مسألة: (قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول»)
90 paragraphs · vol. 3, p. 118
Page 2 of 3
- vol. 3, p. 132
فأما إن طال الكلام أو السكوت استأنَفَ، لأنَّ ذلك يُخِلُّ بمقصود الإعلام، فأشبه التنكيسَ.
-
وإن فصَل بينه بكلام يسير محرَّم كالسَّبِّ والقذف، فهل يبطل؟ على وجهين. ومن أصحابنا من يحكيها على روايتين:
إحداهما: يبطل. قال الآمدي: وهو الصحيح، لأنه ذكر محض مجموع، والكلامُ المحرَّمُ منافٍ له. وربما ظُنَّ متلاعبًا لا مؤذِّنًا، إذا خلط الحق بالباطل.
-
وفي الأخرى: لا يبطل، لأنها عبادة لا تبطل بالكلام المباح، فكذلك بالمحرَّم كالصوم والحج.
-
فأمَّا الكلام بين الأذانين، فلا يُكرَه لأن الفصل [ص ١٢] بينهما مشروع بعمل أو جلوس، والكلام من جملة الفواصل.
-
ولو ارتدَّ في أثناء الأذان بطَل، لأنها عبادة واحدة، فبطلت بالردة في أثنائها كسائر العبادات. فلو عاد إلى الإسلام في الحال استأنفَ.
-
ولو جُنَّ أو نام أو أغمي عليه ثم أفاق في الحال بنَى، لأنه لم يخرج عن كونه من أهل العبادة. وقال الآمدي: إذا أغمي عليه بطل الأذان، كما يبطل بالكلام الكثير.
- ولو ارتدَّ بعد الأذان ففيه وجهان:
-
أحدهما: يبطل، قاله القاضي والآمدي وغيرهما، كما تبطل الطهارة بالردَّة (١) . وهذا إذا كانت الردَّة بين الأذان والصلاة. فأما إن كانت بعد الصلاة لم يبطل حكم الأذان قولًا واحدًا. وكذلك إن كان بعد الشروع في الصلاة.
-
والثاني: لا يبطل وإن استمر على ردَّته، وهو أصح. قاله طائفة من أصحابنا، لأنها عبادة قد انقضت، فلم تبطل بالردَّة كسائر العبادات، بخلاف الطهارة فإنَّ حكمها باق. ولأنه لا يُبطِل بعد فراغه شيء من المبطلات، فلم تبطل بالردَّة، كالصلاة وأولى؛ وعكسه الطهارة. وهذا لأن إحباط العمل لا يلزم منه بطلانه، كما تقدَّم في الطهارة.
-
فصل
يستحبُّ أن يفصل بين الأذان والإقامة للمغرب بجلسة بقدر ركعتين. قال في رواية المرُّوذي: بين الأذانين جلسة في المغرب وحدها، لأن في حديث الأنصاري الذي رأى الأذان: رأيتُ رجلًا كأنَّ عليه ثوبين أخضرين، فقام على المسجد، فأذَّن، ثم قعد قعدةً، ثم قام، فقال مثلها. رواه أحمد وأبو داود (٢) .
-
وفي رواية قال: رأيتُ الذي أذَّن في المنام أذَّن المغرب. وقعد بين
vol. 3, p. 134الأذان والإقامة قعدةً. رواه حرب (١) .
-
وعن أبيّ بن كعب قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «يا بلال، اجعل بين أذانك وإقامتك نَفَسًا، يفرُغ الآكلُ من طعامه (٢) في مَهَلٍ، ويقضي المتوضِّئُ حاجتَه في مَهَلٍ» رواه عبد الله بن أحمد في «المسند» (٣) .
قال إسحاق بن راهويه: لا بدَّ من القعدة في الصلوات كلِّها حتَّى في المغرب؛ لما صحَّ عن بلال حيث علَّمه النبي - صلى الله عليه وسلم - الأذان، فأمره أن ينتظر بين الأذان والإقامة قدر ما يستيقظ النائم، وينتشر المنتشر للصلاة. فأذَّن مثنى مثنى، وأقام مرةً مرةً، وقعد قعدةً (٤) .
-
وعن مجاهد قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إذا أذَّن المؤذِّن فلا يقيمُ حتى يجلس» (٥) .
- vol. 3, p. 135
وعن ابن عباس قال: ينتظر المؤذِّن في الصلوات كلِّها بين الأذان والإقامة قدرَ ما يغتسل الرجل، وفي المغرب قدرَ ما [ص ١٣] يتوضَّأ. رواه الشالنجي (١) .
-
وإنما قدَّرها الإمام أحمد بركعتين، لأنَّ أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كانوا يصلُّون بين الأذانين للمغرب ركعتين. وقد قال - صلى الله عليه وسلم -: «بين كلِّ أذانين صلاة» . ولأنه بالفصل يتأهَّب إلى الصلاة من ليس على أُهبةٍ، ويصلِّي من يريد الصلاة، ويدرك أكثرُ الجماعة حدَّ الصلاة وهو تكبيرة الإحرام، ويدركون التأمين. وذلك مقصود للشارع، وفيه أجر عظيم جاءت به الأحاديث.
-
وأما القعود، فَلِيفصِل بين الأذانين، وليكون قائمًا إلى الإقامة قيامًا مبتدأً، ولأنهما فصلان من الذكر يتقدَّمان الصلاة، يُفصَل بينهما بجلسة كالخطبتين. وإنما خُصَّت المغرب بذلك لضيق وقتها وكراهة تأخيرها. فأمَّا سائر الصلوات، فالفصلُ بين الصلاتين (٢) يحصل بأسباب أُخَر من الصلاة وغيرها.
-
فإن تأخَّر (٣) الجماعة أكثر من قدر ركعتين استُحِبَّ له انتظارهم ما لم يخَفْ خروج الوقت. قال مهنَّا: سألتُ أحمد عن إمام أذَّن لصلاة المغرب، فرأى أن ينتظر القومَ إلى أن يتوضؤوا (٤) ، ما لم يخَفْ فوتَ الوقت.
-
وعنه: أنه إنما استُحِبَّ انتظارهم بالقدْر المتقدم. قال في رواية حنبل:
vol. 3, p. 136ينبغي للمؤذِّن إذا أذَّن أن لا يعجل بالإقامة، ويلبث حتى يأتيه أهل المسجد، ويقضي المعتصِرُ حاجتَه. يجعل بين أذانه وإقامته نفَسًا. وهذا أشبه بالروايتين.
-
فيما (١) إذا أسفر الجيرانُ يغلِّس أو يُسفر؟ على روايتين.
-
ولو أذَّن، ثم خرج من المسجد، أو ذهب إلى منزله لحاجةٍ، مثل أن يتوضَّأ= لم يُكرَه. وإن كان لغير حاجة كُرِه، لأنَّ الخروج من المسجد بعد الأذان منهيٌّ عنه لغير المؤذِّن (٢) ، فالمؤذِّن أشدُّ، إلا أن يكون التأذين للفجر قبل الوقت، فلا يُكرَه الخروج. نصَّ على ذلك كلِّه، لأنَّ وقت الصلاة لم يدخل، ولا تجب الإجابة إليها إلا بعد الوقت.
-
فصل
الأذان من أفضل الأعمال، فإنه ذكرُ الله على وجه الجهر، ويُفتَح به أبوابُ السماء، وتهرب منه الشياطين، وتطمئنُّ به القلوب. وهو إظهارٌ لشعار الإسلام، وإعلامٌ للناس بوقت الصلاة، ودعاءٌ إليها، ومراعاةُ الشمس والقمر والظلال لذكر الله. قال الإمام أحمد: الأذان أحبُّ إليَّ من الإمامة، لأنَّ الإمام ضامن لصلاةِ مَن خلفه، والمؤذِّنُ يُغفَر له مدَّ صوته. وهذا اختيار أكثر أصحابنا.
-
وروي عنه: أنَّ الإمامة أفضل. وهذا اختيار أبي عبد الله بن حامد، وأبي
vol. 3, p. 137الفرج بن الجوزي (١) ؛ لأنَّ الإمامة تولَّاها - صلى الله عليه وسلم - هو بنفسه، وكذلك [ص ١٤] خلفاؤه الراشدون، ووكَلوا الأذانَ (٢) إلى غيرهم. وكذلك ما زال يتولَّاها أفاضل المسلمين علمًا وعملًا. ولأنَّ الإمامة يعتبر لها من صفات الكمال أكثرُ مما يعتبر للأذان، ولأن الإمامة واجبة في كلِّ جماعة، والأذان إنما يجب مرَّةً في المصر. وقد روي عن داود بن أبي هند قال: حُدِّثتُ أنَّ رجلًا أتى النبيَّ - صلى الله عليه وسلم -، فقال: مُرْني بعملٍ أعمله. قال: «كن إمامَ قومك» قال: فإن لم أقدر. قال: «فكن مؤذِّنَهم» رواه سعيد (٣) .
-
والأول أصحُّ، لما تقدَّم من قوله - صلى الله عليه وسلم -: «الإمام ضامن، والمؤذن مؤتمن. اللهم أرشِدِ الأئمةَ، واغفِرْ للمؤذِّنين» (٤) ، ومنزلةُ الأمانة فوق منزلة الضمان، والمدعوُّ له بالمغفرة أفضل من المدعوِّ له بالرشد، لأنَّ المغفرة نهاية الخير. ولهذا أمر اللهُ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - بالاستغفار بقوله: {إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ} [النصر: ١] ، وقد غُفِر له ما تقدَّم من ذنبه وما تأخَّر، وكان ذلك
vol. 3, p. 138خصوصًا خصَّه به دون سائر الأنبياء؛ وندَب قُوَّامَ الليل إلى الاستغفار بالأسحار. والرشدُ مبتدأ الخير، فإنه من لم يرشُد يكن غاويًا، والغاوي: المتِّبِع للشهوات، المضِيعُ للصلوات (١) .
-
ولأن الأذان له خصائص لا توجد في الإمامة. منها: أنه يُغفَر له مدَّ صوته، وأنه يستغفر له كلُّ رطب ويابس, وأنه لا يسمع صوتَ المؤذن جنٌّ ولا إنسٌ ولا شيءٌ إلا شهد له يوم القيامة. وقد تقدَّم ذلك.
-
وعن أبي هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «لو يعلم الناسُ ما في النِّداء والصفِّ الأول، ثم لا يجدوا إلا أن يَستهِموا عليه، لاستهموا عليه» متفق عليه (٢) .
-
وعن معاوية أن النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «المؤذّنون أطول الناس أعناقًا يوم القيامة» رواه أحمد ومسلم (٣) .
-
وعن البراء بن عازب عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «المؤذِّن يُغفرَ له مدَّ صوته، ويصدِّقه من يسمعه من رطب ويابس، وله مثلُ أجر من صلَّى معه» رواه أحمد والنسائي (٤) .
- vol. 3, p. 139
وعن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «من أذن محتسبًا سبع سنين كتبت له براءة من النار» (١) .
-
وعن ابن عمر أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «من أذَّن اثنتي عشرة سنةً وجبت له الجنَّة، وكتب له بتأذينه كلَّ يوم ستون حسنة، وفي كلِّ إقامة ثلاثون حسنة» رواهما ابن ماجه (٢) .
-
ولم يجئ في فضل الإمامة مثلُ هذا. ولأن [ص ١٥] الإمامة من باب الإمامة (٣) والولاية، إذ هي الإمامة الصغرى. ولذلك قال عثمان لابن عمر: اقض بين الناس، فاستعفاه، وقال: لا أقضي بين اثنين، ولا أؤمُّ رجلين. رواه أحمد (٤) .
- vol. 3, p. 140
وهي فتنة، لما فيها من الشرف والرئاسة، حتى ربَّما كان طلبُها مثل طلب الولايات والإمارات، الذي هو من إرادة العلوِّ في الأرض؛ وهذا مضِرٌّ بالدين. وقد روى كعب بن مالك عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «ما ذئبان جائعان أُرسِلا في غنمٍ بأفسد لها مِن حرصِ المرء على المال والشرف لدينه» . قال الترمذي: حديث حسن صحيح (١) .
-
ولأنه يُخاف على صاحبها انتفاخُه بذلك واختيالُه، وأن يُفتَن باشتهاره. ولذلك صلَّى حذيفة بن اليمان مرَّةً إمامًا، ثم قال: لَتُصَلُّنَّ وُحدانًا، أو لَتلتمسُنَّ لكم إمامًا غيري، فإني لمَّا أممتُكم خُيِّل إليَّ أنه ليس فيكم مثلي (٢) .
-
وقيل لمحمد بن سيرين في بعض المَّرات: ألا تؤمُّ أصحابَك؟ فقال: كرهتُ أن يتفرَّقوا، فيقولوا: أمَّنا محمدُ بن سيرين (٣) .
- vol. 3, p. 141
ولأنَّ الإمام يتحمَّل صلاةَ المأمومين، الذي دلَّ عليه حديث الضمان.
-
والأذان سليم من هذه المخاوف كلِّها، بل ربما زهَّد الشيطانُ فيه، وثبَّط عنه، حتَّى يفوَّض إلى أطراف الناس. ولذلك قال عمر - رضي الله عنه - لبعض العرب: من يؤذِّن لكم؟ قالوا: عَبيدنا. قال: ذلك شرٌّ لكم (١) .
-
وأما إمامته - صلى الله عليه وسلم - وإمامة الخلفاء الراشدين - رضي الله عنهم -، فمثلُ الإمارة والقضاء. وذلك أنَّ الولايات وإن كانت خَطِرةً، لكن إذا أقيم أمرُ الله فيها لم يعدِلها شيءٌ من الأعمال. وإنما يُهابَ الدخولُ فيها أولًا خشيةَ أن لا يقام أمرُ الله فيها لكثرة نوائبها، وخشيةَ أن يُفتَن القلبُ بالولاية، لما فيها من الشرف والعزِّ. ويكره طلبها لأنه من حبِّ الشرف وإرادة العلوِّ في الأرض يكون في الغالب، ولأنه تعرُّضٌ للمحنة والبلوى فإذا ابتلي المرءْ بها صار القيام بها فرضًا عليه، وكذلك إذا تعيَّنت عليه؛ فإمامته (٢) وإمامة الخلفاء الراشدين كانت متعينةً عليهم، فإنها وظيفة الإمام الأعظم، ولم يمكن الجمع بينها وبين الأذان، فصارت الإمامة في حقِّهم أفضلَ من الأذان، لخصوص أحوالهم؛ وإن كان لأكثر الناس الأذان أفضل (٣) . ولهذا قال عمر - رضي الله عنه -: لولا الخِلِّيفى لأذَّنتُ. رواه سعيد (٤) .
-
وهذا كالإمارة نفسها. وكما أنَّ مقامهم بالمدينة لكونها دارَ هجرتهم كان أفضل من مقامهم بمكة، بل كان يحرُم عليهم استيطانُ مكة، وهذا الوصف مفقود في غيرهم. وكذلك صوم يومٍ وفطر [ص ١٦] يومٍ هو أفضلُ الصيام، وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - يصوم غيرَه؛ لأنه كان يُضعِفه عما هو أفضل منه، فصار قلَّة الصوم في حقِّه أفضلَ. ونظائر هذا كثيرة.
- vol. 3, p. 142
نعم، نظير هذا: أن يكون في القوم رجلٌ لا يصلح للإمامة إلا هو، وهو أحقُّهم بالإمامة، ومن يصلح للأذان كثير، فتكون إمامتُه بهم إذا قصَد وجهَ الله بها وإقامتَه هذا الفرضَ، واتَّقى الله فيها= أفضلَ، لما ذكرناه. وعلى هذا يُحمَل حديث داود بن أبي هند.
-
وقد روى عبد الله بن عمر قال قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «ثلاثةٌ على كُثبان المِسك يوم القيامة: عبدٌ أدَّى حقَّ الله وحقَّ مواليه، ورجلٌ أمَّ قومًا وهم به راضُون، ورجلٌ ينادي بالصلوات الخمس في كلِّ يوم وليلة» رواه الترمذي وقال: حديث حسن غريب (١) .
-
فصل
وإذا تشاحَّ نفسان في الأذان قُدِّم أكملُهما في الخصال المطلوبة في المؤذن، وهي: الصوت، والأمانة، والعلم بالأوقات، بأن يكون أندى صوتًا وأعلم (٢) بالأوقات. ويقدَّم أكملُهما في عقله ودينه، لما تقدَّم. فإن استويا في ذلك قُدِّم أعمَرُهما للمسجد، وأكثَرُهما مراعاةً له، وأقدَمُهما تأذينًا فيه. ولا يقدَّم أحدُهما بكون أبيه كان هو المؤذِّن.