مسألة: (قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول»)
90 paragraphs · vol. 3, p. 118
Page 1 of 3
- vol. 3, p. 119
هذا الحديث أخرجه الجماعة عن أبي سعيد: أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «إذا سمعتم المؤذنَ فقولوا مثلَ ما يقول المؤذِّن» (١) .
-
وعن عبد الله بن عمرو - رضي الله عنه - أنه سمع النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - يقول: «إذا سمعتم المؤذنَ فقولوا مثلَ ما يقول، ثم صلُّوا عليَّ، فإنه من صلَّى عليَّ صلَّى الله عليه بها عشرًا، ثم سَلُوا لي الوسيلة، فإنها منزلة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله، وأرجو أن أكون أنا هو. فمن سأل لي الوسيلة حلَّت عليه الشفاعة» رواه الجماعة إلا البخاري وابن ماجه (٢) .
-
وعن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إذا قال المؤذن: الله أكبر الله أكبر، فقال أحدكم: الله أكبر الله أكبر؛ ثم قال: أشهد أن لا اله إلا الله، قال: أشهد أن لا اله إلا الله؛ ثم قال: أشهد أنَّ محمدًا رسول الله، قال: أشهد أن محمدًا رسول الله؛ ثم قال: حيَّ على الصلاة، قال: لا حول ولا قوة إلا بالله؛ ثم قال: حيَّ على الفلاح، قال: لا حول ولا قوة إلا بالله؛ ثم قال: الله أكبر الله أكبر [قال: الله أكبر الله أكبر] (٣) ، ثم قال: لا إله إلا الله، [قال: لا إله إلا الله] من قلبه= دخل الجنَّة» رواه أحمد ومسلم وأبو داود (٤) .
- vol. 3, p. 120
وعن بعض أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم -: أنَّ بلالًا أخذ في الإقامة، فلما أن قال: قد قامت الصلاة، قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «أقامها الله وأدامها» . وقال في سائر الإقامة بنحو حديث عمر في الأذان. رواه أبو داود (١) .
-
وجاء ذلك (٢) عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من حديث أبي هريرة (٣) ، وعمرو بن العاص (٤) ، وابنه (٥) ، وأبي رافع (٦) ، ومعاوية (٧) ، وغيرهم.
-
وعن سعد بن أبي وقاص عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «من قال حين
vol. 3, p. 121يسمع المؤذنَ: وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأنَّ محمدًا عبده ورسوله. [ص ٧] رضيتُ بالله ربًّا، وبمحمَّد رسولًا، وبالإسلام دينًا= غُفِر له ذنوبُه (١) » رواه الجماعة إلا أحمد والبخاري (٢) .
-
وهذا الذكر مستحبٌّ استحبابًا مؤكَّدًا، لأن النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - أمرَ به، وأقلُّ أحوال الأمر الاستحبابُ، حتى إنه إذا سمعه لم يشتغل عنه بصلاة نافلة، من تحية مسجد ولا سنَّة راتبة ولا غيرها، بل إذا دخل المسجد وسمع المؤذِّن بدأ بإجابته قبل التحية. نصَّ عليه (٣) .
-
ويستحَبُّ أن لا يقوم إذا أخذ المؤذِّن في الأذان، لسبب آخر وهو أن الشيطان إذا سمع النداء أدبر وله ضراط حتَّى لا يسمع التأذين، ففي التحرُّك عند سماع النداء تشبُّهٌ بالشيطان. قال أحمد - رحمه الله - (٤) في الرجل يقوم، فيتطوَّع إذا أذَّن المؤذن، فقال: لا يقوم أولَ ما يبدأ ويصبر قليلًا. وقال أيضًا: يستحَبُّ له أن يكون ركوعه بعدما يفرغ أو يقرب من الفراغ، لأنه يقال: إن الشيطان يُدبر حين يسمع النداء.
-
وعلى هذا فيستحبُّ لمن كان قاعدًا أن لا يقوم عند سماع الأذان، سواء
vol. 3, p. 122أجابه في حال قيامه ومشيه، أم لم يجبه. وإن سمعه وهو في قراءة أو دعاء قطع، لأن إجابة المؤذن تفوت.
-
فإن كان في صلاة لم يقله؛ لأنَّ في الصلاة لشغلًا (١) . ولهذا لا يستحَبُّ له أن يؤمِّن (٢) على دعاء غيره، ولا أن يصلِّي على النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - عند ذكره، وهو في الصلاة. ويقوله إذا فرغ من الصلاة، ذكره القاضي. وكلام غيره يقتضي أنه لا يُستحبُّ؛ لأنه سنَّة فات محلُّها، فأشبهَ صلاةَ الكسوف بعد التجلِّي، وتحيةَ المسجد بعد الخروج منه. ولأنه ذكر معلَّق بسبب، فلم يُشرَع بعد انقضاء السبب، كالذكر المشروع عند دخول المسجد والخروج منه، والأكل والشرب والخلاء، ودعاء الاستفتاح والاستعاذة وغير ذلك.
-
فإن قاله في الصلاة لم تبطُل لأنَّه ذكرٌ لله، إلا أن يقول: حيَّ على الصلاة حيَّ على الفلاح، فإنها تَبطُل؛ لأنه خطاب لآدمي. ولهذا كان المسنون أن يقول كما يقول المؤذن، إلا في الحيعلة فإنه يقول: لا حول ولا قوة إلا بالله، كما جاء مفسَّرًا في رواية عمر وغيره. نصَّ عليه. واستحَبَّ بعضُ أصحابنا أن يجمع بين ذلك وبين الحيعلة أخذًا بظاهر القول: «فقولوا مثلَ ما يقولُ» مع أمره بالحوقلة.
-
والصحيح: الأول، لأن الروايات المفسِّرة من أمره وقوله تبيِّن الرواية
vol. 3, p. 123المطلقة؛ ولأنَّ كلماتِ الأذان كلَّها ذكرٌ لله سبحانه، فاستُحِبَّ ذكرُ الله سبحانه عند ذلك. أمَّا الحيعلة، فإنها دعاء للناس إلى الصلاة، وسامع المؤذن لا يدعو أحدًا، فلم يُستحَبَّ أن يتكلَّم بما لا فائدة فيه. لكن لمَّا كان هو من جملة [ص ٨] المدعوين شُرع له أن يقول ما يستعين به على أداء ما دُعِيَ إليه، وهو: لا حول ولا قوة إلا بالله، فإنها كنز من كنوز الجنة (١) ، وبها يقتدر الإنسان على كلِّ فعل؛ إذ معناها: لا تحوُّلَ من حال إلى حال، ولا قدرةَ على ذلك إلا بالله سبحانه، فإنه خالقُ الأعمال والقوة (٢) عليها. فجمعَتْ جميعَ الحركات والقدرة التي بها تكون الحركات في السماوات والأرض (٣) . وقيل: لا حول عن معصية الله إلا بمعونة الله، ولا قوة على طاعة الله إلا بتوفيق الله. والمعنى الأول أجمع وأشبه (٤) .
قال بعض أصحابنا: ويقول إذا قال المؤذِّن: «الصلاة خير من النوم» : صدقتَ وبررتَ، أو نحو هذا.
-
وقد قال أحمد بن ملاعب (٥) : سمعتُ أبا عبد الله ما لا أحصيه، وكان
vol. 3, p. 124يكون هو المؤذِّن، فإذا قال: الله أكبر الله أكبر، قال قليلًا: الله أكبر الله أكبر، إلى آخر الأذان. قال أصحابنا: فيستحَبُّ للمؤذن أن يقول سرًّا مثل ما يقول علانية. وقوله - صلى الله عليه وسلم -: «إذا سمعتم المؤذِّنَ فقولوا مثل ما يقول» (١) كقوله: «إذا قال الإمام: {وَلَا الضَّالِّينَ} فقولوا: آمين» (٢) ، وقوله: «إذا قال: سمع الله لمن حمده، فقولوا: ربنا ولك الحمد» (٣) .
-
وهذا لأنه ذكرٌ يقتضي جوابًا، فاستُحِبَّ له أن يجيب نفسَه، كما استُحِبَّ لغيره أن يجيبه كالتأمين والتحميد. ولأنه بذلك يجمع له بين أجرين بذكر الله سرًّا وعلانيةً. ولأنَّ السرَّ ذكرٌ محضٌ، بخلاف العلانية فإنه يُقصَد به الإعلام. ولأنه يُستحبُّ له (٤) أن يفصِل بين كلمات الأذان، فاستُحِبَّ له أن يشغلها بذكر الله سبحانه. والاستحباب في حقِّ غيره أوكد.
-
وبكلِّ حال، فهو مستحبٌّ، حتَّى لو تركه، أو اشتغل عنه بصلاة أو قراءة، لم يكن عليه شيء. نصَّ عليه. وقال أيضًا: إذا دخل المسجدَ، والمؤذِّن يؤذِّن، استُحِبَّ له أن يقول مثل ما يقول المؤذن. وإن لم يقل وافتتح الصلاة، فلا بأس (٥) . وقال الآمدي: يكرَه أن يشرَع في النافلة إذا سمع التأذين.
-
والمستحَبُّ أن يقول مثل ما يقول المؤذِّن كلمةً كلمةً، فلا يسبقه
vol. 3, p. 125بالقول، كما في حديث عمر وغيره، ولقوله عليه السلام: «إذا سمعتم المؤذِّنَ فقولوا مثلَ ما يقول» (١) ، ولأنه بذلك يحصل له أجرُ استماع الأذان وموافقة المؤذِّن.
قال أصحابنا: ويُستحبُّ إذا سمع الإقامة أن يقول مثلَ ما يقول المؤذِّن، لما تقدَّم. فإذا قال المؤذن: قد قامت الصلاة، قال: أقامها الله وأدامها. فأمَّا المنادي بالإقامة، فلا يُستحبُّ له أن يقول سرًّا ما يقول علانيةً، لأن الإقامة تُحدَر، ولا يحصل بينها (٢) [ص ٩] سكوت.
-
وإذا أقيمت الصلاة وهو قائم، فيستحبُّ له أن يجلس، وإن لم يكن صلَّى تحية المسجد. قال ابن منصور (٣) : رأيت أبا عبد الله أحمد يخرج عند المغرب، فحين انتهى إلى موضع الصفِّ أخذ المؤذِّن في الإقامة، فجلس، لما روى عبد الرحمن بن أبي ليلى: أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - جاء، وبلال في الإقامة، فقعَد. رواه الخلال (٤) . ورواه أبو حفص، ولفظه: دخل رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -، وبلالٌ يؤذِّن، فجلَس (٥) . ولأنَّ القيام قبل الشروع في الصلاة غير مشروع، وتحيةُ المسجد قد سقطت بالإقامة، فإنَّها إذا أقيمت الصلاة، فلا صلاة إلا
vol. 3, p. 126التي أقيمت.
-
فصل
ويستحب أن يدعو إذا فرغ من الأذان والإقامة. نصَّ عليه. وكان إذا أقيمت الصلاة رفع بكفَّيه (١) وجعل يدعو، لما روى سهل بن سعد قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «ثنتان لا تُرَدَّان: الدعاءُ عند النداء، وعند البأس حين يُلحِمُ بعضُهم بعضًا» رواه أبو داود (٢) .
-
وعن عبد الله بن عمرو أنَّ رجلًا قال: يا رسول الله إن المؤذِّنين يفضُلوننا، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «قُل كما يقولون، فإذا انتهيَت فسَلْ تُعْطَه» رواه أحمد وأبو داود (٣) .
-
وعن أنس بن مالك قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «الدعاءُ لا يُرَدُّ بين الأذان والإقامة» . قالوا: فما نقول يا رسول الله؟ قال: «سَلُوا الله العافيةَ في الدنيا والآخرة» رواه أحمد والترمذي وأبو داود وهذا لفظه (٤) .
-
وعن أم سلمة قالت: علَّمني رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - أن أقول عند أذان المغرب:
vol. 3, p. 127«اللهمَّ هذا إقبالُ ليلك، وإدبارُ نهارك، وأصواتُ دعاتك، فاغفِرْ لي» . رواه أبو داود (١) .
-
وينبغي أن يقدِّم أمام الدعاء لنفسه الصلاةَ على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، بل ينبغي أن يقرُن ذلك بإجابة المؤذن، وإن لم يدعُ لنفسه، كما تقدَّم في حديث عبد الله بن عمرو. ولما روى جابر بن عبد الله - رضي الله عنهما - أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «من قال حين يسمع النداء: اللهمَّ ربَّ هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة، آتِ محمَّدًا الوسيلةَ والفضيلةَ، وابعثه مقامًا محمودًا الذي وعدته= حلَّت له شفاعتي يوم القيامة» . رواه الجماعة (٢) إلا مسلمًا. زاد بعضُ أصحابنا: واسْقِنا بكأسه من حوضه مشربًا هنيئًا سائغًا رويًّا، غيرَ خزايا ولا ناكثين، برحمتك (٣) ..
-
فصل
السنَّة أن يقيم من أذَّن، لما روى زياد بن [ص ١٠] الحارث الصُّدائي قال: كنت مع النبي - صلى الله عليه وسلم -، فأمرني، فأذَّنتُ، فأراد بلال أن يقيم فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:
vol. 3, p. 128«إنَّ أخا صُدَاء أذَّن، ومن أذَّن فهو يقيم» رواه الخمسة إلا النسائي (١) .
-
ولولا أنَّ السنَّة أن يتولاهما رجل واحد لم يُمنَع المؤذِّن الراتبُ من حقِّه ــ وهو الإقامة ــ لمَّا حضر.
-
وعن عبد العزيز بن رُفَيع قال: رأيتُ أبا محذورة جاء، وقد أذَّن إنسانٌ قبله؛ فأذَّن، ثم أقام. رواه أبو حفص (٢) ، واحتجَّ به أحمد. ولولا أنَّ ذلك سنّة عندهم لاكتفى بتأذين الرجل.
-
ولأنَّ ذلك أقرب إلى أن يعلم الناس أنَّ الثاني إقامة، وليس بأذان آخر. ولأنهما فصلان من الذكر يتقدَّمان الصلاة، فكانت السنَّة أن يتولاهما واحد كالخطبتين.
-
فإن أذَّن غيرُ المؤذن الراتب، فإما أن يقيم من أذَّن كما فعل زياد، أو يعيد الراتبُ الأذان كما صنع أبو محذورة. فإن أقام غيرُ من أذَّن كُرِهَ، نصَّ عليه؛ وأجزأ لأنَّ المقصود قد حصل.
-
ولو تناوب اثنان على أذان واحد، فقال هذا كلمة، وهذا كلمة، أو بنى الرجل على أذان غيره= لم يجُز لعذرٍ ولا غيرِه (٣) بل لا بدَّ من أذان رجل واحد، وإن جوَّزنا الخطبةَ من اثنين؛ لأنه ذكر واحد يختلُّ (٤) مقصوده
vol. 3, p. 129باختلاف الأصوات، بخلاف الخطبة.
-
ولا يقيم إلا بإذن الإمام، فإنَّ أمرَ الصلاة إليه. قال علي - رضي الله عنه -: المؤذِّن أملَكُ بالأذان، والإمام أملَكُ بالإقامة. رواه سعيد وأبو حفص (١) .
-
والسنَّة أن يكون الأذان والإقامة في موضع واحد. فإذا أذَّن في مكان استُحِبَّ أن يقيم فيه، لا في الموضع الذي يصلِّي فيه، لما احتجَّ به الإمام أحمد - رحمه الله - عن بلال - رضي الله عنه - أنه قال: يا رسولَ الله، لا تَسْبِقْني بآمين. رواه أحمد وأبو داود (٢) . وقال إسحاق بن راهويه: وكذلك أبو هريرة وغيره من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - قالوا لأئمتهم. ولو كانت الإقامة موضعَ الصلاة لم يخشوا أن يُسْبَقوا بآمين. فعُلِمَ أنَّ الإقامة كانت حيث يسمعها الغائبون عن المسجد: إمَّا موضعَ الأذان أو قريبًا منه.
-
وكذلك قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إذا سمعتم الإقامة فامشُوا إلى الصلاة. وعليكم بالسكينة» متفق عليه (٣) . وقد تقدَّم (٤) قولُ ابن عمر - رضي الله عنه -: كنَّا إذا سمعنا
vol. 3, p. 130الإقامة توضَّأنا، ثم خرجنا إلى الصلاة (١) . ولأنَّ الإقامة أحد الندائين، فاستُحِبَّ إسماعُها للغائبين كالأذان؛ ولأنَّ المقصود بها الإعلامُ بفعل الصلاة لمنتظِرها في المسجد وغيره.
-
[ص ١١] فإن شقَّت الإقامة قريبًا من موضع الأذان بأن يكون الأذان في المنارة أو في موضع بعيد من المسجد، فإنه يقيم في غيره بحيث يُعلِم الغائبين أيضًا؛ لما روى عبد الله بن شقيق قال: الأذان في المنارة، والإقامة في المسجد. وقال: هي السنَّة. رواه سعيد (٢) .
-
فصل
وإذا أذَّن قريبًا من المسجد جاز، وإن كان بينهما طريق، كما يجوز الأذان في منارة المسجد، لما تقدَّم (٣) من حديث بلال أنه كان يؤذِّن على سطح امرأة من الأنصار (٤) .
-
وإن أذَّن في مكان بعيد من المسجد، فقال أحمد (٥) : معاذ الله، ما سمعنا
vol. 3, p. 131أنَّ أحدًا يفعل هذا، لأنَّ المؤذن يدعو الناس إلى الصلاة، فلا بدَّ أن يكون نداؤه قريبًا من موضع الصلاة، ليقصده الناس.
-
فأمَّا إن أذَّن لغير المسجد، بل للإعلام بالوقت، فلا بأس بذلك بكلِّ موضع.
-
فصل
ولا يصح الأذان إلا مرتَّبًا متواليًا على ما جاءت به السنَّة، لأنه ذكر مجموع، فوجب أن يؤتى به على وجهه كقراءة الفاتحة؛ ولأنه بدون ذلك يختلُّ المقصود به من الإعلام والدعاء. فإن نكَسه لم يصحَّ بحال.
-
وإن فرَّق بين كلماته بسكوت يسير، أو كلام يسير مباح، لم يقطعه؛ لكنه إن كان لغير حاجة كُرِه. وهو في الإقامة أشدُّ كراهة من الأذان.
-
وإن كان لحاجةٍ مثل أن يردَّ على من سلَّم عليه، أو يأمرَ بعض أهله بحاجة، أو يأمرَ بمعروف أو ينهى عن منكر بكلام قليل= لم يُكرَه، لما ذكره الإمام أحمد عن سليمان بن صُرَد ــ وكانت له صحبة ــ أنه كان يأمر غلامه بالحاجة، وهو يؤذِّن (١) . وأمر ابنُ عباس مؤذِّنَه أن يقول في يوم مَطِير بعد قوله: «حيَّ على الفلاح» (٢) : ألا، صَلُّوا في الرحال. متفق عليه. ولأنَّ ذلك
vol. 3, p. 132لا يُخِلُّ بمقصود الأذان، وبه إليه حاجة، فأشبه العملَ اليسيرَ في الصلاة.
-
وعنه: أنَّ ذلك يكره مطلقًا.
-
وعلى الروايتين، فالأفضل أن لا يتكلَّم بردِّ سلام في الأذان ولا غيره. فأمَّا الإقامة فلا يتكلَّم فيها، لأنَّ السنَّة حدرُها، والكلام يقطع ذلك.