مسألة: (الشرط الثالث: النية. فإن تيمم لنافلة لم يصل به فريضة. وإن تيمم لفريضة فله فعلها وفعل ما شاء من الفرائض والنوافل حتى يخرج وقتها)
7 paragraphs · vol. 2, p. 503
- vol. 2, p. 503
أمّا النية في الجملة، فلا بدَّ منها كالوضوء والغسل، وأوكد؛ لأنّ التراب في نفسه ليس بمطهِّر، وإنما يصير مطهِّرًا بالنية، ولأنَّ التمسُّح (٣) بالتراب إذا خلا عن نية كان عبثًا وتغبيرًا محضًا. وقد قيل: لأنه جاء في القرآن بلفظ القصد بقوله: {فَتَيَمَّمُوا} [المائدة: ٦] . وهذا [١٦٤/ب] ضعيف، لأن القصد للتراب لا لنفس العبادة.
-
وصفة (٤) النية هنا أن ينوي استباحة فعل من الأفعال التي يمنعها الحدث، كالصلاة ومسِّ المصحف. فأمَّا إن نوى رفع الحدث لم يصحَّ. وخرَّج الأصحاب روايةً: أنه يصحُّ بناءً على أن التيمم كالوضوء في صحة بقائه إلى ما بعد الوقت. وعلى هذا، فصفة نيته كصفة نية الوضوء: إن تيمَّمَ (٥) لما يجب له التيمُّم كالصلاة فرضِها ونفلِها ارتفع المنعُ مطلقًا، وإن
vol. 2, p. 504نواه لما تستحَبُّ له النية، ففيه وجهان كالوضوء. ولا يلزم من هذا أن يكون التيمّم رافعًا للحدث، بل يرفع منعَ الحدث، لأن المقصود من رفع الحدث إزالةُ منعه، [و] (١) ذلك موجود هنا، فإذا وجد الماء عاد المنع.
-
والتزم بعض أصحابنا على هذا أنَّ التيمّم يرفع الحدث رفعًا موقّتًا إلى حين وجود الماء، فإذا وجد الماء عاد بموجب السبب السابق، كما نقول: إن تخمُّر العصير يُخرجه من عقد الرهن، فإذا تخلَّل عاد بموجب العقد السابق، وكما قلنا في طهارة مسح الخفَّين على أقوى الوجهين.
وقال ابن حامد: إن نوى به استباحةَ الصلاة مطلقًا صلَّى به المكتوبة، وإن تيمَّم لنافلةٍ فلا (٢) . والمشهور أنه لا يستبيح بالتيمُّم إلا ما نواه، وما هو مثله أو دونه، لأن النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «وإنما لكلِّ امرئ ما [١٦٥/أ] نوى» (٣) ، ولأنّ الحدث قائم لم يرتفع كما تقدَّم، وإنما يبيح التيممُ فعلَ (٤) ما نواه كما تقدَّم.
-
ولا يلزم من إباحة الأدنى إباحة الأعلى. فعلى هذا إذا تيمَّم لصلاة حاضرة، مفروضة أو فائتة أو مطلقة، فعَلَ جميعَ ما سواها، لأنّ الفرضَ أكملُ أنواع الممنوعات بالحدث، المستباحةِ (٥) بالتيمم، ولا فرقَ بين أن تكون واجبة بالشرع أو النذر على مقتضى كلام أصحابنا.
- vol. 2, p. 505
ولا يستبيح (١) فعلَ الفرض إلا بنيَّته (٢) . وإذا نوى نافلة الصلاة مطلقةً (٣) أو معيّنةً، فله فعلُ جميع النوافل، والطوافُ: فرضُه ونفلُه، ومسُّ المصحف؛ لأنَّ الطهارة للنافلة أوكد منها لهما (٤) ، لاشتراطها للصلاة إجماعًا. ولا يباح فرض الجنازة لأنها واجبة. ولو تيمَّم للجنازة الواجبة أبيحت الصلاة النافلة، لأنها دونها. ويتخرَّج أن (٥) لا يصحَّ، إلا أنَّ أحمد جعل الطهارةَ لنفل الصلاة أوكد منه للجنازة.
-
وإن تيمَّم للطواف أبيح له اللبثُ في المسجد وقراءةُ القرآن. وكذلك ينبغي أن يكون مسُّ المصحف، أو قراءةُ القرآن، أو اللبثُ في المسجد؛ لم يستبح غير ذلك (٦) . وقيل: يستبيح بنيّة مسِّ المصحف القراءةَ واللُّبثَ، بخلاف العكس، وكلَّ واحد من القراءة واللُّبث بنيّة الآخر. وهذا أصحُّ، لأنَّ ما اشتُرط له الطهارتانِ (٧) أعلى مما اشتُرط له الطهارة [١٦٥/ب] الكبرى.
vol. 2, p. 506وقال القاضي: يستبيح بنيّة مسِّ المصحف [و] (١) قراءة القرآن جميعَ النوافل، لأن جميع ذلك نافلة، فهي في درجة واحدة.
-
ولو تيمَّم الصبيُّ لصلاةٍ، ثمَّ بلَغ، لم يجُز أن يصلِّيها به، لأنه كان لنافلة. وله أن يتنفَّل قبل الفريضة وبعدها. وعنه: ليس له أن يتنفَّل قبلها إلا السنن الرواتب، لئلا يصير النفلُ متبوعًا، بخلاف السنن الرواتب، فإنّ نية الفريضة تتضمَّنها.