مسألة: (وأقل الحيض: يوم وليلة)
10 paragraphs · vol. 2, p. 545
- vol. 2, p. 545
الأصل في هذا الكلام أن الأسماء التي عُلِّقت الأحكام بها في الشرع ثلاثة أقسام:
أحدها: ما بُيِّن حدُّه ومقدارهُ بالشرع، كأعداد الصلاة ومواقيتها، ونُصُب
vol. 2, p. 546الزكوات وفرائضها، وعدد الطوفات، ونحو ذلك.
-
وثانيها: ما يُعلَم حدُّه ومقدارُه من جهة اللغة، كالليل والنهار، والبرد والفجر (١) ، والسنة والشهر، ونحو ذلك.
-
وثالثها: ما ليس له حدٌّ في الشرع ولا في اللغة، فالمرجع (٢) فيه إلى ما تعرفه الناس ويعتادونه، كالحِرز (٣) والقبض والتفرُّق ونحو ذلك (٤) . والحيض شبيه بهذا القسم، فإن الدم الخارج من الفرج قسمان: دم حيض، ودم عِرق. ولا بدَّ من الفصل بينهما، لترتيب أحكام الحيض على دم (٥) الحيض دون الدم الآخر.
-
ولا شك أنَّ دم الحيض دم طبيعة وجبلَّة مثل خروج المني والبول وغير ذلك من الإنسان، ودم الاستحاضة دم فساد ومرض وعِرق. فإذا خرج الدم على الوجه المعتاد في النساء كان دم حيض، وإن خرج من العادة كان استحاضة بمنزلة الجرح.
-
والغالبُ على النساء أنهن يحضن ستًّا أو سبعًا. وقد وُجِد [١٨١/أ] كثيرًا
vol. 2, p. 547مَن تحيض أقلَّ من ذلك إلى [يوم أو يومين] (١) . قال عطاء بن أبي رباح: رأيتُ من النساء من كانت تحيض يومًا، ومن كانت تحيض خمسة عشر يومًا (٢) .
-
وذكر إسحاق بن راهويه عن بكر المزني أنه قال: تحيض امرأتي (٣) يومين.
-
وذكر عبد الرحمن بن مهدي عن امرأة يقال لها أمُّ العلاء قالت: حيضتي منذ آباد الدهر يومان. فلم تزل على ذلك حتى قعدت عن الحيض (٤) .
وقال الشافعي (٥) : رأيتُ امرأةً أُثبِتَ لي عنها أنها لم تزل تحيض يومًا، لا تزيد عليه. وأُثْبِتَ لي عن نساء أنهن لم يزلن يحضن أقلَّ من ثلاثة أيام.
وقال إسحاق: قد صحَّ في زماننا عن غير واحدة أنها قالت: حيضتي يومان (٦) . قال: وقالت امرأة معروفة من أهلنا: لم أفطر منذ (٧) عشرين سنة في رمضان إلا يومين (٨) .
vol. 2, p. 548وقال أبو عبد الله الزبير البصري (١) : كان من نسائنا من تحيض يومًا، ومن تحيض خمسة عشر يومًا (٢) .
-
فإذا كان هؤلاء العلماء قد أخبروا بذلك عُلِم أنَّ في النساء من تحيض اليومَ واليومَين كثيرًا، فصار ذلك أمرًا معروفًا معتادًا في النساء.
-
وكذلك قال الخلال: مذهب أبي عبد الله لا اختلاف فيه أنَّ أقلَّ الحيض يومٌ، وأكثرَه خمسة عشر (٣) . لكن اختلفت الرواية في هذا اليوم، فعنه: هو يوم بليلته، كما ذكره الشيخ. وعنه: يوم بدون ليلته (٤) . اختاره أبو بكر (٥) ، لأن الأوزاعي قال: عندنا امرأة تحيض بكرةً وتطهُر عشيةً (٦) ، ولأن الأصل في كلِّ دم خارج أن يكون حيضًا، لأنَّ دم [١٨١/ب] الاستحاضة دم عارض لعلّة، والأصل عدمها.
-
والأولى: اختيار الخرقي وأكثر أصحابنا (٧) ، لأن اليوم المطلق هو
vol. 2, p. 549بليلته، ولأن ذلك قد (١) ثبت تكرُّره في النساء، وما دون ذلك لم يُنقَل إلا عن واحد، فلا يثبت العرف والعادة به، كما لم تثبت العادةُ [في] (٢) حقِّ المرأة بمرَّة واحدة. فأما ما دون اليوم إذا وُجِد، فلا يكون حيضًا، لأنه لم يثبُت في ذلك حيض معتاد، فأشبه دمَ الصغيرة والآيسة. ولأنَّ الحيض يمنع الصوم والصلاة كما في الأحاديث، والمجَّة الواحدة لا تمنع ذلك.