مسألة: (والصلاة في أول الوقت أفضل، إلا عشاء الآخرة، وفي شدة الحر الظهر)

209 paragraphs · vol. 3, p. 190

Page 1 of 6

  1. هذا الكلام فيه فصلان، لأن الكلام في تعجيل الصلوات إمَّا أن يكون على سبيل الإجمال، أو على سبيل التفصيل.

    vol. 3, p. 190
  2. الفصل الأول

    إن الأصل في الصلاة في أول الوقت (١) أفضل من آخره، إلا لمعنًى يقتضي استحباب التأخير، لأن الله تعالى قال: {فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ} [البقرة: ١٤٨] ، وقال تعالى: {وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ} [آل عمران: ١٣٣] ، وقال تعالى: {سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ} [الحديد: ٢١] ، وقال تعالى: {يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ} [الأنبياء: ٩٠] ، وقال تعالى: {أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ} [المؤمنون: ٦١] ، وقال: {وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ} [الواقعة: ١٠] ، أي إلى الأعمال الصالحة في الدنيا هم السابقون إلى الدرجات في الجنة. وقال تعالى: {فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ} [فاطر: ٣٢] ، وقال تعالى: {وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ} [التوبة: ١٠٠] ، وقال عن نبيِّه موسى: {وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى} [طه: ٨٤] .

    vol. 3, p. 191
  3. وهذه الآيات تقتضي أنَّ المسارعة إلى الخيرات مأمور بها، وأنَّ فاعلها مستوجِب لثناء الله ورضوانه. ولذلك يقتضي الاستباقُ إلى الخيرات وإلى أسباب المغفرة أمرًا بها، وثناءً على أهلها، وتفضيلًا لهم على غيرهم. والصلاةُ من أفضل الخيرات، وأعظم أسباب المغفرة.

  4. وعن محمد بن [عمر بن علي بن أبي طالب] (٢) عن أبيه عن علي بن

    vol. 3, p. 192أبي طالب - رضي الله عنه - (١) أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «ثلاثٌ يا عليُّ لا تؤخِّرْهُنَّ: الصلاةُ إذا أتت، والجنازةُ إذا حضرت، والأيِّمُ إذا وجدتَ لها كفؤًا» . رواه أحمد والترمذي وقال: «حديث حسن (٢) غريب، وما أرى إسناده بمتصل». لكن هذا الانقطاع هو من رواية ولده، ومثل ذلك يكون من أقوى المراسيل، فإنهم أعلم بحديثهم (٣) .

  5. وعن عائشة - رضي الله عنها - قالت: ما صلَّى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلاةً لوقتها الآخر (٤) حتى قبضه الله (٥) . رواه أحمد والترمذي (٦) .

  6. ورواه الدارقطني (٧)

    vol. 3, p. 193فقال: إلا مرتين.

  7. وعن أمِّ فروة أنها سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «إنَّ أحبَّ العمل إلى الله تعجيلُ الصلاة لأول وقتها» رواه الترمذي (١) . وإسناده (٢) كإسناد الذي قبله، متقاربان، فيهما لين.

  8. وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إنَّ الرجلَ لَيصلِّي [ص ٤٠] الصلاة لوقتها، وقد ترك من وقتها الأول ما هو خيرٌ له من أهله وماله» رواه الدارقطني (٣) .

  9. وقد روى الترمذي والدارقطني عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «الوقت الأول من الصلاة رضوان الله، والوقت الأخير عفو الله» (٤) .

  10. وروى الدارقطني عن أبي محذورة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «أول الوقت رضوان الله، وأوسط الوقت رحمة الله، وآخر الوقت عفو الله» (٥) .

  11. وهي أحاديث ليِّنة، قال الإمام أحمد: لا أعرف شيئًا ثبتَ (١) في أوقات الصلاة أولها كذا وآخرها كذا. يعني: مغفرة ورضوان (٢) ، إلا أنَّ هذا لا يمنع العملَ بها في الفضائل، لا سيَّما مع تعدُّد طرقها.

    vol. 3, p. 194
  12. فإن قيل: فالعفو إنما يكون عن المسيء، ولا إساءة في التأخير.

  13. قلنا: العفو قد يكون عن الذنب بعد وقوعه، وقد يكون عن أصل الإيجاب مع انعقاد سبب الوجوب أو التحريم، كقوله - صلى الله عليه وسلم -: «عفوتُ لكم عن صدقة الخيل والرقيق» (٣) ، وقوله - صلى الله عليه وسلم -: «ما سكت الله عنه فهو مما عفا

    vol. 3, p. 195عنه» (١) .

  14. فالعفو عن الصلاة في آخر الوقت بمعنى أنه رُفِعَ الحرج والعقوبةُ عمَّن صلَّى فيه، وقد كان يمكن أن يضيق الوقت. ولأنَّ الصلاة تجب بأول الوقت وجوبًا موسَّعًا كقوله تعالى: {أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ} [الإسراء: ٧٨] ، ففي المبادرة إلى فعلها إبراءٌ لذمَّته عن الواجب، كالمبادرة إلى فعل الواجبات المطلقة من الحجِّ وغيره. وتحصل المبادرة المشروعة بأن يشتغل عقبَ دخول الوقت بالوضوء والصلاة، لأنَّ الله تعالى أمرَ بالوضوء عند القيام إلى الصلاة. وإن توضَّأ قبل الوقت فهو مبادر أيضًا هذا ما لم يشقَّ على غيره، كما سيأتي.

  15. الفصل الثاني في (٢) تفصيل الصلوات

    أما الظهر، فإنَّ الأفضل أن يصلِّيها عقب الزوال، لما روى أبو بَرْزة (٣) الأسلمي - رضي الله عنه - أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يصلِّي الهجيرَ (٤) التي تدعونها «الأولى» حين تدحَض الشمس، ويصلِّي العصرَ، ثم يرجع أحدنا إلى رحله في أقصى المدينة، والشمسُ حيَّةٌ. ونسيتُ ما قال في المغرب. وكان يستحِبُّ

    vol. 3, p. 196أن يؤخِّر العشاءَ التي تدعونها «العَتَمة» وكان يكره النومَ قبلها، والحديثَ بعدها. وكان ينفَتِل من صلاة الغداة حين يعرف الرجلُ جليسَه، ويقرأ فيها بالستِّين إلى المائة. متفق عليه (١) .

  16. وعن عائشة - رضي الله عنها - قالت: ما رأيتُ أحدًا [ص ٤١] أشدَّ تعجيلًا للظهر من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ولا من أبي بكر، ولا من عمر. رواه الترمذي وقال: حديث حسن (٢) .

  17. وعن أنس قال: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلَّي صلاة الظهر في أيام الشتاء، وما ندري لَمَا (٣) ذهب من النهار أكثرُ أو ما بقي منه. رواه أحمد (٤) .

  18. وكتب عمر إلى أبي موسى: أنْ صلِّ الظهر حين تزيغ أو تزول الشمس (٥) .

    vol. 3, p. 197قال الترمذي: هو الذي اختاره أهل العلم من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - ومن بعدهم.

  19. فإن قيل: ففي حديث جبريل أنه صلَّى الظهر حين كان الفيء مثل الشِّراك، وكان عمر يؤخِّرها حتى يصير الفيء ذراعًا، وكتب إلى عمَّاله بذلك (١) .

  20. قلنا: أما حديث جبريل، ففي رواية جابر أنه صلَّى حين زالت الشمس. فعُلِمَ أنَّ ذلك الفيء هو فيء الزوال، لا سيما والفرض يتبيَّن أول الوقت. وأما حديث عمر، فلعلَّه أمر بذلك في شدَّة الحرِّ ليقصد الإبراد بها، أو في أوقات وأمكنة يكون الفيء فيها قدرَ ذراع حين الزوال.

  21. ولا يقال: الفيء هو الظل بعد الزوال، وما قبل ذلك إنما يسمَّى ظلًّا، لا فيئًا؛ لأنَّ الشمس إذا زالت فلا بدَّ أن يفيء الظلُّ أدنى الفيء، فيسمَّى الظلُّ كلُّه حينئذ فيئًا، ولا يصح أن يراد الفيء الزائد على فيء الزوال، لأن ذلك لا يتميَّز؛ وليس في الحديث ما يدلُّ عليه. ثم إنَّ ذلك إنما يصير قريبًا من انتصاف الوقت، ومثل ذلك لا يكون هو الأفضل في غير الحرِّ بلا تردُّد.

  22. فصل

    فأمَّا في شدة الحرِّ، فإنَّ الأفضل الإبراد بها، لما روى أبو هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إذا اشتدَّ الحرُّ فأبرِدوا بالصلاة، فإنَّ شدّة الحرِّ من فَيح

    vol. 3, p. 198جهنَّم» رواه الجماعة (١) . وللبخاري عن ابن عمر وأبي سعيد الخدري مثلُه. وعن أنس قال: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا كان الحرُّ أبرَد بالصلاة، وإذا كان البردُ عجَّل. رواه النسائي والبخاري بمعناه (٢) .

  23. وسواء كان المصلِّي منفردًا أو في جماعة، وسواء كان في مسجد الجماعة ينتابه (٣) الناس من البعد أو من القرب، وسواء كان المصلُّون مجتمعين أو منفردين. هذا الذي دلَّ عليه قول أحمد وفعله (٤) ، وهو قول القاضي أخيرًا (٥) وأكثر أصحابنا، لعموم الحديث. فإنه أمر بالإبراد أمرًا عامًّا عمومًا مقصودًا، وعلَّله بعلَّة عامَّة توجد حال الصلاة وحال السعي إليها في الحرِّ، فإنَّ فَيح جهنم يصيب المصلِّي، كما يصيب الذاهبَ إلى الصلاة، مع علمه - صلى الله عليه وسلم - أنَّ أكثر المساجد إنما يصلِّي فيها جيرانها، فلا يجوز حملُ هذا الكلام على المساجد [ص ٤٢] ينتابها (٦) الناس من البعد خاصَّةً، لأنَّ هذه صور قليلة بالنسبة إلى غيرها. فحملُ العامِّ عليها يكون (٧) حملًا لها على الأقلِّ دون

    vol. 3, p. 199الأكثر، من (١) غير أن يكون في الكلام ما يدل عليه، وذلك لا يجوز.

  24. ولأنه على هذا التقدير تكون العلَّة تأذِّيَ (٢) الناس بالمشي في الحرِّ، وهذه علَّة تنفُّس الحرِّ سواء كان من فيح جهنم أو لم يكن. فلما قال: «فإنَّ شدَّة الحرِّ من فَيح جهنم» ، وعلَّل بعلَّةٍ تُعلَم بالوحي عُلِمَ أنه (٣) قصد معنًى يخفى على أكثر الناس، وهو كراهةُ إيقاع الصلاة حالَ تسعير النار، كما كُرِه إيقاعُها وقتَ مقارنة الشيطان لها؛ وكره الصلاة وقتَ الغضب من الله، كما كره الصلاة في مكان الغضب (٤) ، لأنَّ القلوب لا تُقبل على العبادة وقتَ تلك الساعة كلَّ الإقبال، ولا ينزل من الرحمة ما ينزل في غير ذلك الوقت.

  25. وأيضًا ما روى أبو ذرٍّ - رضي الله عنه - قال: كنَّا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - في سفر، فأراد المؤذن أن يؤذِّن للظهر، فقال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «أبرِدْ» ثم أراد أن يؤذِّن، فقال له: «أبرِدْ» . حتى رأينا فيءَ التلول، فقال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «إنَّ شدَّة الحرِّ من فَيح جهنَّم. فإذا اشتدَّ الحرُّ فأبرِدُوا بالصلاة» متفق عليه (٥) .

  26. فهذا إبراد مع اجتماع المصلِّين، وهو نصٌّ في المسألة.

  27. ولأنَّ سبب الإبراد إنما هو في شدَّة الحرِّ من فَيح جهنم وتنفُّسِها. وهذا كما أنه يؤذي الناسَ في حال بروزهم (٦) إلى المسجد، فكذلك في حال

    vol. 3, p. 200صلاتهم، بل أولى، كما تقدَّم. وكما أنه يؤذي من يصلِّي في الجماعة، فإنه يؤذي المصلِّيَ وحده.

  28. وقال القاضي في «المجرَّد» وأبو الحسن الآمدي وطائفة من أصحابنا: إنما يستحَبُّ الإبراد لمن يصلِّي في مساجد الجماعات (١) سواء كان المسجد ينتابه البعيد منه أم لا، لأن الخروج إلى المسجد في الجملة مظنَّة المشقَّة في وقت القائلة، فاستحبَّ التأخير لتكثير الجماعة؛ بخلاف المصلِّي وحده، أو في بيته، أو في القوم المجتمعين (٢) .

  29. والأول هو الصحيح، لما تقدَّم.

  30. وإنما يستحَبُّ الإبراد في البلاد التي لها حرٌّ في الجملة، سواء كان شديدًا أو قليلًا، كبلاد الحجاز والعراق والشام واليمن ومصر.

  31. فأما البلاد الباردة التي لا حرَّ فيها، وإنما حرُّها في منزلة الربيع في غيرها مثل البلاد الشمالية وبلاد خراسان، فإنَّه لا يُستحَبُّ الإبرادُ فيها. هكذا ذكره القاضي وغيره من أصحابنا، لأن النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «إذا اشتدَّ الحرُّ فأبرِدُوا بالصلاة» ، وقال: «فإنَّ شدَّةَ الحرِّ من فَيح جهنَّم» . وهناك لا يشتدُّ الحرُّ، ولكن تتنفَّس (٣) بالبرد فيظهر [ص ٤٣] هناك زمهريرها، كما قال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «إنَّ النارَ اشتكَتْ إلى ربِّها، وقالت: أكل بعضي بعضًا. فأذِنَ لها بنفَسين نفَسٍ في الشتاء، ونفسٍ في الصيف. فأشدُّ ما تجدون من الحرِّ من حرِّ جهنَّم،

    vol. 3, p. 201وأشدُّ ما تجدون من البرد من زمهرير جهنَّم» متفق عليه (١) .

  32. وقد حكى بعض [أصحابنا] (٢) وجهًا أنه لا فرق بين البلاد الحارَّة والباردة، ووجهًا بأن ذلك مخصوص بالبلاد التي يشتدُّ فيها الحرُّ. والذي قدَّمناه أصوب، فإنَّ الحرَّ والبرد لا بدَّ من وجودهما في جميع الأرض المعمورة. ولولا وجودهما لما عاش الحيوان، ولا نبت الشجر. ولا بدَّ أيضًا أن يكون الحرُّ في القَيظ أشدَّ منه في فصل الصيف والربيع اللذين (٣) يسمَّيان الربيع والخريف في كلِّ أرض بحسبها. لكن إذا كانت (٤) شدَّةُ الحرِّ في بعض البلاد بحيث لا تُكرَه الشمسُ، ولا يؤذى الجالسَ في الصبح، فليس هذا بحرِّ شديد. فلا يستحَبُّ الإبرادُ في مثل هذه البلاد البتَّة. وإذا كان الحَرُّ يؤذي فيها، فقد اشتدَّ الحرُّ، وإن لم يكن في أرض الحجاز.

  33. وينبغي أن يقصِد في الإبراد، بحيث يكون [بين] (٥) الفراغ منها وبينَ آخر الوقت فصلٌ؛ لأنَّ المقصودَ من الإبراد يحصل بذلك. ولهذا فإنَّ في حديث أبي ذر: حتى رأينا فيءَ التلول (٦) . وقال عبد الله بن مسعود: كانت صلاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الصيف ثلاثة أقدام إلى خمسة أقدام. رواه أبو داود (٧) . ولأنَّ

    vol. 3, p. 202الإبراد الشديد يُخاف معه أن يُفعَل بعضُ الصلاة بعد خروج الوقت.

  34. وأمَّا الجمعة، فالسنَّة أن تصلَّى في أول وقتها في جميع الأزمنة، لأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - كان يصلِّيها في أول الوقت شتاءً وصيفًا، ولم يؤخِّرها هو ولا أحد من أصحابه، بل ربما كانوا يصلُّونها قبل الزوال. وذاك لأنَّ الناس يجتمعون لها، إذ السنَّة: التبكيرُ إليها، ففي تأخيرها إضرار بهم. وقد روي أنَّ جهنَّم تُسْجَر كلَّ يوم إلا الجمعة (١) . فالسبب الذي من أجله سُنَّ الإبراد يكون مفقودًا يوم الجمعة.

  35. وهل (٢) يستحَبُّ تأخير الظهر في غير شدّة الحرّ؟ على روايتين:

    إحداهما: لا يستحَبُّ التأخير إلا في الحَرِّ، والأفضل التعجيل إذا تيقَّنَّا دخولَ الوقت. قال أبو عبد الله في رواية كثير من أصحابه: أنا أختار فيها كلِّها التعجيلَ إلا الظهر في الصيف, وعشاء الآخرة أبدًا (٣) . وهذا اختيار الخرقي (٤) ,

    vol. 3, p. 203وهو الذي ذكره الشيخ. وذلك لأنَّ الصلاة في أول الوقت أفضل, كما تقدَّم. وإنما خولف في شدّة الحرِّ لمعنى يختصُّه [ص ٤٤] فيبقى فيما سوى ذلك على استحباب التعجيل. ولأنَّ ما تقدَّم من تعجيل النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - صلاة الظهر مطلقًا، وتعجيلَه إياها في الشتاء من غير تفريق بين حالَي الغيم والصحو= دليل على أنهم لم يفهموا من حاله رعايةَ ذلك، مع أنَّ الشتاء مظِنّة الغيوم.

  36. والرواية الثانية: يؤخِّرها في الغيم أيضًا، وهذه أصرَح عنه. قال - رضي الله عنه - (١) : يؤخِّر الظهرَ في يوم الغَيم، ويعجِّل العصرَ، ويؤخِّر المغربَ، ويعجِّل العشاء. وقال أيضًا (٢) : في يوم الغيم يؤخِّر الظهرَ حتى لا يشُكَّ أنها قد حانت، ويعجِّل العصرَ. والمغرب يؤخِّرها حتى يعلم أنه سواد الليل، ويعجِّل العشاءَ.

  37. وهذا اختيار أكثر أصحابنا، لما روى سعيد في «سننه» عن إبراهيم النخعي قال: كانوا يؤخِّرون الظهر، ويعجِّلون العصر، ويؤخِّرون المغرب في اليوم المُغِيم (٣) . وهذا إخبار عن أهل الكوفة من أصحاب علي وعبد الله، ومَن بين ظهرانيهم من الصحابة. ومَن علِم حالَهم علِمَ أنهم لم يكونوا يتحرَّون ذلك إلا تلقِّيًا له عن أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؛ لأنَّ الصلاة تتكرَّر في كلِّ وقت، فأمرُ الوقت بها لا بَّد أن يتقدَّم فيه سنّة وأثر (٤) ، ولا يجوز أن

    vol. 3, p. 204يتحرَّوا مخالفة ما ظهر من السنة. وقال ابن المنذر (١) : رُوِّينا عن عمر أنه قال: إذا كان يومُ غيم فعجِّلوا العصر، وأخِّروا الظهر.

  38. ولأنَّ الغيم مظِنَّة المطر وغيره من الموانع للخروج، فإذا أُخِّر الظهر، وعُجِّل العصر، وأُخِّر المغرب، وعُجِّل العشاء= اكتُفي لهما بخروج واحد للمشقَّة. ولهذا قال القاضي: لا يستحَبُّ التأخير لمن يصلِّي في بيته. وقال غيره: بل يستحَبُّ على ظاهر كلامه.

  39. وعلَّل بعض أصحابنا هذه المسألة بأنَّ الغَيم في الجملة مظِنَّة اشتباه الوقت، فأخَّرنا الظهر والمغرب لنتيقَّن دخولَ الوقت (٢) ، فإنهما لا يُفعلان قبل وقتهما بحال، وفعلُهما بعد خروج الوقت جائز للعذر، وهذا عذر في الجملة؛ بخلاف العصر والعشاء فإنهما يصلَّيان قبل وقتهما في حال العذر، وهذا عذر في الجملة، ولا يصلَّيان بعد وقتهما بحال. وأمَّا الفجرُ، فلمَّا لم يجُز بحالٍ تقديمها ولا تأخيرها استوى في حال الاشتباه الأمران. ولذلك استحببنا أن نجعل الثانية من صلاتي الجمع مع تأخير الأولى، ليبقى بمنزلة الجامع بين الصلاتين. وأيضًا فلما كانت الظهر والمغرب يُحذَر فعلُهما قبل الوقت بكلِّ حال [ص ٤٥] ولا يُحذَر التأخيرُ في جميع الأوقات؛ والعصر والعشاء بعكس ذلك فيهما= كان ما بعُد عن المحذور أولى بالمراعاة.

  40. وكلام أحمد يدل على هذا التعليل لأنه قال (٣) : في يوم الغيم يؤخِّر

    vol. 3, p. 205الظهرَ حتى لا يشك أنها قد حانت، ويعجِّل العصر. والمغربُ يؤخِّرها حتَّى يعلم أنه سواد الليل، ويعجِّل العشاء.