكم.
-
وحديث الرمل ضعيف، لأنّ فيه المثنَّى بن الصبَّاح. ثم إن صحَّ فهو محمول على الرمال التي فيها تراب، لأنَّ [في] لفظٍ (٥) آخر: «عليكم
vol. 2, p. 508بالتراب» (١) ، فيدلّ على [أنَّ] (٢) الذي في الرمل إنما يتيمَّم (٣) بالتراب، لأن العرب عادتها أن تعزب إلى الأرض التي (٤) لها حشائش رطبة، وإنما تنبت (٥) الحشائش الرطبة في الرمل الذي يخالطه التراب. ولأنَّ الرمل لا يلصق باليد فأشبَه الحصباءَ، ولأن طهارة الوضوء خُصَّت بالنوع الذي (٦) أصلُ المائعات، وكذلك التيمم يُخَصُّ بالنوع الذي هو أصل الجامدات وهو التراب.
-
فأمّا الأرض السَّبِخة، فقد قال أحمد (٧) : أرضُ الحَرث أحبُّ إليَّ. وإن تيمَّم من أرضٍ سبِخةٍ أجزأ. وقال أيضًا (٨) : من الناس من يتوقَّى السبخة، لأنها تُشبه الملح. وقال أيضًا (٩) : لا يُعجبني التيمُّم بالسِّباخ، لأنه لا يثبُت (١٠) في يده
vol. 2, p. 509منه شيءٌ يخرج منها إلى غيرها. فمن أصحابنا من جعلها كالرمل، والمذهب: أنها إذا كان لها غبار فهي كالتراب، [١٦٦/ب] وإن لم يكن لها غبار فهي كالرمل؛ وعلى هذا ينزَّل كلام أحمد.
-
فإن عدِم الترابَ وجب عليه التيمُّم بالرمل والسَّبَخة والنُّورة (١) والكُحل والزِّرنيخ (٢) والرَّماد وكلِّ طاهر تصاعَد على وجه الأرض، في إحدى الروايتين، اختارها ابنُ أبي موسى (٣) وغيره، لقوله عليه السلام: «جُعِلَتْ لي الأرضُ مسجدًا وطَهورًا، فأيُّما رجلٍ من أمتي أدركته الصلاةُ، فعنده مسجدُه وطَهورُه» (٤) .
-
ويُحمَل حديثُ حذيفة على حال وجود التراب، والأحاديثُ المطلقةُ على عدمه، لأن النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - أخبر أنَّ المسلم لا يزال عنده مسجده وطهوره، وقد يعدَم الترابَ في أرض الرِّمال والسِّباخ وغيرها. ولا إعادة عليه إذا وجد الماءَ أو التُّرابَ في أصحِّ الروايتين، كما لو عدِمَ الماءَ والتَّرابَ، وأولى. وفي الأخرى: يعيد لأنه عذر نادر، ويكون حكمه إذا وجد الترابَ كحكم المتمسِّح بالتراب إذا وجَد الماء، نصَّ عليه.
-
والرواية الثانية: لا يتيمَّم إلا بالتراب. اختارها الخلال (٥) وغيره لأنَّ ما
vol. 2, p. 510ليس بطَهور مع وجود التراب لا يكون طهورًا مع عدمه، كالحشيش والملح المائي.
-
فإن خالط الترابَ ما ليس بطهور كالكحل والنُّورة والزِّرنيخ، فخرَّجها القاضي على وجهين:
أحدهما، وهو اختيار أبي الخطاب (١) : أنَّ حكمَه حكمُ الماء إذا خالطته [١٦٧/أ] الطاهرات: إن لم تغيِّره لم تؤثِّر. وإن غيَّر اسمه وغلَب على أجزائه مُنِع، وإن غيَّر بعضَ صفاته، فعلى روايتَي الماء.
-
والثاني اختاره ابن عقيل وغيره (٢) : يُمنَع بكلِّ حال، لأنه ربما حصل في العضو، فمنَع وصولَ التراب إليه؛ إلا أن يكون مما ليس له غبار يعلَق كالشَّعير (٣) وسُحالة (٤) الذهب، فلا يؤثِّر ما لم يمنَع وصولَ غبار التراب إلى جميع اليد.
-
وإذا خالط الرمل التراب، وقلنا: لا يجوز التيمم به؛ فهل يمنع التيمم بالتراب؟ على وجهين ذكرهما القاضي وغيره.
-
الشرط الثاني: أن يكون طاهرًا، لأنَّ الله تعالى قال {صَعِيدًا طَيِّبًا} [المائدة: ٦] والطيِّب هو الطاهر.
-
[ ...................................................