مسألة: (ومن كبر للصلاة قبل خروج وقتها فقد أدركها)
12 paragraphs · vol. 3, p. 187
- vol. 3, p. 187
أما إذا صلَّى ركعة بسجدتيها قبل خروج الوقت، فإنه يكون مدركًا للصلاة من غير خلاف في المذهب. وسواء في ذلك الفجر وغيرها، لما روى أبو هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «من أدرك ركعةً من الصبح قبل أن تطلع الشمس، فقد أدرك الصبح. ومن أدرك ركعةً من العصر قبل أن تغرب الشمس، فقد أدرك العصر» رواه الجماعة إلا الترمذي (٢) .
-
وإن صلَّى دون الركعة مثل أن يكبِّر ويركع، أو يركع ويسجد سجدةً، أو يكبِّر للإحرام فقط= فهل يكون مدركًا للصلاة؟ على روايتين:
إحداهما: يكون مدركًا، كما ذكره الشيخ. وهي اختيار أكثر أصحابنا، لما روت عائشة - رضي الله عنها - قالت: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «من أدرك من العصر سجدةً قبل أن تغرب الشمس، أو من الصبح قبل أن تطلع الشمس، فقد أدركها» رواه أحمد ومسلم والنسائي وابن ماجه (٣) .
-
وللبخاري (٤) في حديث أبي هريرة: «إذا أدرك أحدُكم سجدةً من صلاة العصر قبل أن تغرب الشمس، فَلْيُتِمَّ صلاتَه. وإذا أدرك سجدةً من صلاة الصبح قبل أن تطلع الشمس، فَلْيُتِمَّ صلاتَه» . وهذا المنطوق أولى من ذلك
vol. 3, p. 188المفهوم. ولأنَّ بعض الصلاة قد وُجِد في الوقت حقيقةً، فلا يمكن أن نجعلها فائتة، كما لو صلَّى ركعةً.
-
والرواية الثانية: لا يكون مدركًا. هذا قول الخرقي وابن أبي موسى (١) ، وهو أشبه بالحديث المفهوم حديث أبي هريرة (٢) . وقولُه في الرواية الأخرى: «سجدة» المراد به: الركعة بكمالها. وهذا كثير في الحديث: تسمَّى السجدة الثانية «ركعة» تعبيرًا عنها بركنها. وذلك أنه لا يصح حتى يقع الركوع وسجدتان (٣) ، فإذا قيل: قد صلَّى ركعةً أو سجدةً عُلِم أنه قد كمَّل ركعةً بسجدتيها.
-
[ص ٣٨] ومنه: قولُ زيد لمروان: ألم أرك قصرتَ سجدتي المغرب؟ يعني: ركعتَي الجهر. رأيتُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقرأ فيها بالأعراف (٤) .
-
وقولُ عائشة: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلِّي بعد الوتر سجدتين (٥) . تعني فيها: الركعتين اللتين كان يصلِّيهما وهو قاعد (٦) . وقولُ علي: كان إذا قام من السجدتين رفَع يديه كذلك، وكبَّر (٧) . وفي حديث أبي هريرة: إذا قام من
vol. 3, p. 189الركعتين (١) .
-
وفي حديث أبي حميد: حتى إذا قام من السجدتين كبَّر، ورفع يديه حتى يحاذي بهما منكبَيه، كما صنع حين افتتح الصلاة (٢) . وهذا كما تسمَّى الصلاةُ «قيامًا» تعبيرًا عنها بركنها، وتسمَّى «قرآنًا» تعبيرًا عنها بركنها.
-
ولا يجوز حملُه على السجدة الأولى من الركعة، إذ ليس في تعليق الحكم بها فائدة أصلًا، حيث لا فرق بين إدراكها وإدراك الركوع وحده، أو الركوع والاعتدال. ولو أريدت السجدة بعينها لم يدلَّ على ثبوت الإدراك بما دونها. ولأنه إدراك للصلاة، فلم يتعلَّق بما دون الركعة كالجمعة.
-
ولمن نصر الأولى أن يقول: تقييدُ الحكم بالركعة لا يمنع ثبوته بما دونها، كما أنه لمَّا قيَّد بالفجر والعصر لم يمنع أن يثبت ذلك في المغرب (٣) والعشاء. والله أعلم، إنما قيَّده بذلك لأنَّ آخرَ وقت الفجر والعصر محدود، ومرئيٌّ بالعين؛ والركعة جزءٌ من الصلاة معلومٌ، بخلاف ما دون ذلك فإنه لا ينضبط فعلُه قبل خروج الوقت، والمسألة محتملة.
- vol. 3, p. 190
وإذا أدرك بعضَ الصلاة في الوقت، فبعضها المفعول خارجَ الوقت هل يكون أداءً أو قضاءً؟ على وجهين، أشهرهما: تكون أداءً، لظاهر قوله: «فقد أدركها» . فمن زعم أنَّ بعضَها أو كلَّها يقع قضاءً لم يكن قد أدركها كلَّها عنده، وهو خلاف النص. ولأنَّ المشهور في المذهب أنَّ الجمعةَ تُفعَل بعضُها بعد خروج الوقت، مع أنها لا تكون قضاءً.
-
والثاني: تكون قضاءً، لأنَّ حقيقة القضاء ما فُعِل بعد الوقت، وهذا كذلك. ولأنَّ مدرِك الجمعة والجماعة يكون منفردًا بعد سلام الإمام حقيقةً وحكمًا، وإن كان قد أدرك فضل الجماعة في الجملة، فكذلك هذا.
-
وبكلِّ حال فيجب عليه أن يفعل جميع الصلاة قبل خروج الوقت، كما تقدَّم. ومتى أخَّر شيئًا منها عن الوقت عمدًا أثِمَ بذلك، لأنَّ النصوص المتقدِّمة في المواقيت [ص ٣٩] تدلُّ على وجوب فعل جميع الصلاة قبل خروج الوقت.