مسألة: (ويمنع عشرة أشياء: فعل الصلاة، ووجوبها، وفعل الصيام، والطواف، وقراءة القرآن، ومس المصحف، واللبث في المسجد، والوطء في الفرج، وسنة الطلاق، والاعتداد بالأشهر. ويوجب الغسل، والبلوغ، والاعتداد به)
67 paragraphs · vol. 2, p. 522
Page 1 of 2
- vol. 2, p. 522
الحَيض: مصدر حاضت المرأة تحيض حيضًا ومحيضًا، إذا جرى دمها. ويسمَّى الدم حَيضًا. وهو دمُ خلقة وجبلّة، وكتبه (١) الله على بنات آدم بحكمة غذاء الولد ونباته. فالولد يُخلَق من ماء الرجل والمرأة، ثم يغذَّى في الرحم بدم الطمث، فإذا وُلِد تحوَّل الدم لبنًا فيرضع منه. فإذا خلت الرحم عن (٢) [١٧٢/ب] ولد اجتمع الدم، ثم خرج في أوقات معلومة. قال بعضهم: ولذلك وصَّى النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - ببرِّ الأم ثلاث مرَّات، وببرِّ الأب مرةً واحدةً (٣) .
-
والأصلُ في ثبوت أحكام الحيض: الكتاب، والسنَّة، والإجماع، على ما يذكر في أثناء المسائل إن شاء الله تعالى.
-
مسألة (٤) : (ويمنع عشرة أشياء: فعلَ الصلاة، ووجوبَها، وفعلَ الصيام، والطَّوافَ، وقراءةَ القرآن، ومسَّ المصحف، واللُّبثَ في المسجد، والوطءَ في الفرج، وسنّةَ الطلاق، والاعتدادَ بالأشهر. ويُوجب الغُسْل، والبلوغَ، والاعتداد به. فإذا انقطع الدمُ أبيح فعلُ الصيام والطلاق، ولم يُبَح سائرُها حتى تغتسل. ويجوز الاستمتاعُ من الحائض
vol. 2, p. 523بما دون الفرج، لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «اصنعوا كلَّ شيء إلّا النكاح» ).
-
في هذا الكلام فصول:
أحدها: أنَّ الحائض لا يحِلُّ لها أن تصلِّي ولا تصوم، فرضًا ولا نفلًا. فإذا طهرت وجب عليها قضاء الصوم المفروض دون الصلاة. وهذا مما اجتمعت عليه الأمة.
-
وقد روى الجماعة (١) عن معاذة العدَويّة قالت: سألتُ عائشةَ فقلتُ لها: ما بالُ الحائض تقضي الصومَ ولا تقضي الصلاة؟ فقالت: أحَرُوريَّة أنتِ؟ فقالت: لستُ (٢) بحَروريَّة، ولكنّي أسأل. فقالت: كنّا نحيض على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فنؤمر بقضاء الصوم، ولا نؤمر بقضاء الصلاة.
-
ومعنى قولها: «أحرورية أنت؟» الإنكارُ عليها أن تكون من أهل حَرُوراء، وهي مكان تنسب (٣) إليه الخوارج. وإنما [١٧٣/أ] قالت ذلك لأن (٤) من الخوارج مَن كان يأمرها بقضاء الصلاة لفرط تعمُّقهم في الدين حتى مرَقوا منه.
-
وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - للنساء (٥) : «أليستْ إحداكنَّ إذا حاضت لم تُصَلِّ ولم
vol. 2, p. 524تَصُمْ؟ » قلن: بلى. متفق عليه (١) .
وقال للمستحاضة: «إذا أقبلتِ الحَيضةُ فدَعي الصَّلاةَ» (٢) .
-
والصَّومُ واجب في ذمّتها حين الحيض. وكذلك على المسافر، وكلِّ من لزمته العبادة قضاءً فإنها وجبت في ذمته، كما يجب الدَّين المؤجَّل في ذمة المدين، وكذلك يفعلها قضاءً، لكنَّ ذلك مشروط بالتمكُّن منها فيما بعد. فإن مات قبل التمكُّن لم يكن عاصيًا. فإذا انقطع دمه (٣) صحَّ الصوم في المعروف من المذهب، كما يصحُّ صوم الجنُب، لأن الطهارة غير مشروطة للصوم. ولم تصحَّ صلاتها، لكن تجب في ذمتها، لأنها صارت قادرة على فعلها.
-
الفصل الثاني: أنه لا يجوز لها أن تطوف بالبيت، لما أخرجاه في «الصحيحين» (٤) عن عائشة - رضي الله عنها - أنّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال لها لما حاضت وهي محرِمة: «اقضي ما يقضي الحاجُّ إلا أنك لا تطوفي (٥) بالبيت حتى تطهري» متفق عليه (٦) . وفي لفظ لمسلم (٧) : «حتى تغتسلي» .
- vol. 2, p. 525
ولما قالت له (١) : إنّ صفية بنت حُيَيّ قد حاضت قال: «أحابستنا هي؟» قالت: إنها قد أفاضت. قال: «فلا إذن» (٢) . فلو كان طوافها جائزًا (٣) لم تَحبِسهم.
-
ولأنّ الطواف بالبيت صلاة ــ كما تقدَّم ــ والحائض لا يجوز لها أن تصلّي. ولأنّ الطواف لا يصح إلا في المسجد الحرام، والحائض لا يجوز لها أن تلبث [١٧٣/ب] في المسجد، توضَّأتْ أو لم تتوضأ.
-
فإن خالفت وطافت لم يُجزئْها (٤) الطواف في أشهر الروايتين. وفي الأخرى: تجبُره بدم ويجزئها مع التحريم، كما يجبُر بالدم من ترك شيئًا من الواجبات وفعل شيئًا من المحظورات، مع التحريم والإثم (٥) .
-
الفصل الثالث: أنه لا يجوز لها قراءةُ القرآن (٦) ، ومسُّ المصحف، واللبثُ في المسجد؛ لأنَّ حدثها كحدث الجنب، وأغلَظُ؛ لقيام سبب الحدث. وسواء في ذلك ما قبل الانقطاع وما بعده، لأنَّ أحسن أحوالها أن تكون كالجنُب.
- vol. 2, p. 526
ولها العبور في المسجد، لكن إن كان دمها جاريًا فإنها تتلجَّم لأمنِ (١) تلويث المسجد. وقيل: لا تدخله إلا لأخذِ شيء منه، دون وضعِ شيء فيه؛ للحاجة إلى ذلك. وقد تقدَّمت الأحاديث في جواز ذلك.
-
وأمّا اللبثُ فيه بالوضوء، فيجوز إذا انقطع دمها. وأمَّا قبل، فلا يجوز، نصَّ عليه، لأن طهارتها لا تصح، لأنَّ سببَ (٢) الحدث قائم. ولذلك لم يستحبَّ لها الوضوء لنوم أو أكل ونحو ذلك.
-
الفصل الرابع: أنه يحرم وطؤها في الفرج. فأمَّا الاستمتاع منها فيما دون الفرج مثل القبلة واللمس والوطء دون الفرج، فلا بأسَ به، لقول الله سبحانه وتعالى: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ} [البقرة: ٢٢٢] .
-
والمحيض: إما أن يكون اسمًا لمكان الحيض كالمَقِيل والمَبِيت (٣) ، فيختصُّ التحريمُ بمكان الحيض، وهو الفرج. أو هو الحيض، وهو الدم نفسه، لقوله: {هُوَ أَذًى} (٤) . أو [١٧٤/أ] نفسُ خروج الدم الذي يعبَّر عنه
vol. 2, p. 527بالمصدر كقوله: {وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ} [الطلاق: ٤] .
-
فقوله على هذا التقدير: {فِي الْمَحِيضِ} يحتمل مكانَ الحيض، ويحتمل زمانَه وحالَه. فإن كان الأول، فمكانُ المحيض هو الفرج. وإن كان المراد: فاعتزِلوا النساء في زمن المحيض، فهذا الاعتزال يحتمل اعتزالَهن مطلقًا كاعتزال المُحرِمة والصائمة، ويحتمل اعتزالَ ما يراد منهن في الغالب، وهو الوطء في الفرج، وهذا هو المراد بالآية لوجوه:
أحدها: أنه قال: {هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ} [البقرة: ٢٢٢] فذكر الحكمَ بعد الوصف بحرف الفاء، وذلك يدلّ على أنّ الوصف هو العلّة، لا سيّما وهو مناسب للحكم، كقوله: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا} (١) [المائدة: ٣٨] و {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ} [النور: ٢] . فإذا كان الأمر باعتزالهن من الإيذاء إضرارًا أو تنجيسًا، وهذا مخصوص بالفرج، فيختصُّ بمحلِّ سببه.
-
وثانيها: أنَّ الإجماع منعقد على أنّ اعتزالَ جميع بدنها ليس هو المراد، كما فسَّرته السنة المستفيضة، فانتفت الحقيقة المعنوية، فتعيَّن حملُه على الحقيقة العُرفية ــ وهو المجاز اللغوي ــ وهو اعتزال الموضع المقصود في الغالب، وهو الفرج؛ لأنه يُكنى عن اعتزاله باعتزال المرأة كثيرًا، كما يُكنى عن مسِّه بالمسِّ والإفضاء مطلقًا.
-
وبذلك فسَّره ابن عباس فيما رواه ابن أبي طلحة عنه في قوله: {فَاعْتَزِلُوا
vol. 2, p. 528النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ} [البقرة: ٢٢٢] يقول (١) : فاعتزِلُوا نكاحَ فروجهن. رواه عبد بن حميد، وابن جرير (٢) ، وأبو بكر عبد العزيز، وغيرهم في [١٧٤/ب] تفاسيرهم (٣) .
-
فأمَّا اعتزال الفرج وما بين السُّرَّة والرُّكبة، فلا هو حقيقة اللفظ ولا مجازه.
-
وثالثها: أنّ السنَّة قد فسَّرت هذا الاعتزال بأنه تركُ الوطء في الفرج. فروى أنس أنَّ اليهود كانت إذا حاضت امرأة منهم لم يؤاكلوها، ولم يجامعوها في البيوت، فسأل أصحابُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن ذلك فأنزل الله {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى} الآية (٤) [البقرة: ٢٢٢] فقال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: «اصنعوا كلَّ شيء إلا النكاح» . وفي لفظ: «إلا الجماع» رواه الجماعة إلا البخاري (٥) .
- vol. 2, p. 529
والجماع عند الإطلاق هو: الإيلاج في الفرج. فأما في غير الفرج، فليس هو بجماعٍ (١) ولا نكاحٍ، وإنما يسمَّى به توسعًا عند التقييد، فيقال: الجماع فيما دون الفرج، لكونه بالذَّكر في الجملة. وكذلك جميع الأحكام المتعلِّقة بالجماع إنما تتعلَّق بالإيلاج، لا سيَّما الاستمتاعُ في الفرج فما فوق السُّرَّة جائز إجماعًا (٢) .
-
وروى أبو داود (٣) عن عكرمة عن بعض أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - كان إذا أراد من الحائض شيئًا ألقى على فرجها شيئًا.
-
وعن عائشة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سئل عمّا يحِلُّ للرجل من امرأته الحائض، فقال: «يجتنبُ (٤) شعارَ الدم» رواه ابن بطة (٥) .
-
ولأنه محلٌّ حُرِّم للأذى، فاختصَّ التحريم بمحلِّ الأذى، كالوطء في الدبر. ولا يقال: هذا يخشى منه مواقعة المحظور، لأنَّ الأذى القائم بالفرج
vol. 2, p. 530ينفِّر عنه، كما ينفِّر عن الوطء في الدبر. ولذلك (١) أبيح له [١٧٥/أ] ما فوق الإزار إجماعًا. ثم إنه إذا أراد ذلك ألقى على فرجها شيئًا، كما جاء عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، لئلا يصيبه الأذى. ولو رُوعِي هذا لحُرِّم (٢) جميعُ بدنها كالمُحرِمة والصائمة والمعتكفة.
-
ومع هذا، فالأفضل أن يقتصر في الاستمتاع على ما فوق الإزار، لأنه هو الغالب على استمتاع النبي - صلى الله عليه وسلم - بأزواجه. قالت عائشة: كانت إحدانا إذا كانت حائضًا، فأراد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يباشرها، أمَرها أن تأتزر بإزار في فور حيضتها، ثم يباشرها. متفق عليه (٣) . وعلى نحوه من حديث ميمونة. ولأنه أبعد له عن (٤) الإلمام بالموضع المعتاد، بخلاف الدبر فإنه ليس بمعتاد. والفرجُ المباح يغني عن الدبر، فلا يفضي إليه. ثم القرب منه ضروري. وهنا، ليس هناك فرج مباح ولا ضرورة، فيُخاف (٥) الإلمام به على العادة السابقة أو يلوِّثه الدم، مع ما في ذلك من الخروج من اختلاف العلماء.
-
فصل
ولا يجوز وطؤها بعد انقطاع الدم حتى تغتسل، لأن الله تعالى قال: {وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ} أي: حتى ينقطع دمها {فَإِذَا تَطَهَّرْنَ} أي: اغتسلت
vol. 2, p. 531بالماء. وهكذا فسَّره ابن عباس فيما رواه عنه ابن أبي طلحة، وكذلك قال مجاهد وغيره (١) . وقال إسحاق بن راهويه: أجمع أهل العلم من التابعين على أن لا يطأها حتى تغتسل (٢) .
-
وأكثر أهل الكوفة يقرؤون: «حتى يطَّهَّرْن» بالتشديد (٣) ، وكلُّهم يقرؤون الحرف الثاني [١٧٥/ب] {فَإِذَا تَطَهَّرْنَ} ، والتطهُّر إنما يكون فيما يتكلَّفه ويروم تحصيله، وذلك لا يكون إلا في الاغتسال؛ فأمَّا انقطاعُ الدم فلا صنعَ لها فيه، ولهذا لما قال: {وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا} [المائدة: ٦] فُهم منه الاغتسال.
-
فإن قيل: فعلى قراءة الأكثرين ينتهي النهي عن القُربان (٤) بانقطاع الدم، لأن الغاية هنا تدخل في المغيَّا، لأنها بحرف «حتَّى» ، فإذا تمَّ انقطاع الدم فقد انتهت الغاية.
-
قلنا: قبل الانقطاع، النهيُ عن القربان مطلقٌ (٥) ، فلا يباح بحال. فإذا انقطع الدم زال ذلك التحريم المطلق، لأنها قد صارت حينئذ مباحةً إن اغتسلَتْ، حرامًا إن لم تغتسل. ويبيِّن هذا الشرط قولُه {فَإِذَا تَطَهَّرْنَ} . وبهذا
vol. 2, p. 532تبيَّن أنَّ قراءة الأكثرين (١) أكثر فائدة. وهذا كقوله تعالى: {وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ} [النساء: ٦] .
-
وأيضًا فقد روي عن بضعة عشر من الصحابة منهم الخلفاء الراشدون (٢) : أن المطلِّق أحقُّ بزوجته حتى تغتسل من الحيضة الثالثة (٣) . فإذا كان حدثُ الحيض يوجِبُ (٤) بقاء العِدّة، فلَأن يقتضي بقاءَ تحريم الوطء أولى وأحرى. فإن لم تجد ماءً تيمَّمت، فإن وجدت الماء عاد التحريمُ، كما في التيمم للصلاة وغيرها.
-
فصل
وإذا وطئ الحائضَ وجبت عليه الكفّارة في ظاهر المذهب. وعنه: لا تجب، بل يستغفر الله تعالى حملًا للحديث الوارد فيه على الاستحباب، مع ما فيه من الاضطراب (٥) ؛ [١٧٦/أ] لأنه (٦) وطء حرام، لا لأجل عبادة، فلم يوجب كفارةً، كالزنا والوطء في الدبر.
-
ووجه الأولى: ما روى عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد بن
vol. 2, p. 533الخطاب عن مِقسَم عن ابن عباس عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في الذي يأتي امرأته وهي حائض، قال: «يتصدَّق بدينار أو نصف دينار» (١) . وقال [أبو داود] (٢) : سمعتُ أحمد بن حنبل يقول: ما أحسنَ حديثَ عبد الحميد فيه. قيل له: فتذهب إليه؟ قال: نعم (٣) . وقال إسحاق بن راهويه: هذه السنة الصحيحة التي سنَّها رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - في غشيان الحائض. وقد رواه الإمام أحمد (٤) بإسناد جيِّد من حديث قتادة عن مقسم.
-
ولأنه وطئ فرجًا يملكه حُرِّم لعارض، فجاز أن يوجب الكفارة، كالوطء في الصيام والإحرام. وطردهُ الاعتكاف إن (٥) قلنا به، وإلا قلنا: حرم لسبب علي (٦) عارض من جهة الله. وهذا لأن الكفارة ماحيةٌ للذنب وزاجرةٌ عنه،
vol. 2, p. 534فلا تُشرع في الكبائر ونحوها مما (١) تأبَّد تحريمُه كالزنا والوطء في الدبر، فإنه أعظم من أن يكفَّر، والداعي إليه أقوى من أن يكتفى فيه بالكفارة. فأما إذا كان التحريم عارضًا، فربما دعت النفس إلى العادة، فشُرِعت الكفارة ماحيةً للذنب فإنه أهون، وزاجرةً عن معاودته. ولهذا أغنى وجوبُها عن التعزير في أحد الوجهين. ويُشرَع التعزير فيما لا كفارة فيه. وبهذا أوجبنا الكفارةَ في وطء رمضان والإحرام. ولم تكن العلّة في الأصل إفسادَ [١٧٦/ب] العبادة فقط، لأنا نوجبها في الإحرام الفاسد والصوم الفاسد في رمضان، وإنما وجبت في الأصل زجرًا ومحوًا وجبرًا. ولا شيء في الفرع يُجبَر، فلهذا خفَّت.
-
فصل
وهو مخيَّر بين التكفير بدينار أو نصف دينار، في أشهر الروايتين، على ظاهر الحديث الصحيح في ذلك. وعنه: إن كان في إقبال الدم فدينار، وإن كان في إدباره فنصف دينار، حملًا للتقسيم في موضعين. وقد روى عبد الكريم بن أبي المخارق عن مِقسَم عن ابن عباس - رضي الله عنهما - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في الذي يقع على امرأته وهي حائض قال: «إن كان الدم عبيطًا فَلْيتصَدَّقْ بدينار، وإن كان صفرةً فليتصدَّقْ بنصف دينار» رواه الترمذي (٢) .
- vol. 2, p. 535
ولا شيء عليه إذا وطئ بعد انقطاع الدم، في المنصوص من الوجهين، إذ لا نصَّ فيه، وحرمتُه أخفُّ. والوجه الآخر: فيه الكفارة، لبقاء التحريم، ولما روى ابن جريج قال: أخبرني عبد الكريم وغيره عن مِقسَم عن ابن عباس أن النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - جعل في الحائض تصاب دينارًا. فإن أصابها وقد أدبر الدم عنها ولم تغتسل، فنصفُ دينار. كلُّ ذلك عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، رواه أحمد في «المسند» (١) ، ورواه أبو داود (٢) موقوفًا على ابن عباس. والمعتمد هي الرواية الأولى لصحتها.
-
ونصف الدينار الزائد إذا أخرج دينارًا (٣) ، فهو من الكفارة المقدَّرة المأمور بها (٤) ، وإن جاز تركه؛ بخلاف ما زاد على ذلك، فإنه صدقة محضة. [١٧٧/أ] وإن أخرج على جهة التكفير فهو مرغَّب فيه، ليس هو من الكفارة المقدَّرة المأمور بها، لقوله: «الصدقة تُطفئ الخطيئةَ» (٥) ، وقولِه: «أتبِعِ
vol. 2, p. 536السَّيئة الحسنةَ تَمْحُها» (١) .
-
وقولِ حذيفة: فتنةُ الرجل في أهله وماله، تكفِّرها الصلاة والصيام والصدقة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (٢) .
-
وهذا كما يُخيَّر الحاجُّ بين أن يبيت الليلة الثالثة بمنى ويرمي الجمرة من الغد، وبين أن لا يفعل. وكما أنَّ من (٣) وجب عليه الهديُ، فإن أخرجَ سُبْعَ بدنةٍ جاز، وإن أخرج بدنةً فهو هديٌ أيضًا، وهو أفضل. ومن وجبت عليه بنتُ مخاض فأخرج حِقَّةً جاز، وكان الجميع زكاة.